حين يصبح التخوين بديلاً عن السياسة
أحمد لعيوني
يتكرر نفس المشهد مع كل اقتراب استحقاق انتخابي. تغص منصات التواصل الاجتماعي بخطابات مشحونة بالانفعال، ويعلو صوت التخوين على صوت الحجة، فيما تتراجع النقاشات الرصينة حول البرامج والسياسات العامة لتحل محلها سجالات عقيمة لا تفضي إلا إلى تعميق الاستقطاب وإذكاء الانقسام. تتحول السياسة، في كثير من الأحيان، من فضاء للتنافس الديمقراطي حول الأفكار والبدائل والحلول، إلى ميدان لتوزيع صكوك الوطنية ومصادرتها، حيث يُختزل الاختلاف في الاتهام، ويُنظر إلى الخصم السياسي بوصفه خصماً للوطن، لا منافساً في الرأي.
المقلق في هذا المشهد ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف هو جوهر العمل الديمقراطي، وإنما الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف. فبدلاً من إقناع المواطن عبر مشروع سياسي واضح، أصبح بعض الفاعلين يراهنون على تعبئة المشاعر السلبية، عبر تصوير المجتمع وكأنه منقسم بين معسكر يحتكر الحقيقة والوطنية، وآخر لا يستحق سوى الإدانة والإقصاء (نحن ضد هم). إنها إحدى السمات الكلاسيكية للخطاب الشعبوي الذي يبسط الواقع إلى حد تشويهه، ويستبدل التفكير النقدي بردود الفعل العاطفية.
لقد نبهت الفيلسوفة الألمانية- الأمريكية حنة آرندت إلى أن تآكل الفضاء العمومي يبدأ حين يتراجع النقاش العقلاني لصالح التعبئة الانفعالية، بينما رأى المفكر النمساوي كارل بوبر أن الديمقراطية لا تستمد قوتها من ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما من الاعتراف بإمكانية الخطأ والانفتاح على النقد والتصحيح. وانطلاقا من هذا الفهم، فإن تحويل الخصم السياسي إلى عدو لا يؤدي إلا إلى تقويض الفكرة الديمقراطية التي تقوم، في جوهرها، على التعدد والاختلاف والتداول السلمي للأفكار.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي أثبتت دراسات عديدة أن الجماعات المشحونة عاطفياً تصبح أكثر قابلية لتصديق المعلومات التي تؤكد قناعاتها المسبقة، حتى وإن كانت تفتقر إلى الأدلة. وهنا تكمن خطورة وسائل التواصل الاجتماعي فهي، بخوارزمياتها، تعزز أحياناً ما يعرف بـغرف الصدى، حيث يسمع الفرد الآراء التي تشبه رأيه فقط، فيزداد اقتناعاً بأن كل مخالف له مخطئ أو سيئ النية.
وقد يمتد أثر هذا الخطاب إلى المجتمع بأسره. فعندما يصبح التخوين لغةً مألوفة، يتحول الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية، وتتراجع الثقة المتبادلة بين المواطنين، ويغيب النقاش الجاد حول القضايا التي تهم الناس حقاً، مثل جودة التعليم، وفعالية المنظومة الصحية، وتوفير فرص الشغل، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز الحكامة الجيدة. وعندئذٍ تتحول السياسة إلى مجرد ضجيج إعلامي، في حين تظل المشكلات الحقيقية من دون حلول.
وتؤكد التجارب الديمقراطية المقارنة أن بناءها يتم من خلال التراكم والإصلاح المستمر بدل القطيعة الدائمة أو انتظار شروط مثالية للمشاركة. وفي هذا السياق، يبين الباحث السويدي يان تيوريل أن الانتقال الديمقراطي عملية طويلة ومعقدة تتقدم بخطوات متدرجة، وتترسخ عبر توسيع المشاركة، وتعزيز المساءلة، وتطوير المؤسسات، عوض تقويض الثقة فيها.
وفي السياق العربي، لخص المفكر محمد عابد الجابري هذه الفكرة بعبارة أصبحت مرجعاً في الفكر الديمقراطي: “نضج الشعب للديمقراطية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ممارسة الديمقراطية، تماماً كما أن الطفل لا يتعلم المشي إلا بممارسة المشي”. إنها دعوة إلى الإيمان بالتدرج، وإلى اعتبار الديمقراطية ثقافة تُكتسب بالممارسة، لا هبة تُمنح دفعة واحدة.
كما يرى الفيلسوف الاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل أن المجتمع الذي يقمع الرأي المخالف يحرم نفسه من فرصة الاقتراب أكثر من الحقيقة. فالرأي الذي نختلف معه قد يكون خاطئاً، لكنه قد يحمل جزءاً من الحقيقة، أو يدفعنا على الأقل إلى مراجعة قناعاتنا وتعزيزها بالحجة. إن احترام التعددية يعد قيمة أخلاقية، وشرطا أساسيا لإنتاج سياسات أفضل.
لا يبحث المواطن اليوم عمن يغذّي مشاعر الكراهية، وإنما يتوق إلى من يطرح حلولاً واقعية قابلة للتنفيذ. ولا ينتظر من يطالبه بالتصفيق، لكنه في حاجة إلى من يحترم وعيه ويخاطب عقله. فالناخب الواعي لا يختار صاحب الصوت الأعلى، وإنما يتوجه نحو صاحب الرؤية الأوضح، والالتزام الصادق بتحمل المسؤولية والخضوع للمحاسبة عند التقصير.
إن المغرب، وهو يواصل ترسيخ مساره الديمقراطي، يحتاج إلى خطاب سياسي يرتقي بالنقاش العام، ويعيد الاعتبار للبرامج والكفاءة والمسؤولية. أما ثقافة التخوين، مهما اختلفت الجهات التي تصدر عنها، فلن تنتج سوى مزيدا من الانقسام، وستؤجل معالجة القضايا التي ينتظر المواطن حلولاً عملية بشأنها.
تزدهر السياسة بالحوار لا بالصراخ. وتتقوى بالثقة لا بالتخوين. وتنتصر بإقناع المواطن، لا بإقصاء المخالف. وعندما يصبح العقل هو الحكم، والبرنامج هو المعيار، والمصلحة العامة هي البوصلة، يكون المجتمع قد خطا خطوة حقيقية نحو ديمقراطية أكثر نضجاً، وإلى فضاء سياسي يتسع للجميع، لأن قوة الأوطان تُقاس بالقدرة على تحويل الاختلاف إلى مصدر للإصلاح، بدل الخصومات التي تؤدي إلى الانقسام.
