حكاية قصتي الأولى “البحث عن العشاء”

حكاية قصتي الأولى “البحث عن العشاء”

المصطفى اجْماهْري

دور صفحة “أصوات” بجريدة “العلم” في السبعينيات

     مرّ الآن نصف قرن على نشر قصتي الأولى. كان ذلك بالضبط يوم الاثنين 7 يناير 1972 بصفحة “أصوات” بجريدة “العلم”. وقتها كان المشرف على الصفحة هو المرحوم المحجوب الصفريوي. شكلت صفحة “أصوات” مدرسة فعلية لتكوين أدباء المغرب الحديث في سبعينيات القرن الماضي. عشرية كانت فيها الجمعيات الشبابية واجهة للتوعية الثقافية والسياسية. وللحقيقة والتاريخ يمكن القول دون كثير مبالغة بأن الفضل يعود لتلك الصفحة في توفير حيز للأدباء الشباب من أجل إبراز إبداعاتهم وصقلها والتعريف بها. وبطبيعة الحال ففي تلك الفترة كان التواصل المكتوب هو المهيمن وكانت جريدة “العلم” تتداول بين المثقفين والباحثين في جميع جهات المغرب، مما يعني بالنسبة للأديب الشاب ضمان الاطلاع على مساهمته من طرف جمهور عريض من المغاربة.

   في تلك السنة كنت في قسم الباكلوريا بداخلية ثانوية الإمام مالك بالدار البيضاء، التي جئتها من الجديدة. هناك بهذه الثانوية تعرفت على القاص الراحل محمد غرناط القادم من الفقيه بنصالح، والباحث في تاريخ امزاب أحمد لعيوني، والقاص مصطفى مفتقر القادم من خريبكة. كنا ثلاثتنا في نفس الفصل. وكان هذا الأخير هو من أطلعنا على كيفية التعامل مع جريدة “العلم” وصفحة “أصوات” بالذات. فقد جاء مصطفى مفتقر من خريبكة عارفا بطريقة التعامل التي جرّبها هناك في مدينته صحبة زميله الأستاذ عثمان أشقرا. أرانا النص الذي سبق أن كتبه بالصفحة والذي ما زلت أذكر عنوانه بالضبط وهو “اللعبة والفولاذ”. يحكي النص قصة فتاة فلسطينية تواجه جنودا صهاينة. يشبه الأمر تماما قصة عهد التميمي في مواجهة المحتل الإسرائيلي، والتي تداولها الإعلام في وقت سابق. فهل أعاد التاريخ نفسه؟ تحلّقنا حول مصطفى مفتقر معجبين وطلبنا منه أن يفيدنا في معرفة كيفية نشر بعض إنتاجاتنا. وبالطبع فقد كان مستوى تلاميذ تلك الفترة من بداية السبعينيات يفوق مستوى كثير من الحاصلين اليوم على الإجازة أو الماستر. كنّا، في ذلك العمر الغض، قد قرأنا مثلا روايات مصطفى لطفي المنفلوطي، وألبير كامو في روايته الجميلة “الغريب”، و”البؤساء” لفكتور هيجو، وأندريه موروا في روايته العذبة “مناخات”، و”صباح الخير أيها الحزن” لفرانسواز ساغان التي أحدثت ضجة حينها في الوسط الأدبي، وتوفيق الحكيم في كتبه المقررة وغيرها.

   كان الاتجاه المسيطر على الإنتاج القصصي حينها هو الواقعية في بعدها الرافض لكل مساومة أو تنازل. وكان ينظر إلى أي إنتاج أدبي لا يحترم تلك الخاصية بأنه ضد حركة التاريخ والتقدم. بمعنى آخر كان الأدباء، وغالبيتهم أساتذة، يحملون همّ تغيير العالم ومواجهة الهيمنة البورجوازية والإمبريالية معا. وبالتالي فلم يكن هناك سبيل لمراوغة المشرفين على الصفحات الأدبية باقتراح نصوص تتبنى الحياد، أو تؤمن بمقولة “الفن من أجل الفن”. فإما الالتزام بقضية الشعب أو الإقصاء من النشر. وأذكر أنني وزميلي الراحل الشاعر الميلودي بلحديوي زرنا المرحوم عبد الله بوهلال، سكرتير التحرير بجريدة “المحرر” لتسليمه بعض النصوص، فكان أن قال لنا بوضوح تام: “إن الشرط الأول للنشر هو المضمون”. وهو نفس ما قاله لي يوما الشاعر أحمد هناوي، رئيس التحرير السابق لجريدة “بيان اليوم”، حينما زرته في مكتبه. قال لي: “يا مصطفى أنت تكتب في “العلم” وفي جريدتنا، وهما خطان مفترقان”، وكنت أجبتُه تقريبا: “أنتما متفرقان لكن خطي واحد”. وبطبيعة الحال فما كان يهمنا زمنئذ، كأدباء شباب، هو النشر أولا وأخيرا وظهور أسمائنا في الجرائد. هكذا سبحنا مع التيار وكتبنا، أنا وغيري من أبناء جيل السبعينيات، قصصا تنضح نقدا وانتقادا.

   كانت قصتي المعنونة “البحث عن العشاء” تتأطر في هذا السياق الذي جئت على ذكره. وتحكي القصة معاناة رب أسرة بروليتاري يتعب في إيجاد عشاء بسيط لأبنائه. نشرت القصة في صفحة “أصوات” يوم الاثنين 7  يناير 1972. في ذلك الصباح الندي من بداية الأسبوع كنت قادما من بيت جدتي بعد استفادتي من “الخرجة الكبرى” كما كنا نسميها بلغة التلاميذ الداخليين، وتمتد من مساء السبت إلى صباح الاثنين. وأنا في طريق العودة إلى ثانوية الإمام مالك عبر شارع محمد الخامس اقتنيت جريدة “العلم”، من أول كشك للجرائد صادفته في بداية الشارع. قلبت توا الصفحة وعثرت على القصة منشورة. قد لا أبالغ لو قلت إنني طرتُ من الفرح. طويت الجريدة واشتريت نسخة ثانية من كشك آخر في الطريق. احتفظت بنسخة في حقيبة ملابسي ومررت الثانية على أصدقائي في الفصل. كان أول من أطلعته على النص المنشور هو مصطفى مفتقر الذي تأمله جيدا ثم طلب مني بعض الوقت لقراءته. ثم كان أن قرأه المرحوم محمد غرناط وأحمد لعيوني وباقي الأصدقاء في القسم.

   ما زلت أذكر بعض الأسماء التي كانت تنشر معي بصفحة “أصوات” مثل حسن بحراوي، عثمان أشقرا، عبد الإله بلعباس، عبد الكريم التمسماني، رابح التجاني، مصطفى الكليتي، صدوق نور الدين، بوشعيب الهلالي، ومنجية شقرون وآخرون. بعض هذه الأسماء وطدت مكانتها فيما بعد وأصبحت معروفة في الوقت الحالي، بينما أخرى توقفت، لسبب أو آخر، وغادرت ميدان النشر وربما ميدان الكتابة برمته.

   وغني عن الإشارة أن غالبية الإبداعات المنشورة وقتها في السبعينيات كانت تصب، عن قناعة، في التيار الواقعي الاجتماعي. بل كانت القصة القصيرة بالذات تعبيرا واضحا عن صوت البورجوازية الصغرى الصاعدة آنذاك، المنددة بالفوارق الطبقية، والتواقة لمجتمع عادل. لكن سرعان ما مرّ الوقت ودشنت بداية الثمانينيات مرحلة جديدة في المشهد الثقافي، خبا فيها وهج الواقعية لصالح كتابة أكثر تمسكا بالجوانب الشكلية. إذ، بفضل الترجمة من الفرنسية وازدياد عدد الجامعات والتفتح على التيارات الحديثة في الكتابة، ظهرت دراسات، وطنيا وعربيا، تصدت لهيمنة الكتابة الواقعية في الإبداع. ولعل أبرز تلك الأعمال، كتاب الناقد السوري محيي الدين صبحي “دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي” الصادر سنة 1980.

شارك الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *