العقل الذي لم يغادر
أحمد لعيوني
لا يمكن قراءة رباط المتنبي لحسن أوريد باعتبارها مجرد رواية تستعيد شخصية تاريخية من الماضي لتزج بها في فضاء معاصر، لأن هذا المنظور يختزل أفقها الدلالي ويغفل مشروعها الفكري. فالرواية لا تجعل من عودة المتنبي إلى الرباط حدثا عجائبيا يستدعي تفسيرا، بل تتخذ منها أداة سردية لمساءلة الواقع العربي من الداخل، عبر استحضار أحد أكثر رموزه الشعرية والفكرية حضورا في الذاكرة الثقافية. ومن ثمّ، لا يصبح السؤال المركزي: كيف عاد المتنبي إلى القرن الحادي والعشرين؟ وإنما: لماذا ظل حاضرا في وعينا الجمعي، حتى بدا وكأنه لم يغادره قط؟ ومن هذا السؤال تنبثق رؤية الرواية التي تجعل من الماضي مرآة للحاضر، ومن الشخصية التاريخية وسيطا نقديا يكشف تناقضات الواقع ويعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول السلطة والحرية والهوية والمصير.
من هذه المفارقة التأسيسية تنبني الرواية على شبكة معقدة من الأسئلة الفلسفية والفكرية، حيث يتقاطع التاريخ مع التخييل، والسيرة مع الرمز، والواقع مع الهذيان، والذاكرة مع الهوية، لتتحول الرحلة السردية إلى تشريح عميق للبنية الذهنية العربية، في محاولة للكشف عن الأسباب الكامنة وراء تعثر مشروع النهضة واستمرار إنتاج أنماط التفكير نفسها، رغم تبدل الأزمنة والأنظمة والأدوات.
لا ينشغل حسن أوريد باستحضار المتنبي كشاعر فحسب، وإنما يستدعيه بوصفه فكرةً، ونموذجاً ثقافياً، وبنيةً ذهنية ما تزال تسكن الوعي العربي، وتعيد إنتاج علاقته بالسلطة، وبالمجد، وباللغة، وبالتاريخ. ومن ثم تغدو الرواية مختبراً فكرياً تتجاور فيه الفلسفة مع الأدب، والنقد الثقافي مع التحليل النفسي، والهيرمينوطيقا مع السرديات الحديثة، لتغدو كل شخصية علامة دلالية، وكل فضاء استعارة، وكل حدث قابلا لقراءات متعددة تتجاوز ظاهره الحكائي.
تنتمي رباط المتنبي إلى ما يصطلح عليه في النقد المعاصر بـالرواية الفكرية أو رواية الأفكار، حيث لا تكمن أهمية السرد في تعاقب الوقائع، وإنما في إنتاج المعنى، وفي تحويل الرواية إلى فضاء للحوار مع التراث، ومساءلة السلطة، وإعادة التفكير في الهوية العربية والمغربية، وفي علاقة الإنسان المعاصر بماضيه، وبأوهامه، وبالمستقبل الذي لم يولد بعد.
الرباط لا تحيل فقط إلى العاصمة المغربية، بل تحمل معاني عدة، ترتبط بالقيد، والإقامة، والحراسة، والرباط الروحي، ورباط الذاكرة. أما المتنبي فهو أكثر من شاعر؛ إنه رمز للعقل العربي في أقصى تجلياته البلاغية، وللنرجسية الحضارية، وللتمرد السياسي، وللطموح الذي لم يجد دولة تحتضنه.
يفتح العنوان باباً لعدة دلالات تتجاوز معناه المباشر. ففي المستوى الأول، يوحي بحضور المتنبي في مدينة الرباط. وهذا الحضور يخلق مفارقة زمنية، لأن المتنبي شخصية تنتمي إلى الماضي، بينما الرباط تمثل فضاءً معاصراً. وهكذا يلتقي الماضي بالحاضر داخل العنوان.
وفي المستوى الثاني، لا يظهر المتنبي كشخصية تاريخية فقط، بل يصبح رمزاً فكرياً وثقافياً. ويبدو الراوي متأثراً به إلى درجة يختفي فيها الحد الفاصل بين الشخصيتين. ومن خلال هذا التماهي، يعبر الراوي عن رؤيته للواقع بقناع تراثي.
أما في المستوى الأعمق، فإن الرباط لا تدل على المدينة وحدها، بل ترمز إلى ارتباط العقل العربي بتراثه. فهو يعود باستمرار إلى الماضي لفهم الحاضر. غير أن هذا التعلق قد يتحول أحياناً إلى عائق يمنع بناء وعي تاريخي جديد، ويحد من الانفتاح على الحداثة والإبداع.
هذه العتبة النصية تفتح منذ البداية سؤال الرواية المركزي: هل نستطيع مغادرة المتنبي؟ أم أن المتنبي يسكننا أكثر مما نسكنه؟
ومن جهة أخرى، يصعب قراءة الرواية دون استحضار سيرة حسن أوريد نفسه. فالراوي أستاذ جامعي، أمازيغي الأصل، يتقن العربية والفرنسية، شغل منصباً رفيعاً في الدولة، ثم عاش تجربة الابتعاد عن السلطة، وانصرف إلى التأمل الفكري. وهي معطيات تتقاطع بوضوح مع المسار الشخصي للمؤلف، غير أنه يعمد إلى إخفائها داخل قناع روائي، وفق ما يسمى في النقد المعاصر بـالميتاسيرة أو السيرة الذاتية المقنعة، حيث يتخفى الكاتب خلف شخصية متخيلة، بينما تستمر الأسئلة الوجودية ذاتها.
فالراوي ليس حسن أوريد حرفياً، لكنه يحمل جزءاً كبيراً من وعيه وأسئلته ومراجعاته الفكرية، لذلك تتحول الرواية إلى اعتراف غير مباشر بأزمة المثقف الذي اقترب من السلطة ثم اكتشف محدوديتها، وآمن بالحداثة لكنه وجد المجتمع مشدوداً إلى بنيات تقليدية تقاوم التغيير.
يقدم أوريد المتنبي منذ الصفحات الأولى باعتباره ضيفاً غريباً يطرق باب الراوي ليلا، إلا أن هذا الحضور لا ينبغي فهمه بوصفه معجزة زمنية أو رحلة خيالية عبر التاريخ، وإنما باعتباره تجسيدا رمزيا لفكرة كامنة في اللاوعي الجمعي.
كلما تقدمت الرواية تقل أهمية السؤال: هل هذا هو المتنبي الحقيقي؟ ليحل محله سؤال أكثر عمقاً: لماذا عاد المتنبي الآن؟
فالجواب الذي تبنيه الرواية تدريجياً هو أن المتنبي لم يعد من التاريخ، بل لم يغادره أصلا؛ إنه يسكن الثقافة العربية بوصفه نموذجاً للعظمة، والبلاغة، والكبرياء، والتمرد، لكنه أيضاً رمز لبنية ذهنية ما تزال تتحكم في الحاضر.
ولهذا يصرح الراوي في نهاية الرواية بأن المتنبي فكرة، كما تصبح بشرى، وليلي، والأندلس، جميعها أفكاراً وتمثلات أكثر منها أشخاصاً أو أمكنة واقعية.
يعتمد البناء السردي على تقنية تكسير الزمن، حيث ينتقل السرد باستمرار بين القرن العاشر والقرن الحادي والعشرين دون فواصل واضحة، فيذوب الماضي داخل الحاضر.
وهذه التقنية ليست لعبة فنية، وإنما تؤدي وظيفة فلسفية؛ إذ يريد المؤلف أن يقول إن الزمن العربي لم يتحرك بالقدر الذي توحي به المظاهر. لقد تغيرت السيارات والعمارات والهواتف، لكن البنية الذهنية بقيت أسيرة آليات التفكير نفسها: الاستبداد، والولاء، والمؤامرة، والتقديس، والانقسام المذهبي.
ولذى نجد أن الراوي يكرر أكثر من مرة أن العرب غيروا الأدوات ولم يغيروا العقول.
ومن حيث شخصيات الرواية، فإنها تكاد جميعها تجاوز بعدها الواقعي لتتحول إلى رموز ثقافية.
فالراوي يمثل المثقف العربي الممزق بين جذوره الأمازيغية وانتمائه العربي وإيمانه بالفكر الغربي.
أما المتنبي فهو التراث العربي بكل تناقضاته؛ عبقرية لغوية، وطموح سياسي، ونرجسية حضارية، وتمرد دائم.
وتجسد بشرى الوهم الجميل الذي يخلقه الإنسان ليحتمي به من الفراغ، ولذلك تذوب تدريجياً حتى يكتشف الجميع أنها ربما لم تكن موجودة أصلاً.
أما الطبيبة خولة، ثم ليلي، ثم فنيش، فتمثلن ثلاثة أنماط من المعرفة: المعرفة العاطفية، والمعرفة العلمية، والمعرفة العلاجية القائمة على الإصغاء للإنسان لا على قمعه.
وفي المقابل يمثل الماجور الدولة الأمنية، ليس بوصفها جهازاً سياسياً فحسب، بل باعتبارها ذهنية ترى في الاختلاف مرضاً، وفي الحرية خطراً، وفي التفكير تهديداً يجب تخديره.
أما محجوبة، الخادمة، فهي صورة للوعي الشعبي الذي يفسر الغريب بالخرافة، قبل أن يكتشف تدريجياً أن الجنون قد يكون حكمة لا يفهمها.
كما أن مستشفى المجانين، سواء الرازي أو بوسيجور، لا يعد فضاء علاجيا، وإنما استعارة للوطن العربي بأسره. فالمرضى ليسوا جميعاً مرضى نفسيين، بل مفكرون وشعراء وعشاق وحالمون، بينما تبدو السلطة هي الأكثر خوفاً منهم.
ومن هنا يتحول الحقن المتكرر إلى رمز لمحاولات محو الذاكرة الجماعية، وإخماد التفكير الحر، وإنتاج مواطن مطيع بدلاً من مواطن ناقد.
في المقابل تمثل الطبيبة فنيش نموذجاً للعلاج بالبوح، أي الاعتراف، والحوار، والمواجهة، وهو ما ينسجم مع التحليل النفسي الفرويدي والهيرمينوطيقا الحديثة التي ترى أن الفهم يبدأ من تفكيك الخطاب لا من قمعه.
أما مشهد هروب المرضى في خاتمة الرواية فيعد من أكثر المقاطع كثافة ورمزية.
لا يعني هذا الهروب فرار مجموعة من المختلين عقلياً، بقدر ما يمثل تحرر الأفكار من السجن. ففي غيبة الماجور، رمز السلطة الأمنية، تقوم الطبيبة، رمز المعرفة الإنسانية، بمساعدة المرضى على الخروج، وكأن أوريد يريد القول إن المجتمعات لا تتحرر بالقوة، وإنما يحدث ذلك عندما ينتصر العلاج على التخدير، والحوار على القمع، والفكرة على السلطة.
وتزداد الرمزية وضوحاً حين يبعث المرضى رسائل يؤكدون فيها أنهم فكرة ستنتشر متى سنحت الظروف. وهنا تتحول النهاية إلى إعلان عن أن الأفكار لا يمكن اعتقالها إلى الأبد، وأن مشروع بناء مواطنين لا رعايا يبدأ بتحرير الوعي.
موقع الربيع العربي
يربط أوريد ظهور المتنبي بأحداث الربيع العربي، لكنه لا يقرأ تلك الأحداث قراءة احتفالية، بل يقدم رؤية نقدية ترى أن الثورات لا تنتج الديمقراطية بمجرد إسقاط الأنظمة، لأن المشكلة أعمق من السلطة السياسية؛ إنها كامنة في الثقافة ذاتها.
ولهذا يصرح بأن الربيع العربي لن يثمر لأن الأرض الفكرية لم تنبت بعد فولتير أو مونتيسكيو أو كانط، أي أن التغيير السياسي دون ثورة معرفية يظل ناقصاً.
ومن أهم القضايا التي تناقشها الرواية سؤال الهوية المغربية.
فالراوي يرفض أن يسمى بربرياً، ويصر على وصف أمازيغي، لكنه في الوقت نفسه لا يتنكر للعربية، بل يدافع عن بقائها لغة للحياة والإبداع لا للحفظ الجامد.
كما يقدم الأندلس نموذجاً لهوية مركبة؛ عربية اللسان، رومانية الجسد، إغريقية العقل، في إشارة إلى أن الحضارات الكبرى تقوم على التفاعل لا على الانغلاق.
وتتصل رباط المتنبي عضوياً بمجمل المشروع الروائي لحسن أوريد.
في ربيع قرطبة يظهر سقوط الحضارة عندما تفقد قدرتها على التجدد.
وفي زينة الدنيا يبرز البحث عن المعنى وسط انهيار السلطة والمعرفة.
أما الموريسكي فيجسد مأساة الإنسان الممزق بين هويات متعددة، والسؤال ذاته يعود في رباط المتنبي من خلال المثقف الأمازيغي العربي.
غير أن التقاطع الأكبر يظل مع الباشادور؛ حيث يحضر الراوي المثقف بوصفه مرآة للمؤلف، وتتحول الكتابة إلى مراجعة للتجربة السياسية والشخصية، ويصبح التاريخ أداة لفهم الحاضر لا مادة لاستعادته.
تتقاطع الرواية مع أعمال عالمية عديدة، من أبرزها:
دون كيتشوت لـميغيل دي سيرفانتس، حيث يعيش البطل داخل عالم صنعته الكتب حتى يختلط عليه الواقع بالخيال.
اسم الوردة لـأومبرتو إيكو، في المزج بين السرد الروائي والتأمل الفلسفي والنقد الثقافي.
المحاكمة لـفرانز كافكا، حيث تتحول السلطة إلى جهاز عبثي يحاكم الإنسان دون أن يفهم سبب اتهامه.
1984 لـجورج أورويل، في تصوير الدولة التي تراقب الأفراد وتعيد تشكيل الوعي.
الجبل السحري لـتوماس مان، حيث تتحول المصحة إلى مختبر فلسفي يعكس أمراض المجتمع كله.
لا يقدم حسن أوريد في رباط المتنبي إجابات جاهزة، بل يفتح أسئلة مؤجلة منذ قرون. فالمتنبي ليس بطلاً عاد من الماضي، بل هو العقل العربي حين يعجز عن مغادرة صورته القديمة. والمصحة ليست مكاناً للمرضى، بل استعارة لمجتمع يخشى حرية التفكير. أما الهروب الأخير، فليس فراراً من مؤسسة علاجية، وإنما إعلان رمزي عن أن الأفكار لا تُحقن بالمهدئات، ولا تُعتقل بالجدران، وأن الإنسان، مهما أثقلته أشباح التاريخ، يظل قادراً على البحث عن أفق جديد، شرط أن يتحول من مجرد رعية إلى مواطن، ومن حافظ للذاكرة إلى صانع للمستقبل.
جعل حسن أوريد من روايته مختبراً فكرياً يوازن بين كثافة المعنى ورشاقة السرد. لقد وظف التاريخ كقناع لفهم معضلاتنا الراهنة، مبتعداً عن التقريرية المباشرة. ومع ذلك، يكمن إخفاق الرواية الجزئي في ميلها أحياناً إلى تنميط الشخصيات؛ حيث بدت بعض الشخصيات (كالماجور أو بشرى) محملة بأحمال رمزية ثقيلة أفقدتها حيويتها البشرية لصالح دلالتها الفكرية. في المحصلة، رباط المتنبي ليست رواية للحكاية، بل هي بيان فكري يدعو القارئ للتحول من رعية تستحضر الماضي، إلى مواطن يصنع المستقبل.
