عَودٌ على موسى الصَّدر (2)

عَودٌ على موسى الصَّدر (2)
علي نجيب العطار
 
    ممَّا لا ريبَ فيه أنَّه مِنْ طَبَعِيَّاتِ المَاجَرَياتِ أنْ يُصيبَ «الشَّخصيَّاتِ العامَّةَ» بعضٌ منْ أذًى يَزدادُ تَجَلِّيهِ إذا كانتِ الشَّخصيَّةُ قدْ صارَتْ إلى ذِمَّةِ اللهِ أوِ التَّاريخِ، أو كِلَيْهِما. والمُرادُ منْ صُوَرِ الأذى ههُنا هو التَّشويهُ التَّأريخيُّ، إذا جازَ الاصطلاحُ، الذي يُعْمَدُ إليهِ عندَ التَّجادُلِ في أمرِ هذه الشَّخصيَّةِ، معَ انتفاءِ الاعتبارِ لمُرادِ هذا التَّشويهِ، فسواءٌ جاءَ على سَبيلِ المَدْحِ أوِ الذَّم.
 
   التَّشويهُ، لُغةً، يُمكنُ أنْ يُعرَّفَ بأنَّه إحداثُ ما شَأْنُهُ تَقْبِيحُ المُشَوَّهِ. والتَّشويهُ التَّأريخيُّ للشَّخصيَّةِ هو وَضْعُها في غيرِ مَوْضِعِها الذي تَستَحِقُّ، سَواءً برَفْعِها أو بوَضْعِها/ خَفْضِها، وسَواءٌ أنْ يُؤتى بالتَّشويهِ تَعَمُّدًا أو عنْ غيرِ عَمْدٍ، إلا أنْ نَكونَ في حَضرَةِ الشِّعرِ فلا يَصْدُقُ إذَّاكَ أنَّ الرَّفْعَ والوَضْعَ تَشويهٌ، أو تَشويهانِ، للشَّخصيَّةِ، وإنَّما ذلكَ منْ ضَروراتِ العملِ الشِّعريِّ. وإذْ نحنُ في مَقامِ الاحتكاكِ بالتَّاريخِ، والتَّاريخِ السِّياسيِّ على وجهِ التَّخصيصِ، فيَصِحُّ مِنَّا القَوْلُ، مع بعضِ التَّحفُّظاتِ الضَّروريَّةِ، أنَّ الشُّعراءَ «يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُون». ولا عَمِيقَ خِلافٍ إذا قرَّرْنا أنَّ السِّياسةَ في لبنانَ، منْ حيثُ أنَّها لَوْثَةٌ وحالةٌ مَرَضِيَّةٌ، تَقومُ على قواعدَ، أو قوائمَ، عِدَّةٍ أَمتَنُها، وأكثرُها هشاشةً في الوقتِ عَيْنِه، هو تَشويهُ شخصيَّاتِ الماضِيَيْنِ، القَريبِ والبَعيدِ، تَشويهًا تَأْريخيًّا.
   
   وليسَ موسى الصَّدرُ بِدْعًا منْ هذه الشَّخصيَّات. ومنَ التَّشويهِ الذي يُعْمَدُ إليهِ عِندَ الخَوْضِ في مُناقشَةِ سيرةِ الصَّدرِ في لبنانَ هو أنْ يُعَنْوَنَ بالعُنوانِ نفسِه الذي تُعَنْوَنُ تحتَه الشَّخصيَّاتُ التي تُمثِّلُ الحالةَ الشِّيعيَّةَ الميتا صَدريَّة. فاعتبارُ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ الآنيَّةِ امتدادًا للحالةِ السِّياسيَّةِ الصَّدريَّةِ هو ضَرْبٌ منْ ضُروبِ التَّشويهِ سَواءً كانَ المُعْتَبِرُ مِمَّنْ يَعدُّونَ أنفسَهم «وارثي الصَّدرِ» فيكونُ اعتبارُهم هذا ذَمًّا للصَّدرِ في مَعرِضِ مَدْحِهِم أنفُسَهم، أو ممَّنْ يُقدِّمونَ أنفُسَهُم مُعارضِينَ للصَّدر و«مشروعِه» فيَصيرُ اعتبارُهم هذا ذَمًّا للصَّدرِ في مَعرِضِ ذَمِّهِم للشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ الآنيَّةِ، أو ممَّنْ هُم مُحايدينَ/ موضوعيينَ تِجاهَ الصَّدرِ والشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ الآنيَّةِ فيكون اعتبارُهم إذَّاكَ إجحافًا في حقِّ الحِيادِ والمَوضوعيَّة. وهذا التَّشويهُ هو ما دَفعَ بالمَقالةِ السَّابقةِ إلى تَقريرِ أنْ ثَمَّةَ فارقٌ كبيرٌ بينَ الشَّخصيَّةِ السِّياسيَّةِ الصَّدريَّةِ والشَّخصيَّة السِّياسيَّةِ الشِّيعيَّةِ الحَاليَّةِ، إذْ أنَّ التَّمايُزاتِ والتَّبايُناتِ والتَّناقُضاتِ القائمةِ بينَ الشَّخصيَّتَيْن، أو الحالَتَيْن، كبيرةٌ بالقَدْرِ الذي يَحولُ دونَ اعتبارِ أُخراهُما امتدادًا لأُولاهُما. ولعلَّ التَّرابُطَ بالدَّولةِ والسُّلطةِ وجدليَّتِهِما، هو أحدُ أهمِّ ما يُستدلُّ به على هذا التَّضادِّ القائم. 
   
   كان ارتباطُ الصَّدرِ بفكرةِ الدَّولةِ أكبرَ منَ ارتباطِه بسُلطةِ الدَّولةِ، وكانتْ دعوتُه تقومُ على فِكرةِ «الدَّولةُ الوطنُ» إذا أخذنا بعَيْنَيْ الاعتبار، عندَ الاصطلاح، المعنيَيْنِ الجَوهريَّيْن للدَّولةِ وللوطن. فالصَّدر لم يَكُنْ مُكوِّنًا من مُكوِّنات السُّلطةِ وإنْ كانَ مُكوِّنًا أساسيًّا مِنْ مُكوِّناتِ السِّياسةِ آنذاك. ويَظهرُ ارتباطُه بفكرةِ الدَّولةِ عبرَ تصريحاتِه التي كانتْ تُحمِّلُ الدَّولةَ مسؤوليَّةَ «مأساةِ الجنوب» وتُطالبُها بمُمارسةِ واجباتِها في حمايةِ الجنوبيينَ منَ الضَّرباتِ الإسرائيليَّة. ولعلَّ أحدَ أكثرِ مَطالبِ الصَّدرِ تكرُّرًا هو إرسالُ الجيشِ اللُّبنانيِّ ليُمسكَ الأمنَ بدلًا من المُنظَّماتِ الفلسطينيَّةِ التي لم تكُنْ تَني تقصفُ شمالَ «إسرائيل» غيرَ آبهةٍ بما كانَ يُنزلُه هذا القصفُ من قصفٍ إسرائيليٍّ على الجنوب. وإذا كانَ الصَّدرُ لم يُظهرْ، قبلَ الحربِ الأهليَّةِ، امتعاضًا صريحًا منْ فَلَتانِ الفصائلِ الفِلسطينيَّةِ في جنوب لُبنان، إلَّا أنَّه قد صرَّحَ بعد يومين منَ اجتياحِ 1978 أنَّ المُقاومةَ الفلسطينيَّةَ «كانَ لا بُدَّ منْ أنْ تتحفَّظَ في تحرُّكاتِها عندما ترى أنَّ هذه التَّحركاتِ قدْ تنعكسُ على جنوبِ لبنانَ وأبناءِ الجنوب». وتاليًا، فإنَّ تعاطي الصَّدرِ معَ القضيَّةِ الفِلسطينيَّةِ كان ينطلِقُ منْ ضرورةِ المُحافظةِ على سيادةِ «الدَّولةِ» اللُّبنانيَّة. أمَّا الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ اليومَ فهي على الضِّدِّ تمامًا منَ الصَّدرِ في مسألةِ الارتباطِ بالدَّولةِ، إذْ أنَّ الشِّيعيَّةَ السِّياسيَّةَ لا ترتبطُ بفكرةِ الدَّولةِ رَغمَ أنَّها مُكوِّنٌ أساسيٌّ منْ مُكوِّناتِ السُّلطةِ بعدَ الطَّائف. وتاليًا، فإنَّ الصَّدرَ لو صرَّح بأنَّه سيَلجأُ إلى السِّلاحِ للدِّفاعِ عنِ الجنوبِ إذا لم تَقُمِ الدَّولةُ بذلك، فهو تصريحٌ مُبرَّرٌ، بصورةٍ أو بأُخرى. أمَّا إذا صَدَرَ التَّصريحُ نفسُه عنِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ اليومَ فسيكونُ ساقطًا بالضَّرورةِ، وذلكَ بلِحاظِ موقِع المُصرِّحِ منَ السُّلطة.  
 
   ويَظهرُ التَّبايُنُ، فيما يَظهرُ، جَليًّا في مسألةِ إيجادِ فصائلَ عسكريَّةٍ تحتَ عُنوانِ المُقاومةِ، وفي الجدليَّةُ التي تربطُ هذه الفصائل بوجودِ الدَّولةِ وغيابِها. فتأسيسُ حركةِ أمل ووجودُها كانَ نتيجةً طَبَعِيَّةً لغِيابِ الدَّولةِ وعدمِ قُدرتِها على تأمينِ الجنوبِ سَواءً برَدْعِ «إسرائيل» أو بضبطِ الفصائلِ الفِلسطينيَّةِ في الجنوبِ على الأقل. بينما في حالةِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ الآنيَّةِ فقدِ انقلبتِ الآيةُ فصارَ غِيابُ الدَّولةِ نتيجةً للسَّلاحِ، بعد أنْ كانَ السِّلاحُ نتيجةً لغِيابِ الدَّولة.
 
   على سبيل الخُلوُصِ: يَجوزُ اعتبارُ موسى الصَّدرِ أبًا منْ آباءِ المُقاومةِ الرُّوحيينَ، لكنَّه لم يَكُنِ الأبَ الوحيدَ بطبيعةِ الحال، لكنْ ممَّا لا يجوزُ أنْ تَقريرُه هو أنَّ الصَّدرَ أبٌ روحيٌّ لـ «أحزابِ المُقاومةِ» التي جاءَتْ مِنْ بينِ يديْهِ ومِنْ وراءِه.
 
Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

نجيب علي العطار

كاتب لبناني