إسرائيل.. كيف تتضخم وكيف تتآكل؟
ذ. يوسف مقران
بعيدا عن تحليلات اللحظة، عندما ننظر إلى إسرائيل في سياق التاريخ، حيث تصعد القوى وتبلغ ذروة مجدها قبل أن تبدأ بالتراجع، كيف نفهم هذا الكيان؟
إسرائيل اليوم تفتح جبهات متعددة؛ تحتل أراضي سورية ولبنانية، وتواجه إيران.
برأيي، هي الآن في مرحلة إخراج كامل فائض القوة الذي تمتلكه.
ما تقوم به إسرائيل يتجاوز حجمها الحقيقي، جغرافيا وعسكريا، خصوصا أنها تعتمد في جانب أساسي من قوتها على الدعم المباشر من الولايات المتحدة. وربما تحقق انتصارات عسكرية تجعلها تبدو القوة الأكثر تفوقا في الإقليم.
لكن هل يعني ذلك أنها أصبحت أكثر رسوخا، أم أنها تستهلك من عناصر قوتها بقدر ما تستخدمها؟
أرى أن الحالة الإسرائيلية تطرح سؤالا جديا حول قدرة كيان نشأ في ظروف استثنائية، ويعيش وسط محيط معاد، على الاستمرار في ظل هذا التوسع المتواصل. ليس لأن نهايته وشيكة بالضرورة، بل لأن عوامل القوة التي تحميه اليوم قد تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى مصادر استنزافه.
لماذا؟
أولا: المحيط الذي لا يتحول إلى حاضنة
حتى لو تم التطبيع بين الحكومات، فإن الشعوب لا تطبع بالضرورة. فالعلاقات الرسمية قد تتغير، لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل أصبحت جزءا مقبولا من الوعي الشعبي في المنطقة.
ثم إن هذا الكيان لم ينشأ نتيجة تطور تاريخي طبيعي داخل المنطقة، بل ارتبط قيامه بمشروع استيطاني رعته قوى دولية وفرض واقعا جديدا على حساب الشعب الفلسطيني. وهذا يمنحه تفوقا عسكريا، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول قدرته على بناء استقرار طويل الأمد في محيط لا يزال الصراع معه مفتوحا.
ثانيا: الجغرافيا تفرض نفسها
مهما توسعت إسرائيل واستخدمت القوة، فإنها تظل كيانا محدود المساحة وسط محيط عربي شاسع، حتى وإن بدا هذا المحيط اليوم ضعيفا وممزقا.
صحيح أن التفوق العسكري والتكنولوجي قد يمنحان دولة صغيرة قدرة كبيرة على الردع والهجوم، لكن السيطرة على الأرض شيء، وضمان الاستقرار فيها شيء آخر. فكل توسع يضيف إلى مساحة النفوذ أعباء جديدة، وكل أرض يجري احتلالها تحتاج إلى قوة تحميها، وموارد تمول السيطرة عليها، وقرارات سياسية تبرر استمرارها.
وهنا تبدأ الجغرافيا في التحول من مساحة يمكن التوسع فيها إلى عبء يجب الدفاع عنه.
ثالثا، وهو الأهم بنظري: حين تتسع الجبهات، تضيق الدولة
التاريخ يقدم لنا أمثلة على قوى بلغت ذروة اتساعها، ثم بدأت تواجه صعوبة في الحفاظ على ما راكمته من نفوذ.
روما، مثلا، لم تسقط بضربة واحدة. فقد واجهت، عبر مراحل طويلة، أعباء التوسع، وتكاليف إدارة الأراضي البعيدة، وضغوط الحدود، والصراعات الداخلية. ولم يكن التوسع وحده سبب سقوطها، لكنه ساهم، في مراحل مختلفة، في تعقيد أزماتها واستنزاف مواردها.
وتكررت صور من هذا المسار، وإن اختلفت الظروف، في تجارب المغول والعثمانيين ونابليون. فالقوة التي تنجح في التوسع ليست بالضرورة القوة القادرة على الاحتفاظ بكل ما توسعت فيه.
واليوم، نرى إسرائيل تتحرك على جبهات متعددة: في غزة، ولبنان، وسورية، وفي مواجهة إيران.
تبدو واثقة، وتستند إلى تفوق عسكري واضح ودعم أمريكي واسع. لكن السؤال هو: إلى أي حد تستطيع مواصلة هذا النمط من الحروب من دون أن تتراكم كلفته في الداخل؟
فكل حرب لها ثمن، لا يقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل أيضا بما تفرضه على الاقتصاد، وما تتركه من انقسامات اجتماعية، وما تثيره من خلافات حول أهداف الحرب وجدواها، وما تستهلكه من رصيد الدولة السياسي والدبلوماسي.
قد تنتصر إسرائيل عسكريا في جبهة، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى فتح جبهة أخرى، أو إلى إبقاء قواتها في أرض احتلتها، أو إلى مواجهة مقاومة تستنزفها على مدى طويل. وهكذا يصبح الانتصار نفسه بداية لالتزامات جديدة، لا نهاية للصراع.
وهنا يكمن جوهر المسألة: ليست المشكلة في أن إسرائيل قوية، بل في الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على تحويل التفوق إلى استقرار دائم.
ما هو فرط التوسع؟
فرط التوسع مفهوم يستخدم في دراسة الدول والإمبراطوريات عندما تتجاوز الالتزامات العسكرية والجغرافية والسياسية قدرتها على تحمل تكاليفها وإدارتها. عندها تتوزع الموارد، وتُستنزف القوات، وتتزايد أعباء حماية المناطق الخاضعة للسيطرة، وقد يجد المركز نفسه مضطرا إلى إنفاق مزيد من موارده للحفاظ على مكاسب لم تعد كلفتها متناسبة مع عائدها.
لكن فرط التوسع لا يعني أن الانهيار سيقع حتما، ولا أن كل دولة تخوض حروبا متعددة محكوم عليها بالسقوط. فذلك يتوقف على عوامل أخرى، منها قوة الاقتصاد، ومتانة المؤسسات، وطبيعة التحالفات، وقدرة الدولة على مراجعة أهدافها والتراجع حين تصبح الكلفة أكبر من المكاسب.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الحالة الإسرائيلية بوصفها اختبارا لحدود القوة، لا حكما مسبقا على موعد النهاية.
فإسرائيل قد تنجح في تحقيق مكاسب عسكرية، وقد تفرض وقائع جديدة على الأرض، لكن قدرتها على تحويل هذه المكاسب إلى أمن واستقرار مسألة مختلفة تماما.
القوة قد تفرض السيطرة، لكنها لا تضمن القبول. وقد تكسب الحرب، من دون أن تنجح في إنهاء الصراع.
ولعل الخطر الأكبر على إسرائيل لا يكمن في كثرة أعدائها وحدها، بل في أن تتحول كل جبهة جديدة إلى التزام طويل الأمد، وكل انتصار عسكري إلى حاجة لمزيد من القوة، حتى تجد نفسها أمام سؤال لم تستطع القوة وحدها الإجابة عنه: إلى متى يمكن الاستمرار على هذا النحو؟
