الكوميسير عرشان من جلاد إلى ممثل للأمة: منعرجات السياسة بالمغرب (الحلقة الأولى)

الكوميسير عرشان من جلاد إلى ممثل للأمة: منعرجات السياسة بالمغرب (الحلقة الأولى)

الأمين مشبال

           أعادت التصريحات الصادمة التي أدلى بها الكوميسير السابق محمود عرشان تحت قبة البرلمان، وما أثارته من ردود فعل قوية، النقاش إلى الواجهة الإعلامية حول ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومضمون العدالة الانتقالية، وقبل ذلك كله، قيمة شهادة الضحايا، بل وحتى شهادات بعض من عايشوا تلك المرحلة من داخل جهاز أمني.

غير أن هذا النقاش يطرح سؤالا منهجيا لا يقل أهمية عن السؤال الأخلاقي: كيف نتعامل مع شهادة قد تكون صحيحة في جوهرها، وغير دقيقة في بعض تفاصيلها؟ هذا ما أحاول مقاربته في هذه الحلقة، انطلاقا من شهادتين متداولتين، مع التمييز بين ما هو ثابت وما هو موضع شك وما لا يجد ما يسنده.

شهادتان

عقب تصريحات عرشان، جرى تداول تسجيل فيديو لأحمد البخاري، الموظف السابق بجهاز المخابرات المعروف بالكاب 1، يتحدث فيه عن أفعال شنيعة لعرشان بدرب مولاي الشريف، في سياق الاعتقالات الواسعة التي استهدفت منظمة «23 مارس» وبعض قادة وأطر منظمة «إلى الأمام» في مطلع نوفمبر 1974. وتحدث البخاري عن الدور الذي اضطلع به عرشان في جلسات التعذيب الجهنمي التي تعرض لها مئات من قيادات وأطر ومناضلي المنظمتين بين نوفمبر 1974 ويناير 1976. ومن أخطر ما ورد في شهادته استعمال زجاجة («القرعة») في الاعتداء على الراحل أبراهام السرفاتي لانتزاع معلومات منه، وقيام عرشان، بتواطؤ مع الجلاد اليوسفي قدور، بالاعتداء الجنسي على عدد من المناضلين الشباب.

وفي السياق نفسه، نشر المعتقل السياسي السابق جمال الدين بنعمر رسالة مفتوحة استعرض فيها جوانب من تجربة اعتقاله في يناير 1976، وتحدث عن معاينته حضور عرشان إلى جانب الجلاد الشهير اليوسفي قدور، وعن سماعه رفاقا له يموتون تحت التعذيب، من بينهم عبد اللطيف زروال وأمين التهاني.

بداية تجدر الإشارة إلى كون السجل الدموي لمحمود عرشان أشهر من نار على علم لكون إسمه ارتبط في شهادات عدد من المناضلين الاتحاديين، بممارسة التعذيب بالمعتقل السري الرهيب “درب مولاي الشريف” منذ قضية «المؤامرة على حياة ولي العهد” سنة 1963، وصولا إلى الاعتقالات التي أعقبت أحداث 3 مارس 1973 المسلحة المرتبطة بما كان يعرف بجناح الفقيه البصري.

وفي هذا الصدد يمكن الرجوع إلى شهادات مناضلين اتحاديين تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب على يد الكوميسير عرشان، سبق أن وثقها ونشرها المناضل الحقوقي والمعتقل السياسي السابق صلاح الوديع في أحد أعداد أسبوعية “النشرة” التي كانت تصدرها الشبيبة الاتحادية خلال تسعينيات القرن الماضي.

رواية البخاري على المحك

 استفسرت عددا من الرفاق الذين قضوا أزيد من ثمانية أشهر مختطفين ومحتجزين بدرب مولاي الشريف، قبل محاكمتهم في يناير 1977 أمام محكمة الجنايات بالدار البيضاء، عمّا إذا كانوا قد عاينوا عرشان هناك خلال فترة اختطافهم، فجاءت إجابتهم بالنفي. كما اطلعت، أثناء إعداد كتابي «النزول من السماء»، الذي وثقت فيه تجربتي السياسية في صفوف منظمة «إلى الأمام» وتجربة الاعتقال والسجن، على عشرات الوثائق والكتب والشهادات المتعلقة بتلك المرحلة، فعثرت فيها على أسماء مسؤولين عن التعذيب من رتب مختلفة، دون أن أعثر على اسم محمود عرشان في السياقات التي بحثت فيها. ولا أعتبر هذا الغياب، في حد ذاته، دليلا قاطعا على عدم وجوده، لكنه عنصر يستحق الأخذ به عند فحص الروايات المتداولة.

في مسألة «القرعة». لا أجد، فيما اطلعت عليه من مذكرات السرفاتي وما أعرفه من أحاديث رفاقه عنه، ما يسند ما أورده البخاري. فقد تعرض السرفاتي لتعذيب شديد بعد اعتقاله فجر 9 نوفمبر 1974، لكنه توقف بعد وصول مليشيات اليوسفي قدور إلى المقر الذي كان يحتضن جهاز «الأوفسيط» المخصص لطباعة أدبيات المنظمة ومنشوراتها.

في مسألة الاعتداءات الجنسية. لم أجد، فيما عاينته وما اطلعت عليه من شهادات، ما يؤيد هذه الادعاءات، كما لم ترد فيما وثقته المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، ولا تناولتها تصريحات الرفاق أثناء المحاكمة. وأنا أدرك أن هذا الغياب لا يكفي وحده للنفي، فالعنف الجنسي كثيرا ما يتأخر الإفصاح عنه، ولذلك أكتفي بالقول إنه ادعاء يبقى في حاجة إلى ما يسنده، لا إلى ما ينفيه.

في المقابل، فإن أساليب التعذيب الموثقة لا تحتاج إلى مبالغة، فقد اعتمدت حصصه على وسائل شديدة الإيلام، من بينها «الفلقة»، والخنق باستعمال خرقة قذرة ومزيج من الماء ومواد ملوثة أخرى، فضلا عن الصعق بالكهرباء. وقد خلفت هذه الأساليب جروحا وتعفنات وعاهات، وأفضت، في حالات أخرى، إلى الوفاة، كما حدث للراحلين عبد اللطيف زروال في 14نوفمبر 1974 وأمين التهاني في 6 نوفمبر 1985.

رسالة جمال بنعمر

أما رسالة المعتقل السياسي والمبعوث الأممي السابق، الصديق والرفيق جمال الدين بنعمر، فتتضمن، في تقديري، بعض الالتباسات في استعادة وقائع تلك المرحلة، وهو أمر يمكن تفهمه بالنظر إلى مرور أزيد من خمسين سنة على الأحداث. وأرتبها هنا من الأقرب إلى موضوع عرشان إلى الأبعد عنه.

أولا، مدة المكوث بالدرب وظروفه. يذكر بنعمر في رسالته أن آخر مرة رأى فيها عرشان كان هذا الأخير «يحمل هراوة» خلف «معلمه»، في إشارة إلى الكوميسير السيئ السمعة اليوسفي قدور. وأحد مصادر الالتباس، فيما أرى، هو قصر المدة التي قضاها بنعمر بدرب مولاي الشريف عقب اعتقاله في يناير 1976، فهي لا تتجاوز، حسب ما أتوفر عليه من معلومات، يوما أو يومين قبل نقله إلى الكوميسارية المركزية بطنجة للتحقيق معه. وهناك سيقضي زهاء ستة أشهر رفقة مجموعة من المناضلين المسؤولين عن قطاع التلاميذ في طنجة وتطوان، كان أبرزهم إدريس الزايدي وأحمد بوغابة وأحمد حسني. وهذه المدة القصيرة، في ظروف كان المعتقل خلالها مقيد اليدين ومعصوب العينين، لا تسمح بالضرورة بتكوين صورة دقيقة عن المكان، أو بالتعرف على المعتقلين والمحققين. ويُضاف إلى ذلك أن بنعمر يتحدث عن سماعه بدرب مولاي الشريف عن وفاة التهاني، في حين أن الأخير اعتقل يوم 27 أكتوبر 1985، وتوفي نتيجة التعذيب في 6 نوفمبر1985، أي بعد أن غادر بنعمر السجن المركزي شهر دجنبر 1983. وهذا ما يزيد الشكوك حول وجود عرشان ضمن زبانية الدرب في تلك الفترات.

ثانيا، المحجوز الذي ضُبط بحوزته. ذكر بنعمر أنه كان يحمل في حقيبته منشورا كتبه السرفاتي، والحال أن السرفاتي كان حينها قد أمضى أزيد من أربعة عشر شهرا مختطفا بدرب مولاي الشريف، منذ نوفمبر 1974 إلى يناير 1976. وكانت قيادة منظمة «إلى الأمام»، عقب اعتقال عبد اللطيف زروال وأبراهام السرفاتي، قد ظلت تقتصر في عضويتها على الرفيقين الراحلين المشتري بلعباس وعبد الفتاح فاكهاني. كما تجدر الإشارة إلى كون وثائق ومنشورات “إلى الأمام ” في تلك الفترة لم تكن تحمل توقيع بأسماء قادتها الحقيقية أو الحركية بل كانت توقع باسم المنظمة.

ثالثا، المسار الدراسي. ورد في الرسالة أنه حصل على شهادة الباكلوريا من داخل الزنزانة على ضوء شمعة ثم بدأ الماجستير بالفرنسية. غير أنني أذكر جيدا أن بنعمر حصل على الباكلوريا في دورة يونيو 1975، في شعبة الآداب العصرية، وكان حينها عضوا نشيطا في اللجنة الأساسية المشرفة على العمل في قطاع التلاميذ في تطوان. وبالتالي فإنه حين اعتقاله في يناير 1976 بالرباط كان طالبا جامعيا.

الملاحظتان الثانية والثالثة لا تمسان مسألة وجود عرشان من قريب أو بعيد، لكنهما مثال على الثغرات التي تصيب ذاكرة الإنسان مع توالي الأيام والسنين. أما الأولى فتمس موضوع الشهادة مباشرة، لأنها تتعلق بقدرة الشاهد، في ظروفه تلك، على التعرف على الأشخاص والأمكنة

 شهادات الماضي

إن استحضار هذه الوقائع والتدقيق فيها ليس ترفا، بل هو جزء من توثيق مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ المغرب، ووفاء لذكرى مناضلين قدموا حياتهم وأزهى فترات عمرهم في سبيل غد أفضل لهذا الوطن. ومن هنا فإن التعامل مع شهادات الماضي ينبغي أن يقوم على مبدأين متكاملين:

الإنصات، من جهة، إلى من عاشوا الانتهاكات، مع عدم تحويل شهاداتهم إلى سرديات معصومة من الخطأ، وإخضاع التفاصيل القابلة للتحقق للمقارنة، مع التمييز بين الخطأ في التاريخ وبين الالتباس في التذكر الذي قد يؤثر في مضمون الرواية من جهة ثانية.

وفي حالة عرشان، لا يؤدي هذا التدقيق إلى تبرئته من مسؤولية ثابتة في شهادات ضحاياه، وإنما يحول دون أن تذوب هذه المسؤولية في تفاصيل غير مسنودة قد تُستعمل يوما للتشكيك في صدقية الشهادات كلها. فدقة التوثيق هي أفضل حماية لقضية الضحايا. وفي الحلقة المقبلة ننتقل من هذا الماضي إلى المسار السياسي الذي قاد صاحبه إلى قبة البرلمان، بارتباط مع تجربة الإنصاف والمصالحة ببلادنا.

* إعلامي ومعتقل سياسي سابق

شارك هذا الموضوع

الأمين مشبال

إعلامي وباحث في الخطاب السياسي (المغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!