لماذا فشل الانتقال الديمقراطي في المغرب؟

لماذا فشل الانتقال الديمقراطي في المغرب؟

موح نوبير الأموي

بعد انتخاب  محمد نوبير الأموي في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة ١٩٨٩، أخدأ أفقه السياسي يتوسع، وبدأ في تطوير استراتيجية أخرى لتحقيق مكتسبات أكبر للطبقة العاملة وعموم الشعب المغربي، وصلت أوجها بالمطالبة بالإصلاحات السياسية وبملك يسود ولايحكم في فاتح ماي ١٩٩١، وانتهت بمحاكمته الشهيرة بعد استجواب جريدة “الباييس” الإسبانية، حيث وصف الوزراء بـ”المانغنتيس”، الكلمة التي دخلت القاموس المغربي بمصطلح “المناقطية”.

ما هي هذه الاستراتيجية الجديدة التي تصورها وصاغها ثم نفذها؟

الاستراتيجية القديمة كان مجالها أساسا الموظفون والقطاعات الإنتاجية العمالية المهيكلة، مع محاولة ضم الحرفيين والتجار الصغار في النقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين. نظريا كانت الفلسفة الهيجلية هي التي تؤطر فكر الأموي، وقد تجلت أساسا في جدلية السياسي والنقابي وجدلية الداخل والخارج.

جدلية النقابي والسياسي تجلت في ربط النضال النقابي بأفق سياسي، يتمثل في الحركات التقدمية التي تطالب بسياسة اجتماعية، خاصة الاتحاد الاشتراكي، الذي  تأسست الكونفدرالية في كنفه وداخل مقراته. وهي جدلية ضرورية، لأن القوانين الاجتماعية وقواعد التفاوض كانت تصنع وتغير في المستوى السياسي لصالح الكمبرادور الطفيلي. فكان لزاما خوض الصراع السياسي والنضال الديمقراطي لتحسين شروط النضال النقابي، وتغيير ميزان القوة لصالح الطبقة العاملة و حلفائها السياسيين.

الجدلية الثانية كانت هي جدلية الداخل والخارج. ذلك أن جزءا من الطبقة العاملة المغربية كانت بالخارج، وأن الكمبرادور المحلي كان مرتبطا بالمستعمر السابق وبالرأسمال الخارجي، الذي يملي سياسته الاقتصادية عن طريق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والنوادي المالية والشركات المتعددة الجنسية، التي تبحث عن يد عاملة رخيصة غير منظمة وعن استغلال الثروات الطبيعية، وعن أسواق لمنتجاتها… وتمثلت جدلية الخارج في التحالف مع النقابات التقدمية بفرنسا وبلجيكا وربط الاتصال بالعمال المغاربة في الخارج والمنظمات العمالية العالمية، بحيث تشكل دعما للكونفدرالية حين يمارس القمع والمنع عليها، وعند رفع دعاوي وشكايات ضد الحكومة المغربية في المكتب الدولي للشغل، حين لا تلتزم الحكومة بالاتفاقيات الدولية. كانت المواقف القومية تدخل أيضا في جدلية الداخل والخارج، والتواجد في كافة ساحات الصراع، دفاعا عن القيم الإنسانية…

لقد وصلت هذه الاستراتيجية إلى حدودها، ولم تُمكِّن إلا من تقدم بسيط في الأجور بالنسبة للموظفين ورجال التعليم، الذين كانوا يقودون النضالات على المستوى السياسي والاجتماعي…

كان لابد من توسيع مجال الصراع إلى الفضاءات التي كان يحتلها المخزن، وكانت بالنسبة له محميات ريعية تمول أدواته وتمكنه من التحكم في اللعبة السياسية والانتخابية. فتم تأسيس النقابة الوطنية للفلاحين الصغار، التي حوربت بشراسة من طرف المخزن، وداخل مقرات الكونفدرالية جرى تأسيس الجمعية الوطنية للمعطلين، كما تم دعم تنظيم الشبيبة الاتحادية (الاتحاد الاشتراكي) في أفق إحياء القطاع الطلابي. تم أيضا تقوية الدعم الخارجي، بالتحالف مع اللجان العمالية الإسبانية، وفي إطار النضال الديمقراطي تم دعم عائلات المعتقلين والمختطفين. كما تم تأسيس خلية من الأطر والأساتذة الجامعيين الاقتصاديين، وخلية من المحامين ورجال القانون، وبالموازاة مع ذلك، قاد الأموي معركة تنظيمية داخل  حزب الاتحاد الاشتراكي، لتطهير العمل الجماعي وتقوية التنظيمات الإقليمية.

في إطار بناء القاعدة المتينة الفلسفية والايديولوجية للمشروع المجتمعي، كانت زيارة الأموي دورية للمفكر الكبير والفيلسوف والقائد السياسي الذي حرر التقرير الايديولوجي خلال المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الدكتور محمد عابد الجابري, كما تم التضامن مع جماعة العدل والاحسان (الإسلامية المحظورة) و قادتها المعتقلين، الذين كان يتصل بهم الأستاذ المحامي محمد الصَّبري.

بعدما تمت تهيئة ساحات وميادين المواجهة، بدأت المعركة والإضرابات القطاعية، وبالإضراب العام، وبمعركة إعلامية عن طريق سلسلة من الاستجوابات الصحفية، من مجلات وجرائد: (الليبرالي، وحرية المواطن…) وغيرها، كان آخرها استجواب “البايس”، وكان اتخذ قرار اعتقاله يوم ٢٣ مارس ١٩٩٢، وبدأ التحقيق معه يوم ٢٤ مارس ١٩٩٢. ولا بد هنا أن أشير إلى أنه كثف اتصالاته مع المعارضة بالخارج، فكانت لقاءاته مع الفقيه محمد البصري ومومن الديوري، وغيرهم.

قبل اعتقاله بأشهر، رفع مستوى النقاش السياسي، بالمطالبة بإصلاحات دستورية، بفصل حقيقي للسلط وتحديد واضح لسلطات الملك بالضبط في الوثيقة الدستورية، وخلال الليلة التي سبقت اعتقاله تساءل في تجمع في سيدي عثمان (بالدار البيضاء)عن شركة “أونا” (الهولدينغ الملكي)،  وعن الجمع بين المال والسلطة، وبيع مواد الزيت والسكر والحليب والزبدة للمواطنين…

رغم ذلك، لم يضعف زخم النضال، وشكلت لجان للتضامن في كل أنحاء العالم، و سنة بعد إطلاق سراحه سنة ١٩٩٣ تم إصدار عفو عام عن كل المعتقلين السياسيين واللاجئين بالخارج. وبدأ الاستعداد للتناوب التوافقي، الذي أفشل الأموي النسخة الأولى منه، يوم ٦ يناير ١٩٩٥، لما رفض المشاركة، ووضع الفيتو على الحكومة التي كان سيترأسها الأستاذ امحمد بوستة من حزب الاستقلال، وعلل رفضه بالوفاء لعبد الرحمان اليوسفي، حيث سأل خلال ذلك الاجتماع الاستقلالي محمد الوفا: ألا تعرف معنى الوفاء و اسمك “الوفا”؟! وقد كانت للأموي دوافع أخرى مع الوفاء لليوسفي سآتي على شرحها لاحقا…

رغم التناوب التوافقي والانتقال السلس للعرش، بقيت بنية النظام نفسها لم تتغير، وأعادت إنتاج نفسها بشكل جديد، وانفجرت كل الأحزاب الوطنية، وعدنا للحالة التي كانت قبل ١٩٧٤بشكل أو بآخر،

 لماذا؟

كما قال ماركس لإنجلز في جوابه على رسالته، حيث يفسر فشل ثورة ١٨٤٨ بخيانة المكتب السياسي، بأن حركة التاريخ لا يصنعها الأفراد، ولكن الظروف الموضوعية في جدلية البنية الفوقية والبنية التحتية.

أعتقد أنه في المغرب، الانتقال الديمقراطي لم يحصل لأن العالم القروي من فلاحين صغار، وفلاحين موسميين، وعمال فلاحين، لم يدخلوا المعركة، وبقي المخزن يحاصر العالم القروي سياسيا، فقد تم إجهاض تجربة نقابة الفلاحين الصغار بضغوط لا يمكن مقاومتها، دخلت فيها الأبناك، وإلى اليوم نلاحظ المحاصرة القوية للعالم القروي ولكل العمال الفلاحيين وتنظيماتهم النقابية.

من جهة أخرى بقيت إدارة الشؤون العامة كما تركها الاستعمار، بجهاز لاتاريخي ينتج ويكرس الريع وثقافته ويحاصر العالم القروي، ويكبح تحول المغرب إلى دولة حديثة ترفع تحديات العالم المفتوح.

عمليا غادر الأموي العمل السياسي منذ ٢٠٠١، ليستقر بالبادية، كإشارة على أنه لا ديمقراطية ولا تقدم ولا سياسة إذا لم يرفع الحصار عن العالم القروي، ولن يتغير ميزان القوى الديمقراطية إلا بتسييس البادية والتحاق الفلاحين الصغار بالنضال الديمقراطي.

Visited 13 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة