مونديال 2026.. نصر كروي بروح إنسانية ونقيض لليمين المتطرف

مونديال 2026.. نصر كروي بروح إنسانية ونقيض لليمين المتطرف

الدار البيضاء – خاص

        تُوِّجت إسبانيا بلقب كأس العالم 2026 بعد فوزها المثير على الأرجنتين بنتيجة (1-0) في موقعة نهائية احتضنتها نيوجيرسي وحبست أنفاس العالم. وفي الدقيقة 106 من الشوط الإضافي الأول، انشق فيران توريس ليحسم الجدل ويهز الشباك بالهدف الوحيد، مانحا ‘لاروخا’ لقبها المونديالي الثاني، في مباراة فرض فيها الإسبان سطوتهم الهجومية وسيطرتهم المطلقة لغةً وأرقاما ومحاولات.

     هذا الفرح ليس مجرد بهجة عابرة، بل هو كما صاغ الأكاديمي اللبناني زياد ماجد بدقة، فوز متعدد الأبعاد، هو فوز كروي يُتوج تفوقها في جميع الخطوط كأفضل منتخب في العالم بلا منازع منذ ثلاث سنوات. وهو فوز رياضي تجسد في هدوء وذكاء لاعبيها وهم يتعاملون برباطة جأش مع خشونة الأرجنتينيين واستفزازاتهم. وهو نصر ثقافي بامتياز… فإسبانيا التي غدت اليوم من أكثر الدول تقدمية بتشريعاتها الاجتماعية في أوروبا، تعكس في الملعب تنوعا وتعددا مبهرا بقيادة نجوم كلامين يامال، ونيكو ويليامز، ورودري، وكوكوريا، وسيمون، لتُشكل نقيضا صارخا لأطروحة الصفاء العرقي التي ينادي بها معتوهو اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، وفي الأرجنتين تحديدا بقيادة رئيسها خافيير ميلي.

كما أنه تفوق سياسي يتناغم مع مواقف رئيس حكومتها بيدرو سانشيز وتصديه لترامب للحفاظ على ما تبقى من استقلالية أوروبية، وطبعا مع مواقفه الشجاعة تجاه القضية الفلسطينية، والتي تميزت بنبلها ووضوحها الفريد في الغرب بأكمله.

هنيئاً لإسبانيا وليلادوريس الماتادور، جيلهم الذهبي الجديد، الذي بعد أن تربع على عرش أوروبا قبل عامين، يرفع الآن الكأس العالمية الأغلى.

في مدرجات المغرب والوطن العربي، وحتى في أرجاء واسعة من القارة السمراء، كانت القلوب تنبض باللون الأحمر الإسباني. وغصت منصات التواصل الاجتماعي بفيض من التبريكات والابتهالات لم ينقطع. ولم يكن هذا الانحياز الجماهيري العربي جغرافيا أو اعتباطيا، بل كان انحيازا سياسيا وقيميا لبلد أوروبي وحيد وقف مع الفلسطينيين وأهالي غزة بوضوح كامل دون مواربة في زمن التخاذل… يُضاف إلى ذلك الرابط العاطفي والدموي الذي يمثله النجم الصاعد لامين يامال، الفتى الذي يتحدر من أب مغربي ويحمل في مهارته وسحره بعضاً من جينات الموهبة المغربية.

إنها كرة القدم حين تؤكد للجميع أنها لم تعد مجرد رياضة محبوسة داخل المستطيل الأخضر، بل تجاوزت الحدود لتصبح عصب الاقتصاد والتجارة والسياسة وحركة المجتمعات، مستحقةً بامتياز وصف أفيون الشعوب في تجلياته المعاصرة.

ليلة نيوجيرسي كانت ليلةً لحبس الأنفاس، سيطر فيها الإسبان بالطول والعرض، غير أن الخوف كل الخوف كان يسكن القلوب من تلك “الكرة الغدارة” كما يصفها باستمرار المذيع الرياضي التونسي عصام الشوالي، خاصة وأن الأرجنتين كانت زاحفةً بقيادة “البرغوث” ليونيل ميسي الذي يملك دائما مفاتيح المعجزات. لكن الأقدار الكروية والإلهية أنصفت الكرة الجميلة، وأهدت السعادة لملايين الجماهير في إسبانيا وخارجها في فوز مستحق لا غبار عليه.

ومع إطلاق صافرة النهاية، عشنا فصلا دراميا مؤثرا.. وداعا للأسطورة ميسي، الذي غادر الملاعب بدموع الانكسار ليرسم نهاية حقبة تاريخية لم تعرف الملاعب لها مثيلا، مودعا الساحرة المستديرة بدموع كبرياء جرحه عناد التاريخ في خطوته الأخيرة.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!