“خاوية فِ عامرة”.. سراب الدولة الاجتماعية!
عبد الرحيم التوراني
أتيحت لي الفرصة لحضور ندوة فكرية وسياسية وازنة، دعا إليها مركز بنسعيد أيت يدر للأبحاث والدراسات، هذا الاسم المضيء والمتوهج في تاريخنا المعاصر… واحتضنتها قاعة دار المحامي بشارع المقاومة في الدار البيضاء.
لم يكن المكان والزمن خاليين من الدلالة، فالندوة التي تمحورت حول سؤال عريض ومؤرق: “الدولة الاجتماعية بين الوعود المعلنة والإنجازات الفعلية“، انعقدت في وقت يمر فيه المحامون بمحنة الدفاع عن مهنتهم ضد تشريعات تجهض قيمها الأساسية، وفي شارع يذكرنا اسمه بأن جذوة المقاومة لا تنكسر ولا تخبو، تماما كما علمنا بنسعيد أيت يدر.
***
ما لفت الانتباه منذ البداية، هو ذلك الحضور الجماهيري النخبوي والنوعي الذي غصت به القاعة الكبرى، حضور يعكس ظمأ فكريا للنقاش الجاد، رغم حرارة الصيف وإكراهات التوقيت.
حسب الورقة التأطيرية للندوة، التي أدارها باقتدار الأستاذ عبد اللطيف اليوسفي، فإن هذا اللقاء يأتي: “في سياق استكمال برنامج المركز الرامي إلى تعزيز النقاش العام حول أسس الدولة الاجتماعية ودعاماتها، وتقييم السياسات الحكومية بعد مرور زمن كافٍ على مرحلة التصريح بالنيات وتقديم المشاريع… سياق محكوم أساساً بما تنشره الحكومة نفسها حول إنجازاتها، وهي تشرف اليوم على نهاية ولايتها الحالية”.
***
شهدت المنصة تقاطبا وتكاملا في الآن ذاته، فقد جاء عرض الخبير الاقتصادي نور الدين العوفي، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، محكوما بصرامة أكاديمية بالغة وأسلوب إلقاء غلب عليه الطابع الميداني التعليمي.
في المقابل فضّل الخبير في الحماية الاجتماعية سعد الطاوجني، الحديث باللغة العربية رغم إعداده لعرضه بالفرنسية مدعوما ببيانات بصرية، وقد كان الطاوجني مقنعا ومؤثرا في نقده الحاد والساخر للبرامج الحكومية، مبرزا كيف يُختزل الدعم الاجتماعي في آليات تطبيق تثير الإشفاق وتدفع إلى الضحك كشكل من أشكال الكوميديا السوداء.
أما التعقيبات التي أوكلت للبرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد نبيلة منيب، والمستشارة البرلمانية عن الاتحاد المغربي للشغل زهرة محسن، فقد حادت في تقديري عن وظيفة التعقيب النقدي التفكيكي لورقتي الخبيرين. حيث بدت منيب وكأنها ما تزال تحت قبة البرلمان أو فوق منصة خطابية لحملة انتخابية سابقة لأوانها، مستعيدة نبرتها الهجومية المعتادة… في حين انخرطت زهرة محسن في نقد مباشر لادعاءات الحكومة. والواقع أن كلتيهما لم تعقبا على المحاضرين، بل اختارتا صياغة مداخلتين نقديتين إضافيتين تصبان في نفس المجرى الراديكالي للعوفي والطاوجني.
***
استوقفني كثيرا رصد الدكتور نور الدين العوفي للمحاولات التاريخية لإرساء الدولة الاجتماعية بالمغرب، والتي حصرها في ثلاث محطات رئيسية:
- حكومة عبد الله إبراهيم في فجر الاستقلال- (من 24 ديسمبر 1958 إلى غاية إعفائها في 20 مايو 1960).
- حكومة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي (1998-2002).
- مشروع النموذج التنموي الجديد. (تمت المصادقة عليه بتاريخ 25 ماي 2021).
إلا أن إخضاع هذه المحطات لعين النقد السياسي يكشف عقم الرهان عليها كمرجعيات ناجزة. فحكومة الراحل عبد الله إبراهيم أُجهضت في مهدها ولم تُمنح العمر السياسي الكافي لتنزيل رؤيتها المتبصرة. (مدة سنة و 4 أشهر و 26 يوما).
أما تجربة التناوب التوافقي فلم يكن سياق إخراجها معزولا عن هندسة “انتقال سلس للعرش” من ملك إلى ملك في ظرفية حساسة، حيث استغرق الراحل اليوسفي في تصديق الصلاحيات الدستورية لمنصب الوزير الأول، لينتهي المشهد بإعفائه وتعيين التكنوقراطي إدريس جطو ضدا على “المنهجية الديمقراطية”، وهو ما دفع الاتحاد الاشتراكي حينها لإصدار بيانه الشهير، ودفع اليوسفي نفسه إلى اعتزال السياسة حاملا معه أسرارا وغصصا حول دواعي الفشل البنيوي لتلك التجربة.
وصولا إلى “النموذج التنموي الجديد”، الذي استهلك من الوقت في إعداده أكثر مما حُدد له بداعي جائحة كورونا، لنجد أن المفارقة بدأت حين حظيت السفيرة الفرنسية بالرباط، مدام هيلين لوغال، بأولى نسخ الاطلاع عليه قبل المغاربة! ورغم أن أحزابا معروفة تسارعت لتبنيه بالكامل كأنه نص مقدّس، إلا أن توالي السنوات أثبت أنه كسابقيه مجرد وثيقة استشرافية منفصلة عن الإرادة السياسية الحقيقية للتنفيذ.
***
أمام هذا المشهد الملتبس، لم أجد في القاموس السياسي ما يسعف في توصيف هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع، فاستعرت من المستطيل الأخضر وأجواء المونديال تعبيرا شعبيا مكثفا وبليغا: “خاوية فِ عامرة”، أو “عامرة فِ خاوية”.
تلك المراوغة الفنية الشهيرة التي كان يتقنها النجم البرازيلي رونالدينيو، ويبهر بها دفاعات الخصوم بحركات تمويهية توهم بالاندفاع يمينا بينما الكرة تمضي يسارا…
هذا بالضبط هو جوهر التكتيك الفرجوي الذي يعتمده رئيس الحكومة عزيز أخنوش وجوقته السياسية والإعلامية، إيهام الشعب بإرساء دعائم “الدولة الاجتماعية” وتوزيع الدعم، بينما الواقع يكشف عن إفراغ هذه الصناديق من جدواها عبر شروط إقصائية معقدة (المؤشر الرقمي)، وترك المواطن في مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار… إنها مراوغة سياسية متقنة، يُعطى الدعم باليمين عبر قنوات معقدة، ويُسحب باليسار عبر غلاء المعيشة وتفكيك المرافق العمومية.
***
إن المشهد الراهن يجسد عبثية مطلقة، تجبر المرء على الابتعاد عن السجالات العقيمة التي لا تنتج سوى الخيبات ذاتها. لكن هذا الاعتزال ليس استسلاما لليأس أو إشاعة له، بل هو وقفة تأمل ومراجعة وقراءة واقعية للمسارين.. الماضي والحاضر. والهدف منها هو ابتكار أدوات نقدية ومقاربات بديلة تفكك الأزمات الهيكلية، بعيدا عن أوهام الخطاب الحكومي وسراب وعوده.
فالرد الحقيقي على الركود السياسي لا يكمن في الانكفاء، وإنما في التحول من تلقي الوعود الرسمية بسلبية، إلى صناعة فكر نقدي وميداني مواجه، فكر يعري التمويه والمراوغات، ويعيد بناء صرح أسئلة العدالة الاجتماعية من واقع الناس الحي، لا من غرف التكنوقراط المغلقة.
