عودة فضل شاكر.. بين ارتباك البداية ودفء الذاكرة
فاطمة حوحو
تختلف الحفلات الغنائية باختلاف السياق والزمن، فمنها ما يدخلها الفنان واثقا يترقب استقبالا هادئا، ومنها ما يتطلب منه استعادة ذاته المبعثرة والوقوف بحذر أمام جماهير لطالما طال الانتظار بينه وبينهم. والفرق لا يكمن في طبقات الصوت وحدها، بل يظهر في الخطوة الأولى وارتجافة اليد، وتلك الثواني الثقيلة التي تسبق النغمة الأولى حين يكون الصمت أبلغ من الكلام.
في حفله الأخير الذي أُقيم مساء 22 أكتوبر 2026 ضمن فعاليات موسم الرياض، لم تكن عودة الفنان فضل شاكر عادية، بل جاءت بعد نحو أربعة عشر عاما من الغياب القسري عن المنصات الجماهيرية. ولم يكن عائدا إلى مسرح خالٍ من الذاكرة، بل إلى جمهور احتفظ بأغنياته طيلة سنوات الانقطاع والظروف السياسية والقضائية المعقدة التي طبعت مساره منذ أحداث عبرا عام 2013. هذا الغياب الطويل فرض معادلة صعبة، فالفنان لا يعود إلى نقطة البداية، بل إلى واقع أكثر تعقيدا يواجه فيه جمهوره القديم، والجيل الجديد الذي اكتشفه في غيابه، وصورة زمن تركت ندوبها على ملامح الحاضر.
لم تكن انطلاقة الحفل بالمستوى المنتظر من قِبل محبيه، فقد افتتح الحفل بأغنية “أحلى رسمة”، وبدا واضحا عليه التوتر والارتباك، معترفا للحاضرين بشعوره بالخوف. لم تكن تلك الدقائق الأولى مجرد تعثر عابر، بل عكست عبئا نفسيا وثقلا إنسانيا لمسته عيون المتابعين. فحين يعود الفنان بعد مرحلة قاسية، يصبح كل تعثر صغير قابلا للتأويل، وتتجه الأنظار لتتفحص إن كان الصوت القديم قادرا على مد جسور التواصل مجددا.
ولم يكن المشهد الإنساني ليكتمل لولا حضور ابنه محمد إلى جانبه على المسرح، إذ تجاوز وجوده الإطار العائلي المعتاد ليتحول إلى سند معنوي ونفسي يعين والده على تجاوز رهبة اللحظة. حين يحتاج النجم إلى ابنه ليهيئ له استقبالا مطمئنا، يسقط القناع الفني مؤقتاً ليظهر الإنسان خلف الصورة، في مشهد وجداني هز مشاعر الحاضرين وربط الماضي بالحاضر.
لكن الحكم على الأمسية من دقائقها الأولى كان سيعد إجحافا بحق مسار تكامل تدريجيا. فما إن توغل فضل في أرشيفه الغنائي العريق حتى بدأت الأغنيات القديمة تؤدي دورها السحري في إعادته إلى منطقة مألوفة وآمنة. فالأعمال التي رافقته لسنوات طويلة ليست مجرد ألحان محفوظة، بل هي مساحات وجدانية يعرف كيف يتحرك داخلها حتى وإن كان مرتبكا في محيطها الخارجي.
ومع تلاحق الأغاني استعاد الصوت مساره الطبيعي، وعادت الروح لذلك اللون العاطفي الذي اشتهر به، ليتحول الأداء من مجرد تلاوة صوتية إلى حكايات شخصية تلامس قلوب المستمعين. لقد أثبت هذا التحسن أن البداية المرتبكة لم تكن الحكاية كلها، وأن الجمهور لم يكن مجرد متفرج باحث عن الكمال، بل شريكا حقيقيا في عملية استعادة التوازن الفني والنفسي.
ما يبقى في ذاكرتي من هذه الأمسية ليس صورة فنان صعد إلى المسرح مرتبكا فحسب، ولا صورة فنان تجاوز ارتباكه وغنّى أغنياته القديمة. ما يبقى هو التناقض بين لحظتين: لحظة بدا فيها فضل كأنه يبحث عن طريقه، ولحظة أخذ يستعيد فيها ذلك الطريق عبر الأغنيات التي صنع بها علاقته بجمهوره.
ولعل هذا التناقض هو ما يجعل العودة قابلة للكتابة عنها. فلو جاء الحفل مثاليا منذ بدايته إلى نهايته، لكان من السهل الاحتفاء به والانتهاء. أما حين تتداخل فيه الهشاشة مع الخبرة والتعب مع التحسن، والارتباك مع استعادة الثقة، فإن المشهد يصبح أكثر إنسانية، وأبعد عن الصورة المصقولة التي تقدم عادة في الأخبار الفنية.
لا أريد أن أحمّل فضل شاكر ما لا تقوله مشاهده، ولا أن أستخرج من حركاته اعترافات لم ينطق بها. لكنني أرى أن هذه العودة كشفت شيئاً مهماً عن العلاقة بين الفنان وجمهوره.. الذاكرة تستطيع أن تحفظ الأغنيات سنوات طويلة، لكنها لا تضمن وحدها أن تكون العودة سهلة. على الفنان أن يصعد وأن يواجه اللحظة، وأن يجد صوته من جديد أمام الناس.
وقد يكون هذا ما حدث تدريجيا في الرياض. لم يأت الاطمئنان كله مع الأغنية الأولى، ولم يكن التصفيق وحده كافيا لإزالة الارتباك. احتاج الأمر إلى وقت وإلى الأغنيات التي يعرفها فضل ويعرفه جمهوره من خلالها.
في النهاية لا أرى أن الإنصاف يقتضي القول إن الحفل كان كاملا، ولا أن البداية المرتبكة تختصره. الأصدق أن نقول إن فضل شاكر عاد وهو يحمل آثار غياب طويل، وإن الدقائق الأولى لم تسعفه كما كان متوقعا، ثم أخذ يستعيد حضوره شيئا فشيئا، خصوصا حين عاد إلى أغنياته القديمة.
بعض الفنانين لا يحتاجون إلى أن يثبتوا أن الماضي كان جميلا، بل يحتاجون إلى أن يعرفوا إن كان لا يزال ممكنا أن يغنّوا في الحاضر. وفي حفل فضل شاكر كان السؤال في البداية أكبر من الأغنية. ثم شيئا فشيئا عادت الأغنية لتأخذ مكانها، وعاد معها شيء من فضل الذي جاء الجمهور من أجله.
