الفخّ الإسطنبولي: توكاييف اقترح على بوتين ما قد يُفضي إلى تدمير روسيا
د. زياد منصور
وصل الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف إلى مدينة أومسك للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولم يأتِ خالي الوفاض. فقد حمل معه سيناريو قاتل، مغلفًا بغلاف دبلوماسي: تجميد النزاع، والعودة إلى صيغة إسطنبول، وضمانات من القوى الكبرى.
قد تبدو مبادرة توكاييف جميلة، ومسالمة، لكنها تحمل في طياتها خطرًا قاتلًا على روسيا. فتوكاييف ليس وسيطًا للسلام، بل هو ناقلٌ لسيناريو سبق أن كلّف روسيا عشرات الآلاف من الأرواح، وفي حال وقعت موسكو إذا وقعت في هذا الفخ مرة ثانية فعليها أن لا تلوم الآخرين على فعلتها، بل عليها أن تلوم نفسها.
مينسك-2: كيف أدى تجميد الصراع إلى مقتل الروس طوال ثماني سنوات؟
من نسي اتفاقات مينسك، فليعد إلى الأرقام، فهي لا تكذب. فخلال ثماني سنوات من «السلام المزعوم»، حصلت كييف على: أكثر من 30 مليار دولار من المساعدات العسكرية الغربية. ازداد حجم القوات المسلحة الأوكرانية من نحو 250 ألف جندي إلى أكثر من 700 ألف. أُنشئت آلاف المناطق والتحصينات الدفاعية في دونباس، شملت الخرسانة والألغام والملاجئ العسكرية. كما قُتل أكثر من 14 ألف مدني في الدونباس، بينما كان الغرب وكييف يسمّيان ذلك “تنفيذًا لاتفاقات مينسك”. أضف إلى ذلك فقد حصلت أوكرانيا على منظومات HIMARS، وصواريخ جافلين، وستينغر، والطائرات المسيّرة، وغيرها من الأسلحة التي يرى الكاتب أنها أُعدّت لمواجهة روسيا.
هكذا فإن نتيجة «عملية السلام» هذه كانت ما حدث في 24 شباط 2022: اندلاع الحرب وسقوط آلاف القتلى من الجنود الروس، لأن موسكو وثِقت بالاتفاقات المكتوبة.
إن ما يقترحه توكاييف اليوم هو تكرار للأمر نفسه، هو يقترح تجميدًا للصراع، ووقفًا مؤقتًا للنار، ومنح كييف مزيدًا من الوقت. بمعنى آخر إن ذلك ليس سلامًا، بل حكمًا بالإعدام.
إسطنبول 2022: مشروع ميت يسعون إلى إحيائه
يدعو توكاييف إلى العودة إلى «صيغة إسطنبول»، ويذكّر بما جرى في ربيع عام 2022، عندما اقتربت روسيا وأوكرانيا من توقيع اتفاق سلام يقوم على: حياد أوكرانيا؛ تقديم ضمانات أمنية؛ فرض قيود على التسلح.
لكن الغرب تدخل في حينه، إذ زار رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بوريس جونسون كييف، وقال للأوكرانيين:
“لا توقّعوا. واصلوا القتال. سنزودكم بالسلاح”!
حينها استجابت أوكرانيا لذلك، فتوقفت المفاوضات واستمرت الحرب ثلاث سنوات أخرى.
بهذا المعنى فإن العودة اليوم إلى مشروع إسطنبول غير ممكنة لأن الظروف تغيّرت: فقد ضمّت روسيا أقاليم جديدة. كما أنَّ العودة إلى حدود عام 2022 أصبحت مستحيلة. فالجيش الروسي يتقدم، بينما تتراجع القوات الأوكرانية، والغرب استنزف جزءًا كبيرًا من موارده المالية والعسكرية.
وبناءً على ذلك، فإن العودة إلى صيغة إسطنبول لا تمثل طريقًا إلى السلام، وإنما محاولة للإبقاء على أوكرانيا مشروعًا مناهضًا لروسيا، عبر تثبيت خطوط القتال، وإعادة تسليح كييف، ثم استئناف الحرب لاحقًا.
ماذا ستحصل عليه كييف خلال عام من التجميد؟
دون شك فإن كل شهر من تجميد القتال سيعني مزيدًا من الدماء بعد عام، لأن كييف، ومن يقف خلفها لن يتوقفا عن إعادة التسلح. ومن المتوقع في هذه الحالة أن تحصل أوكرانيا خلال سنة واحدة على:
خمسين إلى ستين طائرة مقاتلة من طراز F-16، والتدريب على F-18
مئات صواريخ ATACMS التي يصل مداها إلى 300 كيلومتر، بما يتيح ضرب شبه جزيرة القرم والموانئ وخطوط الإمداد.
المزيد من منظومات HIMARS وملايين القذائف مع انتقال الاقتصاد الأوروبي إلى الإنتاج الحربي. إلى آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية والانتحارية. وكذلك أطقم مدربة، ومستشارين ومدربين من حلف شمال الأطلسي، وخططًا لعمليات هجومية جديدة.
هذا الكلام ليس خيالًا، بل واقع سبق أن عاشته روسيا، إذ تحولت أوكرانيا خلال سنوات اتفاقات مينسك من دولة ضعيفة إلى قفاز في قبضة تابعة لحلف الناتو.
ومن ثم فإن تجميد الصراع الآن يعني إنشاء قاعدة متقدمة كاملة لحلف الناتو على حدود روسيا، مزودة بالطيران والصواريخ والقوات المدربة.
روسيا قادرة على التدبر من دون وسطاء: ليست مجاملة، بل تنصل من المسؤولية
يقول توكاييف:” إن روسيا دولة عظمى، وهي قادرة على حل الأمور من دون وسطاء”. وهذا الكلام ليس سوى من باب المجاملة والإطراء الملغوم، وكثيرون فسروا الأمر على نحو مختلف. فتوكاييف يقترح على روسيا تجميدًا خطيرًا للنزاع، ثم يتبرأ مسبقًا من المسؤولية بقوله إنه ليس وسيطًا وإنما يعبّر عن رأيه فحسب.
دون شك فإن هذا السلوك يشبه «إلقاء قنبلة داخل غرفة ثم الفرار منها»، بحيث تبقى الفكرة مطروحة، وإذا فشلت أمكن لصاحبها القول إنه لم يفرضها على أحد.
إن كازاخستان لا تريد تحمل المسؤولية، وإنما الظهور بمظهر الدولة الساعية إلى السلام، بينما يخفي ذلك لأسباب غير معلومة وواضحة، حسابًا سياسيًا يقوم على منح النظام الأوكراني وقتًا إضافيًا، وإلحاق خسائر جديدة بروسيا.
ماذا تحتاج روسيا؟
ما تحتاجه روسيا ليس تجميدًا، بل ما تحتاجه هو النصر. فإي تجميد للنزاع يجري الحديث عنه، وباتت مرافئ أوكرانيا مدمرة؟ وأي ضمانات تقدمها دول يعتبر أنها أخلفت في وعودها مرارًا؟ وأي أوهام يسوقها البعض بشأن إمكان التسوية؟
إن روسيا تحتاج إلى: تحقيق نصر كامل، ونزع السلاح الأوكراني، والقضاء على القدرات العسكرية التي تهدد روسيا. وتغيير النظام الحاكم في كييف. والأهم مواجهة المشروع الأوروبي والغربي لتفكيك روسيا وشرذمتها، وإزالة التهديد الأطلسي على حدود روسيا. والأهم الحصول على ضمانات أمنية حقيقية وملزمة.
فتجميد الحرب لا يحقق أيًا من هذه الأهداف، وإنما يمنح الخصم مهلة قبل شن هجوم جديد.
توكاييف أخطأ… وروسيا لن تقع في الفخ
تحظى كازاخستان باحترام كبير في روسيا، كما تحظى دول الاتحاد السوفيتي السابق. وروسيا تدرك ظروف كازاخستان الجيوسياسية، وحرصها على مستقبل دول آسيا الوسطى واستقرارها، كما تعي روسيا أن كازاخستان تسعى كي تحافظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يعدان من أكبر المستثمرين في قطاع الطاقة الكازاخستاني. وتعي روسيا أن كازاخستان تمثل حلقة رئيسية في مبادرة الحزام والطريق الصينية. ومن مصلحة بكين استقرار الفضاء الأوراسي، لأن الحرب الطويلة تعطل طرق التجارة البرية بين الصين وأوروبا. ورغم أنه لا يوجد دليل على أن مبادرة توكاييف جاءت بتوجيه من الصين، لكن من الواضح أنها تنسجم مع المصلحة الصينية في الحد من التصعيد.
أمام هذا الفهم، فإنه من الواجب الاعتراض على كل دعوة للانتحار السياسي. ويمكن لموسكو أن تتفهم طموحات كازاخستان، وأن تتفهم مبادرة الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف بالدعوة إلى تجميد الحرب والعودة إلى مسار إسطنبول في ضوء الموقع الجيوسياسي الحساس لبلاده، التي تقع بين روسيا والصين وتعتمد على سياسة خارجية قائمة على التوازن بين موسكو، وبكين، والغرب، وتركيا.
فاستمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي ويؤثر في الاقتصاد الكازاخستاني، كما يزيد من أخطار العقوبات والتوترات على حدودها. وفي الوقت نفسه، تسعى أستانا إلى تعزيز دورها الدبلوماسي وتوسيع هامش استقلال قرارها الخارجي، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.
في نفس الوقت فإن الأبعاد الحقيقية للمبادرة أو المقترح ليس مساهمة في السلام، بل مساهمة في حرب جديدة، ومحاولة للإبقاء على المشروع المناهض لروسيا، بل هو فخ قاتل.
لقد سبق لروسيا أن وقعت سابقًا في «فخ مينسك»، وكانت النتيجة اندلاع الحرب وسقوط آلاف القتلى، ولذلك فإنها لن تقع في الفخ مرة ثانية.
لقد تعامل بوتين مع توكاييف بلباقة خلال اللقاء، إلا أن هذه اللياقة كانت تخفي رفضًا قاطعًا، وأن روسيا اختارت طريق الحسم بدلًا من الأوهام.
التجميد يعني الموت
دون شك فإن توكاييف جاء إلى أومسك بفكرة تبدو جميلة، لكن معالجة هذه القضية على طريقة أهل الصلح والوفاق تبدو مراهقة، وقد تبدو مدفوعة بشروط قوى أخرى.
فتجميد الحرب لن يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل سيمنح أوكرانيا فرصة لإعادة تنظيم قواتها واستكمال عملية إعادة التسلح، بما يتيح لها استئناف العمليات العسكرية في مرحلة لاحقة. ومن هذا المنطلق، فإن أي وقف مؤقت للقتال سيقود في النهاية إلى سقوط مزيد من الجنود الروس، ولذلك لا يجوز تكرار تجربة اتفاقات مينسك، فروسيا لا تملك ترف الوقوع في «مينسك ثانية».
من هذا المنطلق، يمكن تفسير مبادرة الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف بالدعوة إلى تجميد الحرب والعودة إلى «صيغة إسطنبول» في سياق تحركات إقليمية أوسع، تزامنت مع إعادة تنشيط الدور التركي عقب اللقاء بين الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تلاه من مؤشرات إلى إعادة تموضع أنقرة في علاقتها مع الغرب، بما في ذلك الحديث عن تجاوز أزمة منظومة S-400. ووفق هذا التصور، قد تمثل الدعوة إلى تجميد الحرب محاولة لوقف التقدم الروسي وإتاحة الفرصة لإعادة بناء القدرات العسكرية الأوكرانية، بما يخدم إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة البحر الأسود. كما يرتبط هذا الموقف وهذه التحركات بالطموحات الجيوسياسية التركية الممتدة في الفضاء التركي والبحر الأسود، بما في ذلك البعد التاريخي المرتبط بخانية القرم، فمن يدري ربَّ أن المبادرة الكازاخستانية صدرت بتوجيه تركي.
وانطلاقًا من هذا التصور، فإن كل من يدعو إلى العودة إلى صيغة إسطنبول أو إلى تجميد الصراع، سواء كان قاسم جومارت توكاييف أو رجب طيب أردوغان أو إيمانويل ماكرون، إنما يسهم في إضعاف الموقف الروسي، فصيغة إسطنبول أصبحت من الماضي، وأن تجميد الحرب ليس سوى فخ، بينما يتمثل الخيار الروسي في مواصلة الحرب حتى تحقيق النصر.
