أسود الأطلس في مواجهة “الحماية” الكروية

أسود الأطلس في مواجهة “الحماية” الكروية

عبد الرحيم التوراني

          ساعات قليلة جدا.. ثقيلة.. ممتدة كأنها الدهر، تفصلنا عن تلك اللحظة التي تتوقف فيها أنفاس الملايين، وتتجه فيها الأنظار صوب المستطيل الأخضر، حيث سيلتقي منتخبنا الوطني المغربي بنظيره الفرنسي…

 إنها ليست مجرد مباراة في كرة القدم، بل هي مواجهة ذات أبعاد رمزية موغلة في الدلالة، نحن الأسود وهم الديكة… ومنذ متى كان للصياح الغريزي أن يصمد في وجه الزئير المهيب؟ متى رأيتم دِيكا يفوز في صراع كوني مع ملك الغابة؟

إن كل خطوط الطول والعرض في عالم التوقعات والتكهنات تميل بكفتها نحو الديكة، مدفوعة بآلة إعلامية غربية ضخمة، وحسابات تقنية جافة وعقيمة. لكنها في نهاية المطاف تظل توقعات على الورق.. والورق كائن هش يحترق عند أول شرارة من حماس الأسود… ليبقى الميدان بعشبه وجماهيره وعرقه ودقائقه التسعين، هو الفيصل والفصال، وهو الحَكَم العدل الذي لا يعترف بالماضي ولا ينحاز للأسماء، بل ينحاز لمن يسكب الروح على أرضية الملعب.

***

في أزقة المدن المغربية العتيقة، وفي شوارعها الحديثة، على المقاهي وفي الحافلات، لا صوت يعلو فوق صوت المباراة… الشارع المغربي يعيش حالة من الغليان والترقب الساحر، حيث يمتزج الخوف بالأمل، والتوجس باليقين… تنقسم المشاعر في توليفة بشرية فريدة بين فريق متخوف يدرك حجم الخصم وقوته الفنية، ويخشى المفاجآت غير السارة... وفريق متفائل يرى في عيون اللاعبين إصرار الأجداد، ويؤمن أن الروح المغربية قادرة على صنع المعجزات كما فعلت دائما.

فريق ثالث يحذر ويوجه أصابع الاتهام، يخشى من تعسف التحكيم وميل الكواليس السياسية والرياضية داخل أروقة الفيفا إلى جانب فرنسا.

إن ميزان الأرباح التجارية والتسويقية في بورصة الاتحاد الدولي لكرة القدم قد يميل لغايات في نفس يعقوب (يعقوب الذي يحمل اليوم اسم جياني إنفانتينو) نحو القوى الكبرى ومنتخب فرنسا…

 أمام هذا التوجس البشري المشروع من ظلم الأرض، لا يملك المغاربة إلا سلاحا واحدا يتفوقون فيه، إنهم يرفعون أكف الضراعة إلى العلي القدير، مستنجدين بعدالة السماء لتكون معهم، لتنصف العرق والجهد، ولتحمي حلم المستضعفين من تغول الكبار.

***

هل ستكون هذه المواجهة الكروية مناسبة لتفجير ذلك الفرح العظيم؟ فرحٌ لا يشبهه إلا فرح إعلان استقلال المغرب وانعتاقه من ربقة المستعمر الفرنسي، ذلك الذي كان يستعير قناعا قانونيا ناعما يسميه “الحماية”، بينما كانت في جوهرها سلبا للحرية واستنزافا للخيرات…

 إنها مباراة تتجاوز الأبعاد الرياضية لتلامس أوتار الرد الثقافي والتاريخي.

إن المقاربة هنا ليست دعوة للكراهية، بل هي رغبة مشروعة في رد الدين وتحقيق ثأر رياضي طال انتظاره، وتحديدا منذ تلك الليلة المشحونة في نصف نهائي مونديال قطر 2022، حين وقف العالم مصفقا لأسود الأطلس الذين واجهوا فرنسا ليس فقط كفريق كرة قدم، بل كرمز للجنوب الثائر في وجه الشمال المهيمن…

 اليوم تتجدد الفرصة لكتابة التاريخ بمداد من كبرياء، وليثبت المغربي أنه لم يعد تابعا ولا حلقة ضعيفة، بل ندٌّ حقيقي يفرض شروطه في السلم وفي الرياضة.

***

إن الفرح ليس مهنتنا”… 

هكذا قال الشاعر العربي الكبير محمد الماغوط في لحظة حزن وجودي عارم… ونحن في هذا الجزء من العالم، عشنا طويلا في كنف المعاناة، واعتدنا على مجابهة الصعاب حتى تكاد تكون البهجة طارئة علينا…

لكننا اليوم نصرخ بملء الفيه: نريد أن نفرح! يليق بنا الفرح، ويستحق هذا الشعب الطيب أن يذوق طعم الانتصار الكامل.

ينبري الكثير من المحللين السوسيولوجيين والنقاد السياسيين ليصموا كرة القدم بأنها تحولت إلى أفيون الشعوب، أداة لتخدير الجماهير وإلهائهم عن قضاياهم الأساسية ومعاناتهم اليومية من غلاء وفقر وتحديات معيشية…

قد يكون في هذا الطرح شق من الحقيقة الاقتصادية.. ولكن.. ليكن كذلك!

إن شعبنا يعاني ويتألم ويكابد في معترك الحياة اليومية، وهو في حاجة قصوى إلى هذا الأفيون المسكن، إلى مورفين معنوي يداوي جراح الانكسارات المتراكمة…

 إن الفرح الكروي هنا ليس أداة للاستسلام أو النسيان، بل هو مسكن ضروري يضمن استمرار المقاومة، ويشحن البطاريات الروحية للشعب ليبقى على قيد الأمل…

 إن الانتصار في الملعب يترجم في وعي الشعوب المستضعفة إلى انتصار للذات، وإيمان بالقدرة على التغيير في مجالات أخرى.

***

حين يطلق الحكم صافرة البداية، ستتلاشى كل التحليلات وتسقط كل الأقنعة، ويبقى المقاتلون وجها لوجه…

 ستحمل أقدام اللاعبين المغاربة أحلام أمة من طنجة إلى الكويرة، بل وأحلام شعوب عربية وإفريقية ترى في هذا المنتخب مرآة لطموحاتها في كسر الهيمنة التقليدية.

إننا لا نطلب سوى العدالة.. ولا نتمنى سوى أن تبتسم الساحرة المستديرة لمن يستحقها… وإذا كان الفرح ليس مهنتنا بالتوارث، فإننا عازمون اليوم على احترافه، وعلى انتزاعه من مخالب الديكة، ليكون زئير الأسود هذه الليلة مدويا يعيد ترتيب الأشياء، ويمنح التاريخ فرصة لإنصاف من آمنوا بأن المعجزات تصنعها العزيمة لا الأوراق.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!