غزة معلمة التحدي

غزة معلمة التحدي

أحمد حبشي

     هل اكتملت كل شروط الاستفهام؟ هل بقي هناك متسع لطرح السؤال؟ من يقوى على تحديد معالم الظاهرة الغزاوية، ويكشف فصيلة نساء ورجال وأطفال يشدون على الجمر بالنواجد؟

اليوم تبددت كل أشباه الحقائق، واختفت دواعي الرهبة من صولة الاستبداد وجور الاستعلاء. اليوم تأكدت حقيقة واحدة، أن الشعوب الواثقة بعدالة قضيتها لا تموت، لا تستسلم للنوائب ولا ترضى الخنوع. غزة لم تعد قطعة أرض مستباحة لعربدة الغزاة، ولا مأوى لجمع الشتات. هي الآن قبلة للتائهين الذين استعادوا ذاكرة مغتصبة، وأعادوا للتاريخ كل معالمه كما تجلت في مجرى الجداول ومباهج العمران. زهق الباطل وسطعت شمس الحقيقة، فغزة لم تكن يوما أرضا بلا شعب، ليغتصبها شعب بلا وطن. لم تكن خلاء بلا ضفاف ولا سهول لا يلفها الجفاف، بلا كنائس ولا مساجد. اليوم صار الكل واثقا بان فلسطين منذ الأزل، كانت مهدا لملتقى الأديان ومرتعا للعيش في سلام. فبصمود الغزاويين وقوة ردة فعلهم، جعلت العالم يقف على حقيقة ما اقترفت يداه. كيف زرع الكراهية واستباح دماء من احتضنوا قوافل العابرين من النهر إلى البحر. لم تكن غزة في الاعلام وكما احتوتها بالصوت والصورة كل المنابر، أكثر من قطاع ملحق بضفة لتكتمل ملامح خادعة لتسويغ صفقة الاحتلال، وطن بلا ملامح يسهل ضبط إيقاع حركاته، والحد من تطلعات كل أبنائه وبناته في ترسيخ هوية مجرى أيامهم، بما يفسح لهم الحق في الحياة والعيش الكريم.

هبة غزة التليدة أغلقت قوس هزيمة نكراء ذات صيف. صولة العزة بقوة وقعها تلاشت كل الخيبات، أنهت وقع انتكاسات جيل استطاب حلما بوحدة أقطار، لا تفصلها مسافات ولا تختلف كثيرا في اللسان ولا المعتقدات. وحدها حافظت على هوية وصولة تاريخ، كل سمات أهله الدود عن الكرامة وصد كل اعتداء وتطاول على ما في الاعتبار من المقدسات. عاشت مئات السنين دافقة العطاء، أنجبت دعاة وفقهاء وأبطال تركوا بصمتهم في أكثر من مجال.

 غزة استنهضت كل الهمم وصارت أداة لسد كل الثغرات، ابهرت في مد الأواصر بين الأجيال واستعادت هوية التصدي والاقتتال. وحدها تقف اليوم في وجه الطغاة، تصد كل الذين استباحوا وطنا للجريمة واقترفوا كل أشكال العسف والادلال. لم تعد قطاعا يجاور ضفة، صارت وطنا بملامح وسمات، فلسطينية حتى آخر رمق تحتضن شتات وطن وترفع راية الاستنهاض وتحدي كل العوائق.     

 لا أحد يقوى على لجم طلائعها، وقد وطدوا العزم على كسر أنفاق الصمت ودروب التوافق والخذلان.     

غزة وحدها طوت صفحة سلام الاستسلام، وحدها ظلت تحمل في سريرتها لهيب المقاومة وتعد العدة للمواجهة والاصطدام. هبت في السابع من أكتوبر فأبهرت الطغاة، ردت الصاع وأفقدتهم طعم نعيم الحياة. أعلنت في صرخة مدوية أن خرافة العدو الذي لا يقهر تلاشت، ولم يعد لوقعها أي صدى، استعادت فلسطين الق توهجها وصارت نشيدا يلف شوارع المعمور. أطفال غزة أصبحوا حديثا بكل اللغات، واعلام فلسطين ترفرف في الساحة وفي كل المجامع. هكذا رفعت الغشاوة وظهرت حقيقة الاحتلال، وعلا التهليل استنكارا للمجازر والمذابح. طوفان الشوارع في مختلف المدن العالمية كشف حقيقة الزمرة المتآمرة على الشعب الفلسطيني، ونزعت الستار عن زيف الشعارات وبهتان الدفاع وحماية حقوق الانسان.

فقدت غزة شهداء من أبنائها، واكتسبت قلوب الملايين من شرفاء العالم، رفعت العلم الفلسطيني في كل الدروب، وحققت نصرا كبيرا على الطغيان في عقر داره، ساهمت في فضح صارخ لمن يقف وراء العدوان، مسخرا كل الوسائل لهزم أبطال حطموا كل الأساطير واستباحوا الحديث عن زيف التفوق على إرادة المضطهدين. تخاذل اقرباء استساغوا الهوان واحتموا بالصمت ليخفوا رهبتهم من جهابذة الطغيان، سندتهم الذين علموهم أصول الاستبداد، والاستفراد بالسلطة وتبديد الثروة.

صارت غزة لحظة تاريخية بمعالم كفاحية سيتناقل فورتها كل الأجيال، إضافة أخرى مبهرة في تاريخ الشعوب التي طالها العدوان واستنزفت خيراتها قهرا، ودمرت كل معالم حضارتها. الدرس الغزاوي سيبقى منارا في رفع التحدي والصمود الواثق من النصر ودحر كل عدوان.

Visited 12 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

أحمد حبشي

فاعل جمعوي وناشط سياسي