نريد أن نحيا قليلا!

نريد أن نحيا قليلا!

محمود القيسي 

يحبونني ميتًا ليقولوا:

لقد كان منا,

وكآن لنا“.

*محموددرويش

“حياتنا عبء على ليل المؤرخ: “كلما أخفيتهم طلعوا عليَّ من الغياب”… حياتنا عبء على الرسام: “أرسمهم، فأصبح واحداً منهم، ويحجبني الضباب”. حياتنا عبء على الجنرال: “كيف يسيل من شبح دم؟” وحياتنا هي أن نكون كما نريد. نريد أن نحيا قليلاً، لا لشيء… بل لنحترم القيامة بعد الموت”.

 اختلف المؤرخون – كعادتهم بالنسبة لكثير من المدن القديمة – في سبب تسميتها ( غزة ) العزة، فهناك من يقول إنها مشتقة من ( القوة )، وهناك من يقول إن معناها: ( الثروة )، وآخرون يرون أنها تعني: ( المُميزة ) بصفات هامة تميزها عن غيرها من مدن العالم. وألان أصبح أسمها ( غزة الكرامة ) .

 أين العالم..؟ أين صوت الجامعة العربية؟ أين صوت الدول العربية؟ أين الكرامة العربية؟ ما لا نستطيع إدراكه كوعي.. يظهر لاحقاً كقدر.. وما لا نستطيع إدراكه كقدر.. يظهر لاحقًا كغباء. يُعرّف القضاء بأنّه: إحكام الشيء وإتمام الأمر، والقدر في اللغة هو: القضاء والقدر.. هو التدبير الكليّ وتوجيه الأسباب الكليّة..!

 صمت.. صمت.. ما هذا الصمت يسمى في اللغة العربية.. تراب العالم أعلن عن وحشته.. لم يكف الحقد.. سمعنا الغارة ثانية.. نزل الله إلى الأرض.. وأمعاء الأطفال على كفيه الضارعتين.. بكى في الليل بكاءً خشنا وتوسل بالناس يعودون إلى غزة.. فالله كذلك من عاصمة الفقراء.. لا تقتربوا.. لا تقتربوا.. لحم الأطفال سيلعب والغميضة في هذا العالم شاملة..!

 حاول العرب العاربة والمستعربة دائمًا الهروب من القضية الفلسطينية وخصوصًا مفاوضات أوسلو.. أوسلو ذلك الشيء الذي إنتهى إلى اللاشيء.. ورقة أو إتفاقية أو زفت أوسلو التي فصّلها وخيّطها المفاوض الإسرائيلي بيلين على قياس محمود عباس.. وهاهم العرب العاربة والمستعربة يغرقون في شبر دم على شواطىء بحار الدم في غزة..!

 خطيئة الضعفاء أنهم لا يقدرون على إنهاء شيء، بل ينتظرون نهايته، في حين خطيئة الأنقياء، هي ظنهم بأن الجميع مثلهم.. إن الخطأ شيء طبيعي.. بل إن الخطأ شيء رائع، لأنه يؤدي إلى الحقيقة.. كما أعتقد أنه على الإنسان أن يقدس كُلَّ أخطاؤه التي جعلَت منه واعيًا إلى حد تقديس كل أخطائه!

 كن أنت الصوت البديل.. أوصل للعالم صوتهم.. كن أنت الوطن البتول.. يا حزننا بين العين والدموع.. كن أنت صوت العصافير.. قدر العصافير الرحيل.. كن أنت جرحنا المصطفى.. شمعة الأمل في ليل الكوابيس.. كن أنت السحاب.. قوس قزح.. بُشرة الهطول.. نار البدايات البتول..!

 كن انت أيها الطفل الفلسطيني المُدمى  والاشلاء المتطايرة الشاهد والشهيد على تحول المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في قطاع غزة إلى بركة من الدماء والدموع، جراء القصف الإسرائيلي الوحشي.. كن أنت أيها المحروق فينا الشاهد على الانفجار/المذبحة الذي وقعت في باحات المعمداني في الـ 17 من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023 للتاريخ والتأريخ…!

 كن انت أيها الطفل الفلسطيني “المسيح” الشاهد والشهيد من علوك على الصليب على المجزرة/المجازر التي ارتكبتها آلة الحرب والموت الإسرائيلية أبناء (يهوذا الإسخريوطي) بحق فلسطين والمستشفى الأهلي المعمداني مؤخرا في غزة وأكثر من 500 شهيد والاف الجرحى معظمهم نساء وأطفال لجأ الكثير منهم للمستشفى ظناً أنه بيتك الآمن..

 لكن إسرائيل تثبت دوما أنه لا يوجد لديها بيوت آمنة.. ولا يوجود لديها خطوط حمر، ومرة تلو المرة تواصل ارتكاب جرائم الحرب غير مبالية بالقوانين والأعراف الدولية.. ولا تخشى أي مساءلة دولية لأنها تضمن دعم الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.. أولئك الذينا هدموا البيوت على رؤوس أصحابها.. أولئك الذينا سرقوا ثوبك ودفنوه عميقا.

 بحسب الأناجيل “القانونية” فإن يهوذا الإسخريوطي هو التلميذ الذي خان يسوع وسلمه لليهود مقابل ثلاثين قطعة فضة وقتل نفسه بعد قيامة يسوع.. وكان يسوع يعرف دائما بأن يهوذا سيخونه (أَجابهم يسوع: ((أَلَيس أَني أَنا اختَرتكم، الاِثني عشر؟ وواحد منكم شيطَانٌ!)) قال عن يهوذا سمعان الإسخريوطي، لأن هذا كَان مزمعاً أَن يُسَلِّمَه، وهو واحد من الاِثني عشر).

لم تعد تنفع مأساة “الهولوكوست” التاريخية وأوجاعها وذكرياتها المؤلمة التي شوهتها وتاجرت بها الصهيونية الإسرائيلية العالمية العميقة حتى الثمالة بعد الحرب العالمية الثانية سوى استخدامات تلك الصهيونية والليبرالية المزيفة في الغرب المزيف مدعي صفة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الأنسان وحق تقرير مصير الشعوب ديمقراطيًا..

لقد فضح الهولوكوست الفلسطيني الصهيونية العالمية والغرب الديمقراطي وزيف هذه الاستخدامات في ملحمة غزة التي تجاوزات أكثر من 400 مجزرة في زهاء اسبوع واحد فقط وما زالت مستمرة.. لقد كشفت مجازر غزة زيف هذه الاستخدامات السياسية المشبوهة والمشوهة امام ملحمة الدم والنار في غزة التغريبة الفلسطينية الواقفة وحدها تحدق في الشمس!

لعب الإسرائيلي بتغطية أميريكية على القرار 242 في الفقرة “أ” كما لعب على معظم القرارات الدولية تاريخيًا بحذف “ال” التعريف من كلمة “الأراضي” التي احتلتها في حرب 67، كي تصبح الفقرة: “سحب القوات المسلحة من “أراضي” احتلتها إسرائيل في النزاع.. كي تتحول ( ال ) التعريف إلى مسمار “جحا الإسرائيلي” في أي مفاوضات أو تسويات حول حق العودة وإقامة الدولة!

قرأت بوست على الفيس يقول: “من المستحيل أن تبني دولة وطنية مستقلة ذو سيادة في وجود أمة غائبة عن الوعي”، مع ملاحظة صاحب الصفحة: “أنا لست مع التعميم، لكن مع جوهر الفكرة”.. لقد غاب عن صاحب الصفحة إن الكتاب يُقرأ من عنوانه.. وأنا بكل قناعتي الفكرية الظاهرة منها والباطنة مع البوست والجوهر والفكرة.. والتعميم أيضًا!

الجهة التي ضربت مستشفى المعمداني في غزة أرادت نقل “المعركة” او الهروب من المعركة إلى أروقة ودهاليز المنظمة الدولية التي تتقن فنون إدارتها بإمتياز تاريخي.. يشهد عليه التاريخ.. والهروب من استحقاق الحرب البرية داخل دهاليز وانفاق غزة.. او فخ غزة.. او جحيم غزة.. او فيتنام غزة.. وحروب النفس الطويل الذي تتقنه المجموعات الصغيرة في شن حروب العصابات وتنهزم فيه دائمًا الجيوش النظامية الكبيرة…!

ناهيك، ان عملية غزة في السابع من الشهر الجاري خرجت من جعبة ويد (اصحاب نظرية تلك المؤامرة) إلى (مزاد الصراعات الدولية الكبرى) العلنية والمعلنة بين الولايات المتحدة الاميركية والصين والإتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل… والتي سوف تقود إلى عقد اجتماعي دولي جديد متعدد الأقطاب على غرار الدولة الوستفالية تاريخيًا أو العودة إلى العصور الحجرية:

“معاهدة وستفاليا التي تعرف أيضا بمعاهدة مونستر Treaty of Munster أو معاهدة أوسنابروك Treaty of Osnabruck، تمّ توقيعها في 24 أكتوبر 1648 في مونستر واستفاليا ( ألمانيا) ، وقد أنهى هذا الصلح حرب الثلاثين عاما (1618-1648)، والحرب التي بدأت بالثورة ضد هابسبورغ في بوهيميا عام 1618 والتي نتجت عن صراعات مختلفة حول دستور الإمبراطورية الرومانية ونظام الدولة في أوروبا.

انتهت المعاهدة بتوقيع اتفاقيتين: الأولى وُقّعت في مونستر بين الامبراطور الروماني وملك فرنسا، والثانية في أوسنابروك بين الامبراطور وملك السويد. وقد شارك في صلح وستفاليا مجموعة من الأطراف: الإمبراطورية الرومانية المقدّسة، مملكة إسبانيا، فرنسا، الإمبراطورية السويدية، ملوك الإمبراطورية الحرّة في معاهدة وستفاليا. كان الهدف من هذه المعاهدة تسوية النزاعات بشكل عام والنزاعات الدينية بشكل خاص، وقد تعهد ملوك السويد وفرنسا بضمان شروط هذه المعاهدة”.

نعم، المعاهدة التي وُقّعت في مونستر واستفاليا واعطت الفرصة لاول (دولة أقطاب) في العالم على مفهوم الحدود والقوانين الدولية المعنية في تلك الاتفاقية التاريخية التي انتهى مفعولها منذ اكثر من عشرون عامًا والتي دفعت علماء الاجتماع في العالم وخصوصًا مؤسس علم الاجتماع الحديث بيير بوردو إلى دعوة جميع الاقطاب الدولية والمنظمات العالمية والنخب من اجل إبرام عقد إجتماعي دولي ونظام عالمي جديد.. وأكثر ما يثير الشك ان يأتي إبرام اتفاقية دولية جديدة على تراب ودماء قطاع ومدينة غزة.. ومحيطها الطبيعي..!؟

في أحدى مواقفه التاريخية يقول صاحب نظرية النسبية فيلسوف الفيزياء ألبرت اينشتاين: “الغباء هو فعل الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات مع أنتظار نتائج مختلفة. نعم، فعل الشيء مرتين بنفس الأسلوب التي تتبعه الأمة العربية ونفس التنازلات مع أنتظار دولة فلسطينية مستقلة ذو سيادة وطنية في وجود الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي الغاصب حتى على شبر واحد من أرض فلسطين!؟

الشعب الفلسطيني هو (الضحية) التي جُرّبت فيها كل أنواع المؤامرات والحروب والخيانات واللجوء والقتل بأحدث الأسلحة.. لكنها الأعجوبة التي لا تموت ولا تستطيع أن تموت!.. هو الشعب الذي قال فيه طائر الفينيق الفلسطيني ياسر عرفات: محدّيش بهز شعب الجبارين…. يا جبل ما يهزك ريح.

“..قف شامخا مثل المآذن طولا.. وابعث رصاصك وابلا سجيلا.. مزق به زمر الطغاة أذقهم.. طعم المنون على يدي جبريلا.. فليحرقوا كل النخيل بساحنا.. سنطل من فوق النخيل نخيلا.. فليهدموا كل المآذن والكنائس فوقنا.. نحن المآذن والكنائس.. فاسمع الأجراس وأسمع التهليلا.. نحن الذين اذا ولدنا بكرة.. كنا على ظهر الخيول اصيلا..”.

Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

محمود القيسي

كاتب لبناني