من أدب المقاومة- قصّة قصيرة: “نِدَاء الضَّمِير”

من أدب المقاومة- قصّة قصيرة: “نِدَاء الضَّمِير”

د.  محمّد محمّد الخطّابي  

     طفق الليل يحيك ستائرَ شفقيّة من الظلام ،وساعة الميدان تشير إلى السّابعة، الجوّ يُؤذن بمطرٍ غزيز، ونحن نسير على الجانب الأيسر من شارع رمسيس الكبير، كانت السّحب الداكنة المكفهرّة المُثقلة بمُزنٍ غزير تسبح فوق سطوح العمارات الشّاهقة وكأنّها أشباح عملاقة سوداء معلّقة في الفضاء وقد أحاطت بالمدينة من كلّ جانب، بدأ الرّعد يقصف قصفاً متوالياً يُحرّك القلوبَ في محاجرها بعد أن أضاءت السّماء ببرقٍ مُشعٍّ خاطفٍ كاد أن يغشي أبصارَ المارّة. كنّا ثلاثتنا – أنا وصديقان لي في الجامعة هما فارس وإسماعيل – نسير بعجلةً باديةٍ على أقدامنا التي تتسابق وتتلاحق تكاد لا تلامس الأرضَ لخطواتها المُهرولة. 

قال فارس بكلماتٍ نصفها ذهبَ مع الرّيح والنّصف الآخر طرق سمعَنا:  

– ألَمْ أحذّركما من جوّ اليوم..؟ ومع ذلك أصررتما على الخروج.. ألَمْ..؟ لم نلتفت إليه، أنا وإسماعيل ولم نعره اهتماماً قطّ فقد كان المطر أسبقَ إلى الهطول من ردّنا عليه ..فى هذه الأثناء بدأ كلٌّ منّا يقفز في الطرقات كأرنبٍ مذعور،حتى انتهينا إلى داخل محطة القطارات “باب الحديد” ريثما يفترّ هطول المطر. زعق فارس للمرّة الثانية وهو يُصفّف بأنامله شعرَ رأسه المتراخي المُبلّل  قائلاً: أهذا ما تريدان؟ ما كان عليّ أن أرافقكما. وبينما هو ينتقي ألذع كلمات الغضب ليقذف بها علينا بشفتيْه الغليظتيْن إذا بي – على حين غرّة- ألمح  بين الجموع وجهاً ما كنتُ لأصدّق أنه عين الوجه الذي أعرفه لو لم أفرّك عيني جيّداً وأدنو منه قليلاً، وأتأكّد أنّ الذي يتراءى لي ليس طيفاً عابراً في حلمٍ جميل. 

 كان فارس لا يزال يثرثر بكلامٍ غير مفهوم لم يعد له عندي أيّ مدلول في تلك الآونة. فقد ركّزتُ كلّ اهتمامي على هذه “المفاجأة العجيبة” التي أزاح لي القدر عنها الستارَ في هذا المكان، في هذا اليوم القارس المُمطر الذي ما كان من المناسب أن يبرح فيه المرء كانونَ بيته على حدّ تعبير فارس. 

تقدمتُ بخطىً وئيدة نحو الرّجل الذي كان “متقرفصاً” في جلسته على الأرض، مُسنداً ظهرَه على الحائط، مُطلًّا برأسه المُعمّم من جلبابٍ ريفيّ قصيرٍ عريض داكن اللّون يُعلن للناظر إليه أنّ صاحبَه ليس من هذا البلد. انبعث صوت فارس من جديد بين الجموع الغفيرة التي كان يكتظّ بها المكان فسألني: 

– الى أين .. أين أنت ذاه..؟  

فقاطعه إسماعيل على الفور قائلاً:  

– ألمْ ترَ أنه مُتّجهٌ نحو ذلك الرّجل الغريب.. لا شكّ أنه من بلاده.. لا شكّ أنه من المغرب. 

حقاً كان من المغرب.. إنه عمّي “شعيب نسّي حدُّو”  أنه من قريتي من ” أجدير” من نفس بلدي، إنه الفلاّح البسيط الكادح الذي لم أكن أتوقّع أبداً رؤيته قطّ  في القاهرة. ولكن مَنْ الذي أتىَ به إلى هنا، وإلى أيِّ اتّجاهٍ تُراه مُتّجهٌ بعدها..؟ 

دارت هذه التساؤلات السّريعة برأسي قبل أن أعانق الرّجلَ الذي طفحت عيناه بالدموع بمجرّد أن وقعتا على مُحيّاي. لقد تذكّرني سريعاً بعد سنتيْن لم أبرح فيهما القاهرة، ناديتُ على فارس وإسماعيل وقدّمتهما للوافد الغريب الذي لا يعلم أحد أمرَه حتى الآن إلاّ الله.. سلّم عليهما بابتسامة فيها من الحبّ والرّضى الشئ الكثير دون ان ينبس ببنت شفة. 

سأله فارس- وكنت أعلم أنه فاعلٌ ذلك لا محالة – قائلاً: 

-أهلاً بك في مصر .. إزّاي المغرب كويّسة..؟ 

فأجابه الرّجل بلهجةٍ مغربيةٍ خالصة:  

-نعم  أولْدي وصلتْ “درُوك” ( الآن)  من الإسكندرية. 

علمتُ من ردّه أنه لم يفهم جيّداً ما قاله له فارس.. فقلتُ له بعد هنيهةِ صمتٍ قصيرةٍ عابرة: 

– فلنذهب الى البيت هيّا يا عمّي شعيب.. ردّ الرجل  عليّ بنبرةٍ كلها شباب وقوّة: 

– هيّا.. هيّا أَوَلْدِي الله يبارك فيك . 

كان المطر ما زال ينهمر بغزارة خارج مبنى المحطّة لم أرَ مثلها من قبل في القاهرة، وكان علينا أن نستقلّ سيارة أجرة (تاكسي) للوصول الى شارع المعالي بـ”مصر الجديدة” وراء نادي هيليوليدو حيث أقطن بعد ان اعتذرتُ لفارس واسماعيل لانصرافنا. 

حاولتُ أن أحمل رزمة صغيرة كانت بجانب عمّي شعيب، ولابدّ أنّ بها بعض حاجياته فاذا به كان أسرعَ منّي في حملها، فقد كان طويل القامة، عريض المنكبيْن،  ثابتاً في مشيته، غريباً في هيئته، كان ذا وجهٍ مُشرقٍ  مُلتحٍ لفحته أشعة الشّمس فتركتْ بثوراً خفيفة على  فَوْدَيْهِ، لم تعرف التجاعيد طريقا إليه بعد رغم أنه كان قد تجاوز الخمسين من عمره. 

لم أتحدّث طيلة الطريق التي تربط بين محطة “باب الحديد” والبيت، ولكنّ علامة الاستفهام الضّخمة التي ارتسمت نصب عينيّ لا زالت قائمة.. تُرى ما السرّ وراء هذه الزيارة الغريبة؟  أقَدِمَ حاجّاً الى بيت الله الحرام؟  لا لسنا في موسم الحجّ.. وبالتالي إنني أعرف أنه فلاّح متوسطّ الحال لا يملك من ذات اليد سوى القليل..؟ 

فى البيت بعد أن خلع الرّجل جلبابَه البنّي الداكن الذي تُزيّنه خطوطٌ صوفيةٌ صغيرةٌ بيضاء، ونزع عنه مخلاةً صغيرة كانت مربوطةً إلى حزامه، توضّأ وصلّى ما فاته من فرائض أثناء السّفر، تناولنا العشاء، وجلسنا سويّاً نتبادل أطرافَ الحديث عن البلاد وعن معارفي هناك، ونحن نحتسي أكؤساً من الشّاي الأخضرالمُنعنع، ناولته سيجارة من نوع “كيليوباترا” من صنف التبغ الأشقر أشعلها في هدوء، ثمّ قال لي:  

– أنا لستُ متعوّداً على تدخين هذا النّوع من السّجاير الباهظة الثمن يا بنيّ  بل إنني أدخّن النوع الأسود الرخيص الذي يُسمّى عندنا “كازا سبور” . 

كانت نظراته ثاقبة يشعّ منها بريق نفّاذ  ينمّ عن شيءٍ مُبهم، أو يُخفي سرّاً غريباً. 

قلت له بعد أن تردّدتُ قليلاً في صياغة السّؤال: 

– خيراً إن شاء الله يا عمّي شعيب.. إلى أين.. أين أنت ذاهب..؟ 

أجابني بثباتٍ  وحزمٍ  على الفور: 

– إليهم.. إلى هؤلاء الجبناء الذين يقتلون كلّ يوم المدنّيين الأبرياء العزّل من أطفال ونساء وشيوخ بلا رحمة من إخواننا الفلسطينيين.. إليهم أنا ذاهب لأريهم الجحيم.. 

– لا أفهم  ما تعنيه يا عميّ شعيب. 

قال كما لو كان يحدّث نفسَه:  

– هؤلاء القتلة الطغاة.. إليهم أنا ذاهب لأريهم معنى القتال، لم تحتمل نفسي أكثر من هذا.. لقد خرجتُ في الأيّام الأخيرة في مظاهرات صاخبة عديدة اجتاحت البلاد لإدانة هذه الأعمال الوحشية الشنعاء، ولكنّها لم  تُجدِ نفعاً ولم تفد في شيء.. أشعر أنْ لو بلعتني الأرض لكان أهونَ عليّ من أن أظلّ مكتوفَ الأيدي وإخواني يسقطون الواحد تلو الآخر يا لها من سقطة.. حبّذا لو فعلتَ بي ذات الشئ  يا ربّ. 

 قلتُ له: 

– أتعني اليهود.. الصهاينة ..؟ 

– أجل يا بنيّ  إلى هناك أنا ذاهب.. إلى فلسطين الحبيبة.. فليجفّ الدمُ  في جسدي إن لم أقتل وأقتل لردّ هذا الظلم المُجحِف.. ومن سكت على الظلم فهو ظالم. 

قال هذه الكلمات المشحونة بالغضب والانفعال وأسبل عينيْه. ثمّ أطرق وانهمك في تفكير عميق كما لو كان يُصلّي. 

كادت الدموع حينئذٍ تغلبني وأنا أسبح بذاكرتي في الماضي البعيد أيّام الصّدام العنيف، والكفاح المريرالمُسلّح الذي خاضه أبناء بلدتي الأشاوس ضد جحافل الطغاة من المُستعمرين الإسبان والفرنسيين في جبال “الرّيف” الشّاهقة وبين شِعابها. ولم يغب عنّي قطّ أنّ آباء عمّي  شعيب كانوا من بين هؤلاء البواسل الذين سطّرُوا صفحاتٍ خالدةً  من تاريخ الحرب التحرّرية الماجدة  في شمال المغرب، وأيقنتُ أنه رجل مُحنّك  خبير مثل أجداده بخفايا الأمور في حرب  العصابات، وأسرار المقاومة التي كانت النواة  الشّعلة  لثورة عارمة أطاحت بالإستعمار وذهبت به من غير رجعة.  

بينما أنا أغوص بفكري هنا وهناك.. إذا بالرّجل ينهض من مكانه  ويطلب منّي  في أدب فريد الإخلاء للنوم. ونام عمّي شعيب ولم أنم أنا. نام نوماً هادئاً عميقاً. وفى الصّباح  استيقظتُ. وقد أنهكني الأرق إنهاكاً فإذا بي أجد الرّجلَ  قد توضّأ وصلّى، ولبس جلبابه، وتعمّم، وشدّ مخلاته إلى جسمه، وأخذ يرتّل  القرآن ترتيلا.. 

في ذلك اليوم بالذات أصرّ عمّي شعيب على أن يسافر، وعانقني، وشكرني، وذهب إلى حيث لا أدري. 

مرّت الأيام على وتيرتها الطبيعية، ولم أنسَ قطّ زيارة عمّي شعيب مارّاً بمصر ولقائي به.. لم يشغلني عنه شاغل رغم دنوّ الإمتحانات وانكباب الطلبة على المذاكرة والتحصيل، حدّثتُ فارس وإسماعيل عنه كثيراً وعن شجاعته وبطولة أجداده الخارقة وغيرته الشديدة على مبادئه. 

بعد مرور بضعة أشهرٍ، فى يومٍ من أيّام الجُمَع، بينما كنت أنا وفارس وإسماعيل جالسين في مقهى “الفيشاوي” بخان خليلي قرب الأزهر الشريف إذا بصوت الزبناء يتعالى بشكلً مفاجئ داخل المقهى: الله أكبر.. الله أكبر.. قطع المذياع  أغنية كانت تملأ جنبات المقهىَ، اخترقها صوت المذيع بنبرة مجلجلة عالية، وبدأ يقرأ هذا البيان الفدائي الجريئ”: “لقد تمّ نسف مخزن الذخيرة الذي  يبعد ثلاثين ميلاً عن تل أبيب. ولا زالت ألسنة النيران مندلعة تتعالى  في الفضاء  حول المنطقة حتى الآن. ولقد قتل 76جندياً إسرائيلياً، ولا يُعرف عدد الجرحىَ بعد..”.  

وبعد هنيهةٍ أضاف البيان: “لقد كانت هذه العملية فريدة من نوعها، وهي تدلّ الدلالة القاطعة على أعمق معاني التضحية والفداء اللذيْن ضربهما ثلاثة ممّن استُشهدُوا من أبطالنا البواسل فيها. وهم: ماجد عبد الرؤوف، حمدان أبو حجير، وعبد الله الريفي، “ولقد تمّ تخطيط هذه العملية على يديّ هذا الأخيرعلى الرّغم من حداثة إلتحاقه بحركة التحرير، وأمّا اسمُه الحقيقي فهو:  “شعيب نسّي حدّو ” المغربي. 

في هذه الآونة أمسك بيدي كلٌّ من فارس وإسماعيل وهما يشدّان عليها بحرارة وقوّة، نظرتُ في عيونهما فإذا بها قد إغرورقت بالدموع، حينئذٍ لفظتُ بكلماتٍ مبهمة متقطّعة غير مسموعة.. وعلا صوت الحاضرين من جديد: الله أكبر.. لله أكبر.. تمتمتْ شفتايَ معهم، ولسان حالي  يقول: رحمة الله عليك يا عمّي شعيب البطل وأسكنك فسيح الجنان مع الصدّيقين والشهداء.. آمين. 

اِنتشر تأثير هذا الخبر كموجة توسّعية  في نفسي، كانت اِنفعالات الإعجاب والحزن تتعانق وتتناسج كزوبعة  في  شِغاف قلبي. تذكّرتُ كلماتِه، ودُمُوعَه، وإصرَارَه على إحقاق العدالة، عمّي “شعيب” الرّجل الهادئ، المتواضع، البسيط الذي كانت تشتعل بداخله نارٌ متأجّجة من روح المقاومة.

_____________________________

*    الصورة: عمي شعيب، الرجل البسيط الذي تتأجج بداخله روح المقاومة.

** تحريراً في حيّ المزمّة بتاريخ  8 يناير 2024 ” أجدير” الحَصين ( الحسيمة) المغرب.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا