المرأة المغاربية في معارك التحرير الوطني.. من الظل إلى جوهر وقلب الفعل
المختار عنقا الادريسي
4 – بورتريهات بعض المناضلات المغربيات
استهلال مدخلي:
لا يكتمل فهم تاريخ حركة المقاومة المغربية دون إدماج – أو على الأقل استحضار – الأدوار التي اضطلعت بها النساء داخل ذاك المسار التحرري، بوصفهن فاعلات تاريخيات شاركن – من مواقع متعددة – في صياغة الحدث الوطني بمستويات متعددة، سياسية وتنظيمية وميدانية ورمزية. غير أن السرديات التاريخية السائدة، لم تركز إلا على القيادات الرجالية، وبذلك تكون قد أسهمت في تقليص الحضور النسائي إلى تهميش أو تقليصه إلى أدوار ثانوية الأمر الذي يستدعي منا مقاربات توثيقية نقدية، من مناحي متعددة، لإعادة قراءة الذاكرة الوطنية. وتأسيسا عليه نعتمد هذا المدخل باعتباره بورتريه نضالي يسمح بالاسهام في التأريخ للتجربة النسائية، متوقفين عند مسارات فردية لها دلالتها، ونحن لا نقدمها هنا بوصفها حالات استثنائية أو بطولات معزولة، بل باعتبارها أولا نماذج لأنماط مختلفة من الانخراط الوطني الذي يتراوح بين الفعل السياسي المنظم، والإسناد اللوجستيكي السري، والتعبئة الاجتماعية والرمزية. وثانيا للإسهام في إعادة التوازن إلى الذاكرة التاريخية الوطنية، عبر إنصاف الفاعلات اللواتي أسهمن في صناعة لحظة التحرر والاستقلال.
4 . 1مليكة الفاسي من التوقيع على وثيقة الاستقلال الى بناء التنظيم النسائي
* النشأة والتكوين:
هي مليكة بلمهدي الفاسي، المولودة بفاس بتاريخ 19 يناير 1919، داخل وسط عائلي محافظ ينتمي إلى النخبة البورجوازية الفاسية، وقد أتاح لها هذا التكوين المزدوج – التقليدي والحديث – الجمع بين المرجعية الدينية والوطنية من جهة، وبين الحس الإصلاحي والتحديثي من جهة أخرى. وقد ساهمت قراءاتها المبكرة في الصحافة الوطنية والمشرقية في تشكيل وعيها السياسي الواضح الذي جعلها تدرك أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري، بل هو بِنْيَة هيمنة ثقافية واجتماعية أيضا. فبدأت تكتب في جريدة “العلم” تحت اسم “الفتاة “، ثم صارت توقع كِتَاباتها باسم “باحثة الحاضرة”. ويقول أبوبكر القادري (مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية): [كنت أقرأ مقالات موقعة باسم “باحثة الحاضرة” في ملحق مجلة المغرب وتساءلت عمن تكون هذه المرأة التي اقتحمت المجال الصحفي، فزاد فضولي للتعرف إليها، بعدما لمست أنها تشير في كتاباتها إلى أن الصحافة ميدان لا ينبغي أن يظل حكرا على الرجال، وإنما الدعوة إلى الإصلاح والتطور هي للرجال والنساء معا]. ونشير هنا إلى أنه أمام التحولات التي أحدثها التعليم العصري، واحتكاك النخب المغربية بالإصلاحات الفكرية في المشرق، وإضافة إلى احتداد الصراع مع سلطات الحماية، كل ذلك ساهم في خلق شروط جديدة سمحت بظهور نساء اقتحمن المجال السياسي بوعي وجرأة ملحوظتين. وفي هذا السياق التاريخي سيبرز اسم “مليكة الفاسي” باعتبارها إحدى النساء اللواتي انتقلن من موقع التعاطف إلى موقع القرار. وبالتالي فإن أي حديث عنها ليس حديثا عن “أول امرأة” بالمعنى الاحتفالي، بل هو حديث عن تحول نوعي في بنية الفعل الوطني نفسه.
الانخراط في الحركة الوطنيةالوطنية
مع تصاعد المد الوطني، ارتبط اسمها بدوائر حزب الاستقلال ومجموع الفاعلين الإصلاحيين بكل من مدينتي فاس والرباط، ولم تكتف بالدعم المعنوي أو العائلي، بل انضمت إلى كثلة العمل الوطني في 1937 وشاركت في اللقاءات التنظيمية ومختلف أنشطة التوعية، وعهد إليها بتنظيم الحركة النسائية في دائرة حزب الاستقلال. وقد بلغت مشاركتها الذِرْوَة في 1944 حين كانت الوحيدة من النساء التي وقعت وثيقة المطالبة بالاستقلال، وعمرها لم يكن يتجاوز آنذاك 25 سنة، إلى جانب العديد من الأسماء الرجالية، من بينهم علماء دين محافظين وآخرين كانوا طلبة في القرويين، لكن رغبة “مليكة” كانت أكبر من أن ترد، ولم يسجل من طرف الموقعين أي اعتراض على وجود امرأة بينهم. ويعتبر هذا التوقيع حدثا سياسيا ذا دلالة عميقة، لأنه مَثًّل اعترافا رسميا بدور المرأة كشريك كامل في المشروع الوطني للمقاومة، لا كمساند خارجي فحسب. تلك الوثيقة التي تعد نقطة تحول في تاريخ الكفاح السياسي الوطني والتي لم تكن عريضة رمزية، بل إعلانا مباشرا بتحدي سلطة الحماية. ويبقى إدراج اسم امرأة في لائحة الموقعين على وثيق المطالبة بالاستقلال، موقفا سياسيا جريئا بحد ذاته.
المقاومة التربوية والاجتماعية المستمرة كفعل مؤسسي
بعد الانخراط السياسي المباشر، توجهت السيدة مليكة الفاسي نحو ما يمكن تسميته المقاومة البعيدة المدى. أي بناء الإنسان بدل الاكتفاء بمواجهة الاستعمار. فأسست وشاركت في العديد من المبادرات التعليمية والجمعوية التي تهدف إلى [تعليم الفتيات – محاربة الأمية – نشر الوعي داخل الأسر – تشجيع مشاركة النساء في العمل العام]. منطلقة من اقتناعها بأن التحرير يظل ناقصا إذا بقي نصف المجتمع خارج دائرة الفعل . لذلك كانت ترى بأن المدرسة والجمعية هما امتدادا طبيعيا لساحة النضال.
مليكة الفاسي رمز من الذاكرة الوطنية
كانت قد تزوجت بابن عمها محمد غالي الفاسي – وهو أول وزير تعليم بمغرب ما بعد الاستقلال – وعندما تولى مديرية جامعة القرويين اغتنمت الفرصة وكونت وفدا نسائيا قابل السلطان محمد الخامس لمطالبته باعطاء أوامره لفتح فرع خاص بالطالبات، يكون تابعا للقرويين. وقد كان لتعيين زوجها أستاذا بالمدرسة المولوية فتحا للباب على مصرعيه قصد الولوج إلى القصر الملكي في وجه مليكة الفاسي، وقد أضحت بعده صديقة لزوجة السلطان وصارت [موضع ثقة عند حزب الاستقلال، فحظيت دون غيرها بالالتحاق بالجناح السري للحزب، بعدما أقسمت على القرآن بكتمان الأسرار الوطنية والسياسية.
(التواصل السري والتنظيمي مع محمد الخامس)، لقربها من الملك وزوجته – أبوبكر القادري . مرجع سابق – واعتبارا لعدم سوء ظن الفرنسيين بما يمكن أن تقوم به امرأة مغربية، فقد كان ينتدبها أعضاء الحركة الوطنية لتلتقي بالسلطان لتتبع أخباره، والتنسيق معه فيما يعتزم الوطنيون القيام به. ويضيف رامي السباعي قائلا في المقال المنشور بـ “مرايانا ” تحت عنوان (المرأة الوحيدة الموقعة على العريضة)، أنها كانت [آخر من التقى بمحمد الخامس قبل نفيه يوم 19 غشت 1953. ويحكي بعض المؤرخين أنها لبست ملابس رثة وذهبت إلى القصر لعدم لفت انتباه الفرنسيين الذين يطوقون المكان، فدخلت القصر. وتعاهدا بأن المقاومة ستستمر حتى موت آخر مغربي. وبعد عودة الملك من المنفى كانت أول من التقاه أيضا بعد هبوطه من الطائرة، فصافحها وشكرها على حفظ العهد]. وتأسيسا على كل ذلك، لا يمكن اختزال تجربتها في حدث التوقيع على وثيقة الاستقلال – كما يذهب اليه الكثيرون – لأن ذلك يحصرها في لحظة رمزية فقط. بل إنها بعملها تجسد ثلاثة تحولات كبرى هي:
︎ – التحول السياسي المتجلي في دخول المرأة الى مركز القرار والفعل الوطني النضالي
– التحول الثقافي الرابط بين التعليم والتحرر
︎ – التحول المؤسساتي .
في ختام هذا البورتريه ينبغي أن نشير إلى أنها رفضت تولي حقيبة وزارة الشؤون الاجتماعية في أول حكومة للمغرب المستقل، مفضلة الاشتغال من خلال جمعيتها “مواساة”، وهو ما يجعلنا نقول بأن المقاومة ليست دائما هي صوت الرصاص، فقد تكون كذلك درسا في فصل صغير يعلم الطفولة كيف تحب وطنها وتعشقه. وقد انتقلت الى عفو الله ورحمته بمدينة الرباط في 11 ماي 2007 . – يتبع –
