في ظلال مرس السلطان.. القصّ أصدق أنباء
عبد الرحيم التوراني
في قلب الدار البيضاء النابض بالصخب والحكايات، وتحديدا في ساحة مرس السلطان التي تختزل ذاكرة المدينة الشعبية وثقافتها، كان الكاتب محمد صوف يجلس في ركنه المعتاد بانتظار الميعاد. لم يكن هذا الموعد عابرا، بل كان يتجدد في كل مرة ليعيد صياغة صداقته التاريخية مع الكاتب والصحفي عبد الرحيم التوراني، تلك الصداقة التي عجمت عودها السنون، وصقلتها دروب الصحافة وممرات الأدب الضيقة والواسعة على حد سواء.
بينما كان صوف يتأمل حركة المارة والوجوه الشاحبة والمستبشرة التي تموج بها الساحة، كان عقله يغزل خيوط مجموعته القصصية الجديدة، التي اختار لها عنوانا يضج بالجرأة والوجدان: “الحب أصدق أنباء”…
نظر إلى الواجهة الزجاجية للمقهى القديم، فرأى انعكاس وجهه في المرآة، ملامحه المحملة بأسئلة الوجود والكتابة أومأت له بأن كل ما يعيشه ويدونه هو مجرد حكاية تتناقلها الأجيال. حكاية كاتب رفض منذ البداية أن يطير داخل السرب أو يتبع القطيع، بل اختار التغريد وحيدا خلف أسوار العزلة الإبداعية، باحثا في وجوه العابرين عن بلاغة ابتسامة صادقة تائهة في زحام الأيام والمكابدات اليومية.
استرجع صوف في تلك اللحظات الكلمات العميقة لامرأة عابرة في حياته، تلك التي قالت له يوما بكثير من الفلسفة والعفوية:
– إن الحياة برمتها ليست سوى قصة حب قصيرة وعابرة، وهي لا تحتاج إلى التكلف أو الزيف، ولا إلى تلك الباروكة المستعارة التي يرتديها بعضهم ليواروا خلفها عوراتهم.
كان يرى في الساحة تجسيدا حيا لهذه الفكرة، فهناك اللاعب الذي يقامر بمستقبله، وهناك العبث الذي يلف تفاصيل الوجود. بدا المشهد أمامه أشبه بالمحضر الرسمي الصارم الذي يوثق يوميات المدينة بكل تناقضاتها، فمن جهة تلمح عيناه المتشردة التي تفترش الرصيف البارد وتحتضن الفراغ، وكأن لسان حالها يصرخ في وجه هذا العالم الإسمنتي القاسي: أنت لا سواك المسؤول عن هذا الهامش المنسي، وعن هذا الانكسار الذي لا يبرأ.
إنها أشياء تحدث في كل ثانية ودقيقة دون أن نلقي لها بالا، تماما مثل تلك الرؤوس المحلوقة لشباب يمرون مسرعين، يحمل كل واحد منهم في صدره قصة بوح مخنوقة لم تجد طريقا للنور بعد، أو لعله يلوذ بالصمت هربا من واقع لا يرحم.
تأمل صوف زاوية الشارع المظلمة قليلا، فابتسم بمرارة حين تذكر كيف أفرط في التخييل والمجاز يوما حين كتب قصة في ضيافة كلب، مستعرضا من خلالها كواليس السياسة ودسائسها التي تشبه إلى حد بعيد صرامة يد المعلم القديم، تلك اليد التي كانت تخط مادة الإنشاء على السبورة الخشبية السوداء، وتجبر الصغار بحزم وقسوة على الانضباط والنوم خلف السياج الحديدي المرسوم لهم، دون تفكير أو تمرد.
وفيما هو مستغرق في تأملاته، التفت صوف ليجد الشخص الآخر جالسا في المقهى المجاور، غارقا في صمته وهو يجمع القصاصات القديمة والأخبار المهترئة من الصحف، منتظرا بشغف وقلق ذاك الموعد الحاسم الذي قد يغير مجرى حياته أو لا يغير شيئا على الإطلاق.
وفي تلك اللحظة بالذات، اخترق الصمت طفل صغير يبيع الزهور بملابس رثة وعينين تلمعان بالأمل، كان المشهد مؤثرا ومختصرا للحياة والجمال وسط الركام، لوحة إنسانية آثر صوف أن يطلق عليها في ذاكرته اسم “الطفل والوردة“.
لقد كانت تلك الخطوة وهذه المبادرة من الكاتب بمثابة تحويل الشارع البيضاوي العتيق إلى المعرض المفتوح والحقيقي للحكايات الإنسانية النابضة. وفجأة تبددت غيوم الأفكار القاتمة، وأحس صوف بالبلسم يداوي روحه المتعبة في لحظة صدق جارفة ونادرة، وذلك حين لمحت عيناه صديقه الوفي عبد الرحيم التوراني قادما من بعيد بخطواته الواثقة وابتسامته المعهودة.
كان هذا اللقاء المرتقب كفيلا باختزال مسافات طويلة من التعب والقلق الوجودي وعناء الكتابة. في حضرة الصداقة الحقيقية، لم يعد يهمه تتبع أخبار الرجل والقبلات الزائفة التي تتبادلها النخب في الصالونات المغلقة، ولا التفاصيل القاسية والنكسات التي تأتي كضربة غادرة على القذال من الخلف.
جلس الصديقان معا يرتشفان القهوة الساخنة، وفتحا دفتي كتاب الأيام الجديد، مؤمنين بعمق وجوارحهما بأن الكلمة الصادقة والقص الحقيقي هما الخلاص الوحيد والملجأ الأخير للإنسانية في هذا العالم الصاخب.
***

في هذه الأثناء مر من أمام المقهى شبح الشاعر أبو تمام، يمشي بخطى وئيدة واثقة، حاملا بيده وردة حمراء يانعة بدل السيف الصقيل الذي تغنى بصدقه يوما في قصيدته الخالدة.
نظر الصديقان إلى بعضهما مبتسمين ابتسامة عريضة يملؤها الذهول الممزوج بالبهجة. قال عبد الرحيم وهو يرفع في الهواء النسخة الأنيقة من آخر مجموعة قصصية لصديقه صوف:
– الحب مثل السيف في حده الحد بين الجد واللعب.. لعل أبا تمام كان يقصد ذلك وغاب عن بالنا، أو لعلنا نسينا مع الأيام!
انطلقت ضحكاتهما الصافية لتشق صمت اللحظة، فضحك النادل الذي كان يتابع المشهد بفضول دافئ، وضج المقهى بضحكات شباب كانوا يتسلون بمتابعة مباراة حامية الوطيس من مباريات المونديال على الشاشة الكبيرة المعلقة في صدر المقهى.
في تلك اللحظة البيضاوية الفريدة، تمازجت أصوات الجماهير بهتافات المونديال، مع روح الشعر القديم، وسحر السرد الحديث، ليعلن الجميع من ساحة مرس السلطان أن الحياة، بكل ما فيها من عبث وصخب تظل دائما وأبدا… أصدق أنباء بالحب.
_______________________
* الكلمات الملونة هي عناوين نصوص المجموعة القصصية الأخيرة للكاتب محمد صوف، الصادرة تحت عنوان: “الحب أصدق أنباء”، ضمن منشورات “الراصد الوطني للنشر والقراءة، طنجة 2026.
