محمد معتصم الناسك الأدبي

محمد معتصم الناسك الأدبي

جمال الموساوي

         قبل أيام، كنت في مقهى الرمل بسلا. قادتني أغراض عائلية إلى هناك. فضلتُ انتظار أهل البيت وأنا أرتشف فنجان قهوة في هذا المقهى المقابل للخزانة العلمية الصبيحية، غير بعيد عن مكتبة عبد الرحمان حجي المحاذية لمقر عمالة سلا، وعن مقهى المواعيد.

في تلك الجلسة المنفردة، وبينما أتجول بعيني بين هذه الفضاءات الأربعة، مقهيان وخزانتان علميتان، تمطط بي الزمن عائدا إلى الوراء. إلى سنوات تناهز العشرين. وكأن الذكريات كائنات حية، صعدت وجوه كثيرة أثثت لحظات من الحياة بالكثير من الابتسامات والعناقات ومن الأسئلة. وكان محمد معتصم، الناقد الأدبي والصديق، يحقق إلى جانب رجاء الطالبي الشاعرة والقاصة والمترجمة أكثر أيام فرع اتحاد كتاب المغرب بسلا زخما ونشاطا.

نحن في 2006 وفي سنتين أو ثلاثا بعدها. أنشطة الفرع تتوالى بلا تعب. قصة، وشعر، ورواية ونقاش وصداقات تتشكل، وتواصل مستمر بين مبدعين مغاربة وغير مغاربة، وفي خضم ذلك كان الإيمان بقوة الأدب وقوة الثقافة يتعاظم، ولم نكن نتصور أن الزمن، وما يحبل به الزمن، سيحبط كل ذلك، وأن كل الصخب الذي عشناه لم يكن إلا لأن محمد معتصم ومعه رجاء الطالبي كانا يسهران من أجل ألا يهدأ.

عرفت محمد معتصم، أو لنقل التقيت به لأول مرة في مدينة سلا ذاتها عندما شاركت في مهرجان الشعلة للشعراء الشباب (ربما كان هذا اسمه) سنة 1993، ببنيته النحيلة وبرصيد ثقافي ونقدي سمين حرص على الاهتمام به وتنميته إلى أن توجه بجائزة المغرب للكتاب في صنف الدراسات النقدية حول كتابه “الرؤية الفجائعية في الرواية العربية” برسم سنة 2005. تسلمها إلى جانب الفائزين في الأصناف الأخرى في فبراير 2006. كتاب رصين يتتبع المصائر الفجائعية التي انتهى إليها شخوص روايات عربية تناولها بالدرس والتحليل رابطا بينها وبين الأوضاع في البيئات التي كتبت فيها تلك الروايات.

وأذكر لمحمد معتصم أنه كان واحدا، من أصدقاء قليلين، انتبهوا لتجربتي الشعرية من خلال (مدين للصدفة 2007) وذلك بدراسة عميقة لما أسماه الموجودات المحايثة في هذه المجموعة، حيث استل أدواته النقدية لينحت في نصوصها باحثا عن جوهرها، متوقفا عند موضوعة أساسية هي القلق الذي يجد أصوله في”الحالة الوجودية التي يضع فيها الشاعر ذاته في بؤرة المابين، بين الماضي الذي اندثر ولم تبق منه سوى الآثار والرسوم والذكريات، وبين الحاضر البائس الضاج بالوحدة والعزلة وغربة الذات وهي تصارع وجودين متناقضين”.

وأنا أرشف جرعات من فنجان القهوة في ذلك الصباح قريبا من الفضاءات التي ضجت قبل عشرين عاما بأصوات الكتاب وضحكاتهم، تصورت أن ذلك كان عملا ناجحا، لأنه قام على التزامٍ وتضحية كبيرين، وفي خضم هذه الاستعادة وهذا الحكم يصعد وجه محمد معتصم لأتأمله فلا أرى فيه إلا رغبة في خلق الحدث الثقافي في ذاته، بدون خلفية مسبقة أو توق لتحقيق مكسب أو مغنم، وهو ما يعادل القول إنه كرس لتلك الأنشطة من الوقت والجهد ما كان على حساب أشياء وانشغالات أخرى (أسرة، صحة، راحة وربما حتى على حساب الإنتاج والكتابة النقديين والأدبيين).

خلال الدورة الأكاديمية التي عقدها بيت الشعر بشراكة مع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يومي 13 و14 فبراير 2025، حول “الشعر في منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي”، التقينا مجددا. استعدنا أطيافا مما مضى. أسماء أصدقاء كانوا هناك. لحظات المتعة والنقاش. وتبادلنا النظر في ما آلت إليه الأمور، وفي هذه الدوامة من التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتساءلنا ضمنيا عما إذا كنا نحن أيضا قد طالنا التحول، وصرنا إلى ما لم نكن قبل عشرين عاما!

Visited 1 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

جمال الموساوي

كاتب وشاعر