أدب السيرة وأسئلة الهوية بالمغرب في صلب نقاش أكاديمي بالدار البيضاء
متابعة: حنان النبلي وأمين قزدار
نظم المجلس العلمي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء–أنفا، بشراكة مع مختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وبالتعاون مع المندوبية الإقليمية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ندوة علمية بعنوان: “أدب السيرة بالمغرب وأسئلة الهوية والانفتاح”، وذلك يوم السبت 11 يوليوز 2026، بفضاء سيدي عبد الرحمن بعين الذئاب بمدينة الدار البيضاء، والتي تندرج ضمن الملتقى السنوي الثالث.
سلطت هذه الندوة الضوء على أدب السيرة بالمغرب من زوايا نقدية وتاريخية متعددة، حيث ناقش الأكاديميون دوره في حفظ الذاكرة الجماعية، وتوثيق التجارب الفردية والجماعية، واستجلاء التحولات الفكرية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي عبر مختلف مراحله التاريخية. وانطلقت المداخلات من اعتبار التراث المغربي، بأبعاده الدينية والثقافية والأدبية، مجالا خصبا للبحث والدراسة، لما يزخر به من نصوص وتجارب تعكس غنى الهوية المغربية وتعدد روافدها. كما سعت المقاربات إلى إبراز العلاقة بين أدب السيرة وأسئلة الهوية والانفتاح، ودور هذا الجنس الأدبي في وصل الذات بالتاريخ، وربط التجربة الشخصية بالذاكرة الجماعية، مع الانفتاح على مختلف المكونات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الشخصية المغربية.
أدب السيرة بالمغرب… سمات وخصائص
افتتح هذا اللقاء العلمي بكلمة ألقاها الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، إدريس قصوري، منسق أشغال الندوة، أكد فيها أهمية موضوع أدب السيرة بالمغرب، بالنظر إلى ما يمثله من رافد أساسي لترسيخ الهوية المغربية عبر مختلف الحقب التاريخية، وما يختزنه من قيم وخصائص وسمات حضارية تعكس خصوصية المجتمع المغربي. وأضاف أن أدب السيرة لا يقتصر على التعبير عن التجربة الفردية، بل يتجاوزها إلى توثيق الذاكرة الجماعية، بما يسهم في حفظ التاريخ وصون الهوية الوطنية.
وأشار إلى أن المغرب، بما يزخر به من تنوع ثقافي وحضاري، استطاع أن يجعل من هذا التنوع مصدرا لإغناء هويته الوطنية وتعزيز مقوماتها، كما أبرز أهمية اختيار فضاء سيدي عبد الرحمن لاحتضان أشغال الندوة، موضحا أن طابعه الروحي يضفي على اللقاء العلمي بعدا منفتحا ومتجددا خارج الفضاءات الجامعية المغلقة، بما يجسد انفتاح البحث العلمي على المجتمع، ويوسع دائرة الاستفادة من المعرفة، ويعزز التواصل مع جمهور متنوع.
التجربة الذاتية في التراث المغربي
في أولى جلسات الندوة، قدم الأستاذ والباحث في السرديات سعيد يقطين مداخلة بعنوان “لتجربة الذاتية في التراث المغربي: الحسن اليوسي”، استهلها بطرح تأطيرين رئيسيين. تناول التأطير الأول العلاقة بين السرد والذات، مميزا بين نوعين من السرد: السرد عن الذات والسرد حول الذات. وأوضح أن السرد عن الذات يتمثل فيما يقوم به الإنسان في حياته اليومية، ويمكن أن يكون للإخبار، أو الطلب، أو السؤال، أو الشكوى، أو غير ذلك من أشكال التواصل. أما السرد حول الذات، فيمثل تعبيرا عن تجربة حياتية لها بداية وتقترب من نهايتها، إذ يعرض جوانب من تجربة متميزة عاشها صاحبها.
وأضاف أن الفكرة السائدة حول السيرة الذاتية كانت تقوم على أنها يكتبها كبار الشخصيات والعلماء في أواخر حياتهم، ليقدموا للناس خلاصة تجربة حياتية مفيدة، باعتبار أن الذات الكاتبة عاشت تجربة تختلف عن تجارب الذوات الأخرى. وانتقل بعد ذلك إلى التأطير الثاني، الذي خصصه لأجناس الكلام العربي، موضحا أن التراث العربي الحديث لم يبلور نظرية خاصة بأجناس الأدب العربي، الأمر الذي جعل الباحثين يعتمدون على النظريات الغربية. ومن بين التصورات التي انتشرت اعتبار السيرة الذاتية جنسا أدبيا، لا وجود له إلا في الآداب الغربية.
واعتبر يقطين أن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة، موضحا أن السيرة الذاتية في الغرب لم تظهر بصورتها المعروفة إلا مع قيام الدولة المركزية وانتشار الطباعة، في حين تكشف العودة إلى التراث العربي الإسلامي أن العرب عرفوا الكتابة قبل الغرب، وازدهرت لديهم مختلف العلوم، وبرز علماء في شتى التخصصات، كانت لكل واحد منهم تجربة حياتية وعلمية خاصة ومتميزة. وقال في هذا السياق إن الحديث عن الذات ارتبط بالثقافة العربية منذ أقدم العصور، مستشهدا بما نجده في الشعر العربي، ومن ذلك روميات أبي فراس الحمداني، التي عبّر فيها عن تجربته الحياتية وأبرز حضور الذات بوضوح. كما استحضر معلقة زهير بن أبي سلمى، ولا سيما مطلعها: “سئمتُ تكاليفَ الحياةِ…”، معتبرا أن حضور الذات في الأدب العربي سابق للتصورات الغربية للسيرة الذاتية.
وأفاد أن التجربة العلمية نفسها أفرزت علماء متميزين عن غيرهم، وهو ما أفضى إلى ظهور أنماط من الكتابة يمكن إدراجها ضمن كتب التراجم، والجرح والتعديل، وتراجم الشعراء، والترجمة الذاتية، والفهرسة. وأوضح أن الفهرسة تعد نوعا من التصنيف الذي ظهر أولا في المشرق، ثم انتقل إلى المغرب، حيث كان كل عالم، “حين يأنس من نفسه درجة من العلم، يرغب في أن يسجل لنفسه ولغيره شهادة يحدد بها مستواه، ويبين ما حصله من العلم، فيتحدث عن شيوخه، ومصنفاته، والإنجازات التي حققها“.
وأشار إلى أن العودة إلى الفهارس في التراث المغربي تكشف عن رصيد علمي زاخر، مستشهدا بكتاب “فهرس الفهارس” لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، وكتاب “دليل مؤرخ المغرب الأقصى” لعبد السلام بن سودة المري، موضحا أن أقدم فهرسة يمكن تحديد تاريخها تعود إلى القرن الخامس الهجري مع أبي عمران الفاسي، بينما استمر هذا التقليد إلى حدود القرن الثاني عشر الهجري، بما يعكس رسوخ هذا اللون من التأليف في الثقافة المغربية.
وأضاف: “النماذج كثيرة، وكل واحد منها يمكن أن يولد لدينا صورة عن تجربة الذات في التراث المغربي” مستدلًا بكتاب “فهارس علماء المغرب” لعبد الله المرابط الترغي، الذي رصد تاريخ الفهرسة في المغرب، وصنف أنواعها، وتتبع العصور التي ظهرت فيها، واصفا إياه بأنه “كتاب مهم جدا، يفتح بابا واسعًا للحديث عن التجربة الذاتية“.
ثم انتقل إلى الحديث عن فهرسة أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي، الذي عدّه واحدا من أبرز العلماء المغاربة والعرب والمسلمين في القرن السابع عشر الميلادي. واعتبر أن فهرسة اليوسي لا تمثل مجرد تعبير عن تجربة ذاتية أو سردا لما عاشه صاحبها، بل تعكس رؤيته للأشياء، وتحدد معالم المعرفة وكيفية إنتاجها، بما يجعلها وثيقة علمية وفكرية بقدر ما هي سيرة للذات.
وأوضح أن اليوسي رتّب فهرسته في مقدمة تتضمن جملة من الفوائد، تليها خمسة فصول؛ خصص الفصل الأول لذكر شيوخه، وأفرد الفصل الثاني لذكر الأشياخ في الدين، ولو على سبيل التبرك، بينما جاء الفصل الثالث في ذكر شيء مما ألهم الله تعالى به من آية أو حديث أو شعر أو كلام يُفهم على طريق الإشارات، وخُصص الفصل الرابع لذكر شيء مما خوطب به من شعر ونثر، أما الفصل الخامس والأخير فجُعل لجمع الفوائد الملقوطة من أي نوع كان.
وأكد أن الفهرسة تمثل الخلفية المعرفية والحياة العلمية التي عاشها الشيخ، كما أبرز أن اليوسي تحدث عن أكثر من أربعين شيخًا، معرفا بهم وبعلومهم، كما خص بالذكر طلبته وتلامذته، مستعرضا مناقبهم وصفاتهم، موضحا أنه كان يذكر أسماء شيوخه، ويبين ما قرأه على كل واحد منهم، فيقول مثلًا إنه قرأ على أحدهم صحيح البخاري، ثم يتساءل: «ماذا نمثل نحن اليوم بالنسبة لهؤلاء؟ ومن هم طلبتنا؟»، معتبرا أن هذا هو الفرق بين تجربة حياتية مؤسسة على تراث راسخ، وعلى العلم والمعرفة، وبين عكسها.
وأشار إلى أن كتاب الفهرسة لا يقتصر على توثيق المسار الشخصي لصاحبه، بل يتناول مختلف العلوم التي كانت متداولة في عصره، بما يجعله مرآة للحياة العلمية والثقافية في تلك المرحلة. واختتم مداخلته بالقول: “في غياب الإيمان بالمعرفة العلمية، قد يكون لنا أتباع، لكن قد لا يكون لنا طلاب يواصلون مشروعنا“
السرد المنقبي وبناء الهوية
وفي المداخلة الثانية، قدمت الباحثة والأديبة والمترجمة ومحققة التراث المخطوط، لطيفة المسكيني، قراءة نقدية لثلاثة كتب في السرد المنقبي، شملت “التشوف إلى رجال التصوف”، و”درة الأسرار”، و”طائف المنن”، وذلك من خلال مقاربة وصفية تأويلية استثمرت مفهوم الهوية السردية عند الفيلسوف بول ريكور، إلى جانب مفهوم الذاكرة الثقافية، للكشف عن الكيفية التي ينتج بها النص المنقبي الهوية الجماعية ويعيد تشكيلها.
وأوضحت أن النص المنقبي لا يقتصر على نقل أخبار الأولياء والصالحين، بل يتحول إلى فضاء رمزي لإنتاج المعنى وبناء الانتماء الثقافي، مؤكدة أن أخبار الكرامات الواردة في كتاب “التشوف إلى رجال التصوف” تؤدي وظيفة سردية تتجاوز بعدها العجائبي، لتغدو آلية لإضفاء الشرعية على الولي وترسيخ مكانته داخل الوعي الجمعي.
وأضافت أن هذا النوع من الكتابة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد سرد لوقائع تاريخية أو أخبار مناقبية، بل باعتباره خطابا ثقافيا يشارك في تشكيل التصورات الجماعية حول الذات والمجتمع، ويسهم في إنتاج منظومة من القيم والرموز المؤسسة للهوية. وأبرزت أن السرد المنقبي ينهض بوظائف متعددة، تتجاوز التوثيق إلى بناء الذاكرة الجماعية وصياغة النماذج المرجعية، من خلال تقديم شخصيات الأولياء والعلماء باعتبارهم رموزًا أخلاقية وروحية، تستمد منها الجماعة تصوراتها عن القدوة والانتماء.
كما أكدت أن اعتماد مقاربة الهوية السردية يتيح قراءة جديدة لهذا المتن، تنقل الاهتمام من تتبع الوقائع التاريخية إلى تحليل الآليات السردية التي تُبنى بها الشخصية المنقبية، وكيفية تشكل الذاكرة الثقافية داخل النصوص التراثية، بما يجعل السرد المنقبي أحد المكونات الأساسية للهوية الثقافية المغربية. ورأت أن استحضار هذه النصوص وإعادة قراءتها وفق مناهج نقدية حديثة يسهم في إبراز قيمتها المعرفية والثقافية، ويكشف عن قدرتها على إنتاج الدلالة، وإعادة بناء العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والهوية، بعيدًا عن الاقتصار على القراءة التوثيقية التقليدية.
الشيخ أحمد زروق.. استعادة سيرة عالم مغربي
وتناولت المداخلة الثالثة، التي قدمها الأستاذ شعيب حليفي، رئيس مختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، موضوع: “الشيخ أحمد زروق: سيرة فقيه مغربي من القرن الخامس عشر الميلادي”. وبدأ المتحدث مداخلته بسؤال الحضور قائلا: “إذا سألتكم اليوم: كم تعرفون من عَلَمٍ مغربي مؤثر في تاريخ المغرب؟ فكيف سيكون جوابكم؟”، مضيفا أن عموم المغاربة لا يعرفون سوى عدد محدود من الأعلام، قد لا يتجاوز عشرة أسماء، مثل ابن بطوطة ويوسف بن تاشفين وغيرهما ، في حين يعرف المثقفون والمتخصصون أسماء أخرى ترتبط بمجالات اختصاصهم. وأكد أن التعمق في تاريخ المغرب وثقافته يكشف عن ثروة بشرية وفكرية هائلة، موضحا أن المغرب يمتلك ما يمكن اعتباره كنزًا حضاريًا لأي أمة.
وأضاف أن السرديات الحديثة أصبحت تتحدث عن المغرب في ارتباطه بتاريخ الإنسان الأول، وبدايات تشكل الرموز والأشكال الثقافية الأولى، وهو ما لم يكن حاضرا سابقا، وإنما برز بفضل الحفريات، والجهود التي بذلها العلماء والباحثون في هذا المجال. وأشار إلى أن ما لا يعرفه كثيرون هو أن تاريخ المغرب، الممتد حتى قبل قيام الدولة الإدريسية، زاخر بأعلام ورد ذكرهم في مصادر وكتب إغريقية ولاتينية، ويمكن للمغاربة أن يفتخروا بهم ويعتزوا بالانتماء إليهم، وهم كُثر، وفي كل قرن، وفي مختلف مجالات المعرفة. وأضاف أنه في الآونة الأخيرة عُثر على أسماء عدد من العلماء المغاربة في كتب ومؤلفات المشارقة، بعدما استوطن بعضهم المشرق وأصبحوا علماء وفقهاء ذوي مكانة، وهو ما يؤكد حضور المغاربة وإسهامهم في الحياة العلمية خارج وطنهم.
وتحدث عن مخلفات المرحلة الكولونيالية، التي سعت إلى ترسيخ تصور يوهم المغاربة بأن قيمتهم أقل من قيمة الآخر، مؤكدا أن استعادة هذا التاريخ مهمة للسير قدما نحو المستقبل. وقال: “نريد لأبنائنا أن يمتلكوا حافزا قويا ومؤشرا يهتدون به”، بما يعزز الثقة بالذات والانتماء إلى الهوية المغربية.
وأشار أيضا إلى أن السير الذاتية المكتوبة لا تمثل سوى جزء يسير من التجارب الإنسانية، بينما يوجد آلاف الأشخاص الذين لم يكتبوا سيرهم، ومن بينهم أميون كان العلماء في المشرق يستشهدون بحكمتهم وتجاربهم. واستشهد في هذا السياق بالمتصوف ابن عربي، الذي أورد في مؤلفاته إشارات إلى عدد من المغاربة، بما يؤكد حضور الشخصية المغربية في التراث الفكري الإسلامي.
وسلط حليفي الضوء على الشيخ أحمد زروق، الفقيه والمتصوف دفين مدينة مصراتة الليبية، الذي عدّه واحدا من أبرز الأعلام المغاربة الذين تجاوز إشعاعهم حدود الوطن. وأشار إلى أن دور العلماء في التاريخ المغربي لم يقتصر على الاجتهاد والفقه، بل امتد إلى الجهاد والدفاع عن الثغور، مؤكدًا أن هاجس الهوية ظل حاضرا في الوعي المغربي منذ القدم.
وتوقف عند ما اعتبره من أوائل النماذج التي كتب فيها فقيه سيرته الذاتية، وعنونها بالدارجة المغربية “الكناش فـي آش”، حيث دوّن فيها وقائع حياته اليومية، وضمّنه ألفاظا وتعابير من الدارجة المغربية التي ما تزال متداولة إلى اليوم. وأضاف أنه لم يكتف بتسجيل ما عاشه من أحداث، بل كان ينقل أيضا كلام من يلتقيهم من عامة الناس بلغتهم الدارجة، مشيرا إلى أنه كتب يومياته بطريقة تشبه ما نجده في يوميات المفكرين والأدباء اليوم، وهو ما أكسب هذا النص قيمة تاريخية مهمة.
وأضاف أن الشيخ أحمد زروق يُعد من أوائل الفقهاء الذين أنصفوا المرأة، إذ أقر منذ القرن الخامس عشر بالدور الذي اضطلعت به جدته في تكوينه العلمي والإنساني، وهو ما يعكس اعترافا مبكرا بمكانة المرأة في بناء الشخصية العلمية والفكرية. واختتم حليفي مداخلته بالدعوة إلى إعادة الاعتبار للأعلام المغاربة، والتعريف بإسهاماتهم العلمية والفكرية، مؤكدًا أن استحضار سيرهم وتجاربهم لا يهدف إلى تمجيد الماضي بقدر ما يسعى إلى بناء وعي تاريخي يعزز الثقة بالذات، ويربط الأجيال الجديدة برصيدها الحضاري والثقافي.
خصوصية الكتابة الصوفية في السيرة النبوية
أما المداخلة الرابعة والأخيرة، فقد قدمها الأستاذ حكيم الفضيل الإدريسي، رئيس المجلس العلمي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء–أنفا، بعنوان: “الكتابة الصوفية للسيرة النبوية: ذخيرة المحتاج للشيخ المعطى الشرقاوي”. واستهلها بالإشارة إلى أن انعقاد الندوة في فضاء سيدي عبد الرحمن، الذي يشكل أحد رموز الهوية الروحية للمغاربة، يضفي على هذا اللقاء العلمي بعدًا خاصًا، بالنظر إلى ما يحمله المكان من دلالات روحية وثقافية.
وأوضح أن اختياره لهذا الموضوع يعود إلى جدة المقاربة التي يقترحها، مبينا أن الكتابة الصوفية تنقسم إلى قسمين: كتابة علمية وكتابة أدبية. أما الكتابة العلمية، فهي التي تحققت في مؤلفات المتصوفة ومصادرهم العلمية، حيث تناولوا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال مفاهيم مثل الحقيقة المحمدية، والإنسان الكامل، وصورة الكمال، ونسخة الكمال في الوجود.
أما الكتابة الأدبية للسيرة النبوية، فإنها تكاد تكون نادرة في التراث الصوفي، غير أن المفاجأة، بحسب تعبيره، تتمثل في سطوع نجم العالم المغربي الشيخ المعطى الشرقاوي بمدينة أبي الجعد خلال القرن الثاني عشر الهجري، حيث ألّف مؤلفا فريدا تجاوز ستين سفرا، حُقق بعضه، بينما لم يحقق الآخر، مشيرا إلى أن وجود نسخة نشرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحت عنوان “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج“.
وأضاف “سيدي المعطى في هذه السردية جاء بالعجب. لن أتحدث هنا عن ثقافته العلمية والدينية، فقد كان بحرا في العلم، وإنما سأتوقف عند خصوصية المنحى الصوفي في العبارة، وفي التعبير عن الذات المحمدية”. وأوضح أن أسفار “ذخيرة المحتاج” تمثل “سفرا لا يتوقف”، مشيرا إلى أن المؤلف لم يلتزم بالخط التاريخي المتسلسل في عرض السيرة النبوية، وإنما سلك مسارا مغايرا، غايته أن تتحقق الهداية لدى المتلقي. ولذلك استهل كتابه بحديث الإسراء والمعراج، في إشارة إلى أن هذه الكتابة نشأت عن اتصال روح بروح، ومهجة بمهجة، وأنها تنبع من فيض إلهي ونورانية محمدية متجلية.
واعتبر أن الصوفي، وفف هذا التصور، يتلقى من حضرة الحياة الأبدية الأزلية، ولذلك فإن القارئ لذخيرة المحتاج يدخل إلى عالم الحيرة، بوصفها مقاما من مقامات العارفين. وقال: “لن أتحدث عن العبارة المسكوكة، بل سأتحدث عن المعنى، وعن الفيض الأول، وعن الحيرة الدائمة، فالحيرة صفة العارف لا المتشكك”. وأشار المتحدث إلى أن المنحى الصوفي في الدلالة على الرسول هو المنحى الإحساني، بمعنى أن الحضرة الإلهية تتجاوز حدود التمثيل الذي يدركه العقل أو الحس أو حتى ظاهر النص، لتدخل في مجال الخيال الروحي لمن استهلك في محبة رسول الله.
واختتم مداخلته بالتأكيد على أن المتصوفة وقفوا عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾، موضحا أن وصف النبي بالسراج المنير يدل على نور لا ينقطع، وإشعاع متجدد على الدوام، وهو ما يجسد حال الصوفي الذي تظل هويته منفتحة ومتجددة باستمرار، لأن معرفته بالنبي صلى الله عليه وسلم وحضوره الروحي لا ينقطعان، بل يتجددان على الدوام.
نقاش وتفاعل
اختُتمت فعاليات الندوة بفتح باب النقاش أمام الحاضرين، حيث تفاعل المشاركون مع الأفكار التي طرحتها المداخلات، والتأكيد على أن أدب السيرة يشكل مدخلا أساسيا لفهم التحولات الفكرية والثقافية التي عرفها المغرب عبر تاريخه، وأن إعادة قراءة هذا التراث في ضوء المقاربات النقدية الحديثة تسهم في إبراز غناه المعرفي، واستعادة سير أعلامه، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية في إطار من الانفتاح على مختلف الروافد الثقافية. و بالموازاة تم توزيع الجوائز على التلميذات والتلاميذ المتفوقين في السلك الثانوي، تحفيزا لهم على مواصلة التفوق العلمي.
