الدفاع عن الأرض والحق في الثروة من أجل التنمية محليا ووطنيا
مصطفى المتوكل الساحلي
إن عمر الوطن والشعب المغربي يمتد لآلاف القرون، وعمر الدولة المغربية بعهود حكامها من الممالك الأمازيغية إلى الممالك الإسلامية، من الأدارسة فالمرابطين ثم الموحدين فالمرينيين إلى السعديين ثم العلويين، حيث كان الشعب مستقراً بأنظمته الاجتماعية والاقتصادية والتدبيرية للمجالات القبلية المنفردة وبتحالفاتها الاستراتيجية التي تؤطر مناطق شاسعة تعدل أحياناً مساحة ما يعرف اليوم بالإقليم والجهة ومناطق المغرب في علاقة بين القبائل. كما كان رجالهم ونساؤهم يقومون بالمهام المدنية والمعيشية الكاملة من الرعي، والفلاحة، والخدمات، والصناعات التقليدية، والتعلم، والريادة، وامتلاكهم الحكيم والعادل لتشريعات عرفية ملزمة، منها:
– تنظيم تدبير مجالات “تاكانت” (tagant): التي يتقاسم ساكنة المجال تملكها بوضوح يحقق عدالة في الرعي المنظم، وفي جمع الحطب، وفي جني الثمار والغلال والأعشاب الطبية ومواد البناء، وهي التي أصبحت تسمى في القوانين المستحدثة “الغابة” (la forêt).
كما يقومون بأعمال الصيد البحري ويدافعون عن المجال البحري والشواطئ، ويواجهون الغزاة والقراصنة الذين يهاجمون وهددون الأراضي المقابلة للبحر ويطمعون في التوغل إلى عمق المغرب في مختلف تراب الوطن؛ من البحر الأبيض المتوسط وجبال الريف والأطلس المتوسط، إلى الأطلس الكبير والأطلس الصغير، وكل السهول الشمالية والوسطى والشرقية والغربية، إلى الصحارى الجنوبية والجنوبية الشرقية والوسطى الشرقية والواحات.. إلخ.
وكان سكان تلك المجالات الجغرافية المحلية بامتداداتها المجاورة والعميقة، فيما يسمى الآن بالأقاليم والجهات على امتداد المغرب بكل أسمائها القديمة، يتقاسمون في غالبيتهم اللغة الأمازيغية بلهجاتها المختلفة، وكذا الدارجة المغربية بمختلف أنواعها، كما يتشابهون في التشريعات العرفية المتوارثة والمتواترة التي هي الأصل القانوني المنظم لأنواع الملكية الفردية، والأسرية، والجماعية، والمشتركة الفلاحية، وتنظيم الري، واستغلال الموارد المائية، وكل أشكال استغلال الغابات بما يحفظ حقوق الأفراد والعائلات والقبيلة والقبائل المجاورة لها، وانضاف إليها تدبير الأراضي الموهوبة والمحبسة لأغراض معينة وموضوعات محددة في علاقة بالضوابط العرفية الأمازيغية والشرعية الإسلامية.
وفي علاقة بالقوانين والمراسيم والظهائر التي صدرت غالبيتها زمن الاحتلال الفرنسي، مما تسبب في تصادم مع الشعب المغربي في أكثر من منطقة لمواجهة وإفشال مخططات نزع الأراضي من أصحابها وتصنيفها بالقوة والقهر إلى “غابات” للدولة وما سمي بأراضي الأملاك المخزنية، أما الأملاك الحبسية فتميزت بأن المغاربة هم من يحبسون عقاراتهم لوجه الله تعالى لموضوع يحددونه. ووثق التاريخ قيام الاحتلال الفرنسي بانتزاع أجود أراضي المغرب لفائدة الإقطاعيين الفرنسيين وبعض الأعيان المتعاونين معهم ومن يسير في فلكهم، بإحداث ضيعات تحت مسمى شركتي “صوديا” و”سوجيطا” (SODEA و SOGETA).. إلخ. كما قام بعض القواد المتعاونين مع الاحتلال بانتزاع أملاك الناس وتملكها بالقوة وتواطؤ المحتل الأجنبي، وقامت الدولة المغربية بعد الاستقلال -وفق إجراءات متوافق عليها- باسترجاعها ونقل ملكيتها للدولة المغربية، فأصدرت تشريعات بالتدرج منها:
- ظهير 29 شتنبر 1963: “الجريدة الرسمية عدد 2657 بتاريخ 27/09/1963 الصفحة 2247″، وقرر الملك الراحل إعطاء حق الانتفاع من غلل الأراضي المسترجعة المتواجدة بكل إقليم لبعض الفلاحين في إطار تسييرها تلك.
- ظهير بتاريخ 2 مارس 1973: “الجريدة الرسمية عدد 3149 بتاريخ 07/03/1973 الصفحة 687″، والذي تنقل بموجبه إلى الدولة ملكية العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة التي يملكها أشخاص ذاتيون أجانب أو أشخاص معنويون، ونص الفصل الثامن من هذا الظهير على ما يلي: «يترتب عن نقل الملكية المشار إليه في الفصل الأول أعلاه منح تعويض طبق شروط تحدد فيما بعد».
إن قضية الأرض بالمغرب قائمة على مرتكزات الهوية، والثقافة، والتملك، والاستغلال، والتدبير؛ إنها محور الذاكرة المشتركة والوجود التاريخي العريق، ومن هنا وجب التنبيه إلى أن فقدان الأرض وتقييد وتعطيل الاستغلال والتملك المادي والمعنوي والعرفي -الضامن لاستمرار الوجود الإنساني- يضعف ويقهر ويفكك القبائل والتجمعات السكانية، ويتسبب في الهجرة بسبب التهميش والخصاص والعزلة، وصولاً إلى ضعف وجود المرافق العمومية والخدماتية الضامنة للعيش والاستقرار.
وعليه، فإن الترافع والنضال المشروع والحكيم لساكنة الأطلس الصغير والكبير والمتوسط والريف والسهول… إلخ، يعبر بصدق وجدية عن صراع وجودي وهوياتي بعمق تاريخي وثقافي يهم الشعب والدولة باعتبارهما الحصن القوي لمواجهة كل أنواع الاحتلال وكل حملات الغزو، وباعتبار الشعب هو المساهم الفاعل في تأسيس أنظمة الحكم الملكية وخدمتها من الممالك الأمازيغية إلى الدولة العلوية للمحافظة على الاستقرار والمساهمة القوية في التنمية بمسمياتها منذ قرون، ولحماية التراب الوطن وتقوية الدولة. إن نضالهم وترافعهم هو مسألة وجود وحياة وهوية، كعلاقة شجرة الأركَان بالأرض (argan) وامتدادات أماكن وجودها، وكعلاقة المخلوقات كلها بنظام التنوع الحياتي في كل مجال ترابي، وكعلاقة المنطقة بالمناخ.
إن الباب الرئيسي الواجب على القطاعات الحكومية المعنية معرفته تحت المسؤولية الكاملة للحكومة سياسياً، وأخلاقياً، وإنسانياً، وحقوقياً، ووجودياً، قبل استصدار دوريات أو مذكرات أو مشاريع مراسيم في علاقة بتغيير ملكية وهوية الأرض (“أكال” – akal): هو التاريخ الذي يوثق لوجود الإنسان وارتباطه بالأرض، واجتناب كل ما يؤثر سلبياً على الساكنة والمستغلين والممتلكين لأراضي تلك المجالات العظيمة منذ أجيال إنسان “إيغود” و”تافوغالت” و”أنفا” إلى ما قبل الاحتلال الغاشم، إلى اليوم. وهذا ما ندفع به وطنياً ودولياً بشكل قطعي وواقعي؛ أن المغرب ليس أرضاً خلاء، وكذلك حال جباله وسهوله وصحاريه وسواحله، وهذا يعني الشعب والدولة على حد سواء.
ونستحضر في هذا الإطار جوهر مذكرات وتصريحات وبلاغات وتظاهرات وشعارات المحتجين في العديد من مناطق المغرب للمطالبة بحماية حقوقهم الثابتة في المجال الترابي القبائلي التاريخي، لمنع كل أشكال الترامي التي قد تحصل من “شناقة” الأراضي الذين يسعون إلى تملكها بمبرر أنها أرض خلاء، باستغلالهم وتوظيفهم السلبي لما يعرف بـ”مدونة الحقوق العينية”، وكأن هذه الأراضي التاريخية خلاء وسكانها مجرد لاجئين أو مقيمين منذ الأزل بصفة مؤقتة.
وهنا نثير الانتباه إلى المادة 222 من القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية التي تنص على أن:
«الأراضي الموات التي لا مالك لها تكون ملكاً للدولة، ولا يجوز وضع اليد عليها إلا بإذن صريح من السلطة المختصة طبقا للقانون».
والمادة 223 تنص على أن:
«من أحيى أرضاً من الأراضي الموات بإذن من السلطة المختصة فله حق استغلالها».
والمادة 224 تنص أيضاً على أن:
«يكون إحياء الأرض الموات بجعلها صالحة للاستغلال، ويتم إحياؤها بزراعتها أو غرس أشجار بها أو إقامة منشآت عليها أو تفجير ماء بها أو صرفه عنها».
ومن الإنصاف والصدق أن نستحضر بطولات ساكنة الأراضي المغربية، حيث شكلت حركات المقاومة والتحرير من قبائل الأدلص الصغير والمتوسط والكبير والريف جبهة لمواجهة جيوش الاحتلال الأجنبي الغاشم، الذي لم يتمكن من التحكم والهيمنة المؤقتة ليسلب الأراضي المغربية حتى عام 1934، حيث قدموا شهداء بالآلاف، واواكب ذلك القمع والاعتقال والنفي والترهيب والتقتيل الذي مورس على الناس لوضع حد للمقاومة والجهاد، مما أدى إلى هجرات متعددة في حقب وعقود متتالية، حيث خلقوا فرصاً للعمل في كل مدن وحواضر المغرب وأصبحوا قوة تنموية واقتصادية، كما أسس وشارك العديد منهم في المقاومة السرية المسلحة في مراكش، والبيضاء، والرباط، وحواضر سوس، وحواضر الغرب، والشرق، والشمال، والصحراء المغربية.
وفي مقابل كل هذا، أصبحت أراضيهم في العوالم القروية أقل حراسة واستغلالاً بسبب الهجرة الاضطرارية، ومما عقد الأوضاع أن سكان البوادي المغربية ومجالاتها الترابية -وخاصة جبال المغرب- لا يزالون يعانون بعد 70 سنة من الاستقلال من التهميش، والخصاص، وغياب ونقص مزعج في الخدمات.
ومن هنا يجب الاحتراز مع اليقظة كي لا تُستغل بعض مواد مدونة الحقوق العينية من “شناقة ومافيا” العقارات الذين يملكون من الأموال والنفوذ ما يكفي للتناور والترامي و”تملك” أراضي السكان باستغلال ما يسمى “إحياء الأرض”!؟ وفي مقابل ذلك، توضع شروط وضوابط جد معقدة عندما يريد سكان العالم القروي تحصين وتحفيظ أملاكهم، مما يتطلب استخراج وثائق الملكية لتوثيق شهادة اللفيف المرتبطة لزوماً بالحصول على شهادات من القطاعات الحكومية؛ من الأحباس، والأراضي الغابوية، وأراضي الجموع.
إن الدولة مدعوة لضمان استقرار ساكنة المناطق القروية بتوقير المجال الترابي للدواوير والعمل الفلاحي والزراعي والرعوي بمنهجية تنموية عادلة تنمي الاقتصاد والمنتوجات المحلية والسياحة القروية والبيئية، وتأهيل التجمعات السكانية بما يتلاءم مع خصوصيات وأنظمة العيش الضامنة لتقدمهم، وفك العزلة فعلياً عن القرى بالجماعات الترابية القروية، وضرورة التعجيل بتقريب الخدمات الاجتماعية والتأطيرية المتعاونة مع الساكنة.
«…مع الأسف، ما تزال هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية…» (من خطاب العرش 2025)
