روسيا والانقلابات العسكرية: بين الخيال الغربي وصلابة الدولة التاريخية
د. زياد منصور
ليست الانقلابات العسكرية في روسيا مسألة مستحيلة بالمعنى المطلق، فالتاريخ لا يعرف المستحيل، لكنه يعرف البيئات التي تجعل الفعل شبه ممتنع أو بالغ الكلفة. وروسيا، بهذا المعنى، ليست دولة رخوة يمكن أن يتحرك فيها جنرال طامح كما حدث في تجارب كثيرة عرفها العالم الثالث، حيث تتحكم العصبيات الضيقة وموازين القوى المؤقتة بمصير الدولة. فالجيش الروسي، منذ تشكله الإمبراطوري ثم السوفيتي ثم الاتحادي، نشأ داخل فكرة أوسع من السلطة: فكرة الدولة ـ الحضارة، وفكرة الحصار التاريخي، وفكرة أن انهيار المركز يعني غالبًا فتح الباب أمام التفكك أو الغزو أو الفوضى.
والتجربة الروسية نفسها تعطي أمثلة واضحة. تمرد الديسمبريين سنة 1825 لم يتحول إلى انقلاب ناجح، بل قُمِع سريعًا، رغم أنه قام داخل لحظة انتقال العرش. ومحاولة كورنيلوف سنة 1917 عكست اضطراب الدولة لا قوة الجيش، وانتهت إلى تعميق الانهيار لا إلى تأسيس حكم عسكري مستقر. وحتى انقلاب آب 1991 ضد غورباتشوف لم ينجح، لأنه جاء في لحظة تفكك سوفيتي عام لا في لحظة صعود دولة روسية متماسكة. أما تمرد فاغنر سنة 2023، فقد أظهر أن التمرد المسلح ممكن، لكنه أظهر أيضًا حدود هذا التمرد حين يقترب من بنية الدولة الصلبة: الجيش، الأمن، المخابرات، الشرعية الوطنية، والخوف العميق من الحرب الأهلية.
في المقابل، عرف الغرب نفسه انقلابات أو تبدلات قسرية في السلطة: الثورة المجيدة في إنكلترا سنة 1688 أطاحت بجيمس الثاني وأتت بوليم وماري، وانقلاب 18 برومير سنة 1799 حمل نابليون إلى السلطة في فرنسا. لذلك فليس من الدقة أن يصوّر الخيال الغربي روسيا وحدها كبلد مرشح دائمًا لانقلاب عسكري، بينما يتناسى أن تاريخ أوروبا نفسه حافل بانقلابات القصور والجيوش والنخب.
ما يجعل الحالة الروسية مختلفة هو أن الذاكرة السياسية والعسكرية هناك ليست ذاكرة حكم فقط، بل ذاكرة نجاة. من الغزو المغولي التتري، إلى زمن الاضطرابات والتدخل البولندي الليتواني، إلى حملة نابليون سنة 1812، ثم الغزو النازي سنة 1941، تشكل في الوعي الروسي شعور بأن الدولة ليست جهازًا إداريًا فحسب، بل سور تاريخي يحمي الوجود نفسه. ولذلك يصبح الانقلاب على القائد الأعلى، خصوصًا في زمن مواجهة خارجية، أقرب إلى خيانة رمزية لفكرة الدولة قبل أن يكون خروجًا على شخص الحاكم.
ومع ذلك ينبغي التمييز: روسيا عرفت انقلابات قصر في القرن الثامن عشر، مثل صعود كاترين الثانية بدعم من الحرس الإمبراطوري، لكنها لم تعرف بالمعنى الحديث تقليدًا ثابتًا لانقلابات عسكرية تقودها المؤسسة العسكرية لإسقاط الدولة والسيطرة عليها كما حدث في جمهوريات عسكرية كثيرة. الفارق كبير بين انقلاب قصر داخل نخبة حاكمة، وبين انقلاب جيش على دولة ذات ذاكرة إمبراطورية ومخابراتية وعسكرية متماسكة.
ولذلك فاحتمال التآمر الخارجي أو الاختراق أو استخدام الساخطين يبقى واردًا، كما في كل دولة كبرى، لكنه يصطدم في روسيا بثلاثة جدران: عمق الدولة الأمنية، ومكانة الجيش في الوجدان العام، وذاكرة التضحيات الكبرى. فالدولة العميقة في روسيا لا ترتبط بفرد واحد، بل ببنية تاريخية طويلة: أجهزة، مدارس عسكرية، عقيدة أمنية، ووعي شعبي يرى أن الفوضى ليست انتقالًا سياسيًا، بل مقدمة لانكسار وطني. وهنا تكمن صعوبة الانقلاب العسكري في روسيا: ليس لأن الروس ملائكة أو لأن السلطة فوق الصراع، بل لأن كلفة كسر الدولة في المخيال الروسي أعلى بكثير من كلفة الصبر على السلطة.
ولهذا السبب تحديدًا، يبدو كثير من الخطاب الغربي حول “الانقلاب القريب” في روسيا أقرب إلى صناعة نفسية وإعلامية منه إلى قراءة واقعية للبنية الروسية. فمنذ الحرب الباردة، والخيال السياسي الغربي ينسج سيناريوهات عن تمرد الجنرالات، أو انهيار الكرملين، أو انشقاقات كبرى داخل الجيش والأمن، لكن معظم هذه التصورات بقي في إطار الرغبة السياسية لا الوقائع التاريخية. والفرق كبير بين أن تتمنى دولة ما سقوط خصمها، وبين أن تكون أدوات هذا السقوط متوافرة فعلًا.
خلال الحرب الباردة مثلًا، روّج الإعلام الغربي مرارًا لفكرة أن الاتحاد السوفيتي يعيش على حافة الانهيار الداخلي بسبب الخوف والقمع، وأن النخب العسكرية تنتظر لحظة الانقضاض. لكن ما حدث عمليًا أن الاتحاد السوفيتي بقي متماسكًا عسكريًا وأمنيًا حتى سنواته الأخيرة، ولم يسقط بانقلاب عسكري كلاسيكي، بل بتآكل سياسي واقتصادي طويل ومعقد شاركت فيه النخبة الحاكمة نفسها. وحتى محاولة آب 1991 ضد غورباتشوف لم تكن انقلابًا ناجحًا للجيش على الدولة، بل محاولة مرتبكة من جزء من البيروقراطية السوفيتية لإنقاذ الاتحاد قبل انهياره. فشلت المحاولة، وتفكك الاتحاد بعد أشهر، لا لأن الجنرالات سيطروا على الحكم، بل لأن المركز السياسي نفسه كان قد دخل مرحلة تفكك بنيوي.
بل إن الغرب نفسه وقع مرارًا في أوهام تحليلية تجاه روسيا. فقبل انهيار الاتحاد السوفيتي بسنوات، كانت دوائر غربية تؤكد استحالة انهياره بسبب قوة الدولة الأمنية والعسكرية، ثم بعد الانهيار انتقلت إلى خطاب معاكس يقول إن روسيا الجديدة لن تقوم لها قائمة مجددًا، وإنها ستتحول إلى دولة هامشية مفككة. لكن روسيا استعادت خلال عقدين فقط جزءًا كبيرًا من حضورها الدولي والعسكري. وهذا يوضح أن كثيرًا من “التحليلات الحتمية” في الغرب تخضع أحيانًا للرغبة السياسية أكثر مما تخضع لفهم التاريخ الروسي العميق.
ومن الأمثلة الحديثة أيضًا ما قيل بعد تمرد فاغنر سنة 2023. فقد امتلأت وسائل الإعلام الغربية بسيناريوهات “سقوط بوتين خلال ساعات”، و”تفكك الجيش الروسي”، و”بداية الحرب الأهلية”، بينما أظهرت الوقائع أن الدولة الروسية، رغم الارتباك، بقيت متماسكة، وأن أجهزة الأمن والجيش والإدارة لم تنهَر ولم تنقسم على نحو حاسم. انتهى التمرد سريعًا، وعادت مؤسسات الدولة إلى الإمساك بالمشهد. وهذا لا يعني غياب التوترات، بل يعني أن التوتر شيء، والانقلاب الشامل شيء آخر مختلف تمامًا.
وهنا ينبغي فهم جانب مهم من الثقافة السياسية الروسية: الروس تاريخيًا يخشون الفوضى أكثر مما يخشون السلطة القوية. فذاكرة الروس ليست ذاكرة رفاه سياسي، بل ذاكرة نجاة جماعية. من الغزو المغولي التتري، إلى “زمن الاضطرابات” في مطلع القرن السابع عشر، إلى حملة نابليون سنة 1812، ثم الغزو النازي سنة 1941، تشكل وعي روسي يرى أن ضعف الدولة ليس مجرد أزمة سياسية، بل تهديد وجودي. ولهذا السبب غالبًا ما تُقدَّم وحدة الدولة في المخيال الروسي على الصراعات السياسية العابرة.
وقد عبّر الروس عن ذلك في أدبياتهم وتربيتهم ومدارسهم العسكرية. فالمدرسة الروسية، سواء في العهد القيصري أو السوفيتي أو الحالي، لا تبني صورة الجيش بوصفه أداة انقلاب داخلي، بل بوصفه درعًا تاريخيًا للأرض الروسية. ولذلك يصبح التمرد العسكري في زمن المواجهة الخارجية أقرب في المخيال الشعبي إلى خيانة للذاكرة الوطنية نفسها، لا مجرد خلاف على السلطة.
حتى الذين هاجروا من الاتحاد السوفيتي أو فروا منه، ظل كثير منهم يحمل شعورًا معقدًا بالانتماء والحنين. فعدد كبير من المنشقين الروس في الغرب انتقدوا النظام، لكنهم في الوقت نفسه احتفظوا بإحساس قوي بالهوية الروسية، وبعضهم عبّر لاحقًا عن خيبة تجاه الصورة المثالية التي رُسمت لهم عن الغرب. وهذا جانب غالبًا ما تتجاهله الدعاية المتبادلة بين المعسكرين.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن روسيا نفسها دولة بارعة في الحرب النفسية وصناعة السرديات. فالكرملين، منذ الحقبة السوفيتية، أتقن استخدام الإعلام والدعاية والتضليل الاستراتيجي وبناء صورة القوة والثبات، تمامًا كما أتقن الغرب صناعة صورة “روسيا المنهارة دائمًا”. أي أن الطرفين يمارسان الحرب النفسية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الرغبة السياسية إلى بديل عن القراءة الواقعية.
ولهذا فإن الحديث الغربي المتكرر عن “انقلاب وشيك” في روسيا يدخل غالبًا ضمن إطار الحرب النفسية ومحاولة إنهاك الخصم معنويًا، وإعطاء الانطباع بأن الدولة الروسية تعيش لحظة تفكك داخلي دائم. لكن التاريخ الروسي الطويل يُظهر أن هذه الدولة، مهما دخلت أزمات، تمتلك قدرة عالية على إعادة إنتاج نفسها، لأن تماسكها لا يقوم فقط على شخص الحاكم، بل على شبكة عميقة من المؤسسات الأمنية، والعسكرية، والإدارية، والثقافية.
فالدولة العميقة في روسيا ليست مجرد أجهزة مخابرات، بل تراكم قرون من المركزية السياسية، والخبرة العسكرية، والشعور بالمظلومية والحصار. ولهذا يصعب اختزال روسيا في شخص قائد أو نظام عابر. فالقيادات تتغير، لكن فكرة الدولة تبقى. ومن هنا تحديدًا تأتي صعوبة الانقلاب العسكري فيها: ليس لأن المجتمع الروسي خالٍ من التناقضات، بل لأن كلفة كسر الدولة في الوعي الروسي تبدو أخطر بكثير من كلفة الصراع مع السلطة نفسها.
