برق ما “تقجع”.. تفكيك الغموض الكروي وسؤال الواقع المعيش
عبد الرحيم التوراني
♦ ما الذي جرى وحدث ليلة البارحة في المقابلة الحاسمة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الفرنسي؟.. هذا هو السؤال اللغز الذي يتردد صداه اليوم في كل زقاق، والسؤال الحارق الذي ما زلت أفتش بين ركام الانفعالات، عن عناصر إجابة موضوعية ومتزنة تخرجه من دائرة الحيرة الفجائية والصدمة التي رانت على القلوب والمخيلات.
لستُ بطبعي ممن ينساقون وراء نظرية المؤامرة الجاهزة التي تصنع على عجل لتبرير الخيبات، وهي النظرية ذاتها التي رددها على مسامعي نادل المقهى هذا الصباح بنبرة غاضبة ثائرة ومتشنجة، وهو يمسح الطاولات بعصبية بادية، جازما بعبارته القاطعة: “الماتش مبيوع”… وفي تلك الأثناء الصاخبة بالنقاش، كان زبون وقور يجلس في طاولة قريبة، يرقب حوارنا المتشنج بكثير من التؤدة برفقة نجله الصغير، فلما التقت عيناي بعينيه اعتبر نظرتي بمثابة رخصة ضمنية تسمح له بالمشاركة في هذا النقاش الشعبي المصغر، ليعلق باقتضاب عقلاني هادئ: “علينا الاعتراف بعيدا عن العاطفة، بأن فرنسا كانت أقوى تكتيكيا وبدنيا”.
بعيدا عن ثورة النادل العفوية وبساطة حكم الزبون الاختزالي، يبقى السؤال المعلق بحرقة في وعينا الكروي والجمالي: أين غاب، في تلك الليلة الملحمية، أولئك اللاعبون الكبار الذين واجهوا البرازيل بجرأة نادرة، وانتصروا على اسكتلندا بأداء بطولي، وصالوا وجالوا أمام هايتي بكبرياء، بل وحوّلوا منتخب هولندا العتيد بنجومه وتاريخه، إلى مجرد فريق دفاعي باهت يكتفي بالتراجع والتحصن في مناطقه؟ أين تبخرت في غمرة تلك الدقائق التسعين، تلك الروح القتالية العالية التي قلبت تراخي الشوط الأول أمام كندا إلى اكتساح ثلاثي ممتع هزّ الشباك والمدرجات؟
فجأة اختفى ذلك التوهج الجماعي كليا، وغابت تلك الكيمياء السحرية التي ميزت المجموعة، ولم يسجل الحضور الفعلي في ذلك المستطيل الأخضر، الذي بدا موحشا سوى الحارس ياسين بونو. ولولا ثباته الأسطوري ووقفته الشامخة ويقظته العالية في رد الهجمات والانفرادات، لكانت النتيجة ثقيلة وقاسية وفضيحة مدوية تنكأ جراح القلوب.
اليوم إذ تستفيق الجماهير من سكرة المونديال، تتردد في الأوساط الشعبية والرياضية وغير الرياضية أصداء حائرة تشي بأن في القضية لبسا و غموضا وتفاصيل مسكوتة، أو بتعبير الفنان عمر السيد نجم مجموعة ناس الغيوان: “القضية في الطاقية”.
***
عندما تذكر “الطاقية” في المخيال المغربي، تستدعي الذاكرة تلقائيا أسطورة “طاقية الإخفاء” كما وردت في الحكايات الشعبية الغابرة وأفلام السينما الكلاسيكية، تلك الأداة السحرية التي تملك القدرة الخارقة على حجب الشخوص، وتغييب الوقائع وطمس التنافسية عن الأعين في لحظة خاطفة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بكامل ثقله الرمزي والمعرفي: ما الذي تخفيه طاقية تلك المباراة الغامضة من أسرار وخبايا؟
وهل ستجود الأيام والمذكرات بكشف مخبوئها في القريب العاجل، أم سنظل نحن الشغوفين بالسراب، نلوك هذا اللغز في حلقات مفرغة من التخمين والتحليل السردي الحائر؟
إن المسألة تتجاوز التكتيك الرياضي المحض، فحين تلتقي جلدة ميتة بالتركيبة التاريخية والسياسية المعقدة للعلاقات الفرنسية – المغربية، يغدو من الصعب، بل من المستحيل على المراقب الحصيف والمثقف العضوي، عزل المستطيل الأخضر عن فضاءات الدبلوماسية وظلالها الممتدة والمؤثرة… هذا التشابك الحرج والمزمن هو ما يغذي الشكوك الشعبية الجارفة، ويمنح “الطاقية” أبعادا جيوسياسية تتجاوز حدود الرياضة والترفيه لتلامس منطق التوافقات غير المعلنة والتوازنات الناعمة في غرف الكواليس الصامتة خلف الستار.
وإذا كان هذا الغموض سليل تفاهمات من نوع آخر، تفاهمات كبرى لا تقال علنا في الندوات الصحفية، فإن الواضح المحتوم أن الجماهير ستستمر، في جلسات المقاهي وعلى رصيف الخيبات، تلوك هذا اللغز بنوع من الشجن الدفين والتحسر على مجد كان قاب قوسين أو أدنى… ولربما تبقى تلك الليلة حكاية مبتورة، فصلا ناقصا في الذاكرة الجماعية المشتركة، نفتش فيها باستمرار عن أبطال نعرف سحنتهم وملامحهم جيدا، لكنهم اختفوا فجأة في رابعة النهار وأمام وضح العيان، في تيه كروي مربك على طريقة المثل الشعبي الساخر: “برق ما تقشع”.. لتتعالى التساؤلات المشوبة بالدعابة والملامسة لواقع التدبير المؤسساتي: “فينك يا السي لقجع؟” لعل في حقيبتك جوابا لظاهرة هذا الاختفاء الفجائي.
بيد أن الواقع بكامل ثقله الاجتماعي وإلحاحه المعيشي اليومي يدعونا الآن، وأكثر من أي وقت مضى، للاستجابة لتنبيهاته الصارمة والملحة، يدعونا أن ننفض عنا غبار هذه الحيرة الكروية، ونترك الساحرة المستديرة وما يرتد عنها من صداع مزمن وسجالات عقيمة في مواقع التواصل والمقاهي…
حان الوقت لنعود بكل وعينا وجديتنا إلى متن الموضوع الحقيقي والمصيري: إلى المشاكل الاجتماعية القائمة التي تؤرق الأسر، والإشكالات الاقتصادية الضاغطة من غلاء للأسعار وتراجع للقدرة الشرائية، والأحابيل السياسية التي تنسج خيوطها بذكاء في الكواليس المغلقة، حيث يتخذ صناع القرار والسياسات من انشغالنا الجماهيري العاطفي بحمى المونديال وتفاصيله ستارا كثيفا تمرَّر خلفه الدسائس والترتيبات الصامتة والقوانين المجحفة… فالملاعب وإن منحتنا مساحات رحبة للحلم الفسيح والهروب المؤقت، لا يجب بأي حال من الأحوال أن تسرق وعينا اليقظ بالواقع المعيش، أو تحجب عنا معاركنا الحقيقية من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية.
