حين يرقص “الممثلون” في مهرجان الجلاد!

حين يرقص “الممثلون” في مهرجان الجلاد!

عبد الرحيم التوراني

         أهلا بكم في مهرجان المسخرة الوطنية… العرض مجاني اليوم والمسرح مكتظ عن آخره بالراقصين والممثلين الذين يتبادلون نخب الخيانة على رفات الذاكرة. غير أن البطل التراجيكوميدي الذي يسرق الأضواء دون منازع، ويخطف الأنظار تحت البروجيكتورات، هو ذلك الشيخ الجلاد الذي بلغ من العمر عتيا، وما زال يمارس هوايته المفضلة بكل شغف: الكذب الوقح والنكران البارد.

مخلوق عجيب ينطبق عليه المثل الشعبي بالحرف: “قاطع يده من يد الله”. لم تكسر السنون حدة شراسته، لكنها حفظت له كامل بريق النكران في عينيه، ولم يدفع شيب الرأس قلبه الميت إلى التوبة أو الاستغفار. بل تجده يواصل جلد الحقيقة بحماس شاب في العشرين، وكأن عقله الباطن لم يتبرمج عبر عقود الخدمة إلا على أساليب التنكيل والجلد وعصر الأجساد في غياهب المعتقلات السرية.

لكن الكوميديا السوداء لا تقف عند هذا الحد، فالجلاد المتقاعد قرر فجأة ارتداء قناع القداسة. يطل عليك بوقار مفتعل مدعيا التقى والورع، وينسب نفسه فورا إلى سلالة الشرفاء والأولياء الصالحين، كأنه يبرر أفعاله بهذا النسب الشريف، شأنه شأن أولئك الذين يحملون بطاقات حظوة عليها “شرطتان” بلون الراية الأحمر والأخضر، وخطت فوقها عبارة “واجب الاحترام لحامل هذه البطاقة”!!! إن الجلاد يحاول هنا إقناعنا بأنه كان طوال حياته حمام سلام يزرع الخير ويوزع الورود على المعذبين.

ولأن الإخراج الديني يتطلب إكسسوارات ضخمة ومبهرة، لا ينسى صاحبنا ارتداء جلباب ناصع البياض، يسبل أطرافه لعلها تغطي سوءة تاريخ ملوث بدماء الأحرار وأدوات التعذيب. تجده يتسابق أيام الجمعة مع المصلين ليتصدر الصف الأول خلف الإمام، غافلا عن أن الوقوف في الصف الأول لا يمنح ذرة إيمان لمن لا إيمان له، وأن أمتار القماش الأبيض لن تحول مسيلمة الكذاب إلى قديس في محراب العدالة.

أما قمة المشهد وذروته التراجيدية، فتستعر عندما يشرع هذا الجلاد في الحديث عن “شعوره بالألم”!!!

 تخيلوا معي هذا العبث: صانع الآلام والمتفنن في تزويقها على أجساد المناضلين المعتقلين في غياهب المعتقلات السرية، يشتكي الألم… ودرب مولاي الشريف ودار المقري تشهد أطلالها المكتظة بأصداء كل تلك الآلام والمصائب.

نعم.. الجلاد من لحم ودم، لكنه ليس من البشر، وحاشا لله أن يكون إنسانا، وحاشا أن يكون منا أو مثلنا.. لكنه يتألم!!!

يا له من مسكين وضحية!!! فلتكفوا عن تعذيب هذا التقي باتهاماتكم الرخيصة يا أيها الطابور الخامس…

والرقم خمسة عند الجلاد رقم موقر ومقدس، فالقيد الذي يغل به أيادي المعتقلين اسمه “نوميرو خمسة”.. لكنه ينسى ببراعة أنه لا رقم للشواية والعصابات التي تطفئ البصر، ولا رقم للسوط الذي يشعل النار فوق الأجساد، ولا رقم للقرعة التي يجبر المعتقل على الجلوس عليها، ولا رقم للطيارة التي يعلق عليها الضحايا بين الأرض والسماء.. بل إن الجهات الأربعة تنقلب خمسة في جغرافية الجلاد، إذ يضيف إليها جهة القبو السري المظلم، ليتنفس وحده من هوائه الفاسد وليختنق الباقون…

أووه، نسيت… هي الخمس صلوات التي يمارسها الجلاد يوميا بحرص شديد، اكتسابا لطاعة ربه ومولاه وغفرانا لذنوبه!!!

في خلوته يتأمل الجلاد يده، يقرأ في خطوط كفها تاريخه الدموي، لكنه لا يريد أن يعترف بما اقترفه بها من مصائب وجرائم. يتذكر بمرارة كل من مد لهم يده للمصافحة يوما فرفضوا مصافحته.. فالمصافحة باليد تعني الصفح، ولا صفح لجلاد يعتقد أن شهادة التقاعد كافية لغسل سجله وتنظيف قذاراته…

يد المعتقل السياسي والشاعر صلاح الوديع امتنعت قبل عقله. ويد محمد نوبير الأموي امتنعت أيضا.. فعندما مد الجلاد يده ليصافح الأموي، سخر منه الزعيم النقابي والسياسي قائلا بتحد: “الآن سأخرج منك الزيت العنكورية!”… وهي نفس العبارة الترهيبية التي كان الجلاد يصرخ بها في وجه الأموي لإرغامه على الاعتراف. وأما الزيت العنكورية فلا وجود لها أصلا، ومهما تطاول الجلاد وتجبر لا وجود له بين شرفاء الوطن كبارا وصغارا، أحياء وأمواتا. ترفضه الأرض ويلعنه التراب.

إننا هنا أمام صراع الذاكرات، فمن يا ترى ينتصر في هذا الصراع: ذاكرة الجلاد أم ذاكرة الضحية؟

إن ذاكرة الضحية هي التي تنتصر حتما ولو كانت ممددة تحت التراب. لكن هل يملك الجلادون ذاكرة أصلا؟

كل ما يفعلونه في واقع الأمر هو التشافي الدائم والعصي من الذاكرة، فالذاكرة تعذبهم وتجلدهم وتقهرهم كلما لاح طيفها في عتمة الليل، فيعملون على الانتقام منها بسياط الأكاذيب والتزوير…

 يظل الجلاد يكذب ويكذب حتى تتحول شخصيته إلى أكذوبة تتنفس، فلا أحد يصدقه.. وهذا بالذات ما يتسبب له في ألمه المزمن وحنقه المكتوم الذي لا يبرأ.

يغتاظ الجلاد أشد الغيظ عندما يتذكر أسماء المناضلين، الأحياء منهم والأموات.. فتراه يتمنى إفناء الأحياء وإعادة قتل الأموات ألف مرة ليطمئن باله. وهو ما تيسره له الأجهزة التي خدمها بوفاء وشراسة، فرفعت قدره ومكافأته إلى مجلس البرلمان وإلى رئاسة البلدية وتسيير الفرق الرياضية، وصناعة مهرجانات الصخب والعنف والزيف ليرقص فيها مع الممثلين.

إن مأساة هؤلاء الجلادين الكبرى أنهم يعتقدون أن المناصب والمهرجانات وبطاقات الشرفاء ومسابح الورع تمسح ملفات الأرشيف، وأن رقص الممثلين المأجورين سيكسر ذاكرة الشعب. لكنها ذاكرة لا تصاب بالزهايمر، والجلباب الأبيض مهما اتسع يظل ضيقا عن ستر عورة جلاد، ومهما تبوأ من مقاعد البرلمان والبلدية، سيظل مجرد أكذوبة تدمع ويمشي صاحبها على قدمين…

بعض الحروف تنوب عن بعضها وتتبادل المواقع في غفلة من اللغة، وهذا تماما ما تكشف عنه حروف كلمتي الجلاد والدجال، الجلاد ينقلب دجالا والدجال يتقمص دور الجلاد.

رفعت الأقلام وجفت الصحف.. ولم ترفع السياط ولا جفت الدماء!

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!