لبنان 2026: نحو انعطافة تاريخية كبرى (؟!)

لبنان 2026: نحو انعطافة تاريخية كبرى (؟!)

حنا صالح

        في صبيحة اليوم الـ2375 لبدء ثورة الكرامة، سيدخل يوم 16 نيسان- أبريل.. تاريخ لبنان بوصفه المحطة الأكبر لبدء الخروج من تداعيات “اتفاق القاهرة”. إنه اليوم الذي وُضع فيه لبنان على أول الطريق الطويل لاستعادة السيادة، طاوياً زمن استباحة الاحتلالات والميليشيات، وبدايةً مسؤولة لمواجهة أطماع العدو الصهيوني.

في هذا اليوم تتراءى بقوة نهاية كل ما يرمز إلى زمن “انقلاب 6 شباط- فبراير  1984″، ذلك التاريخ الذي شهد بدء أخطر تسلطٍ مذهبي على الدولة لتفكيك مؤسساتها وتهميش دورها. إنه “الزمن الأسود” الذي تمكن خلاله نبيه بري (بالشراكة مع منظومة الفساد الميليشياوية والمالية)، متكئاً على الاحتلال السوري ثم الإيراني والبندقية غير الشرعية، من تثبيت أخطر نظام محاصصة غنائمي، محصناً بالحصانات وقانون الإفلات من العقاب، ليكون “طبيعياً” نهب جني أعمار الناس، وترك العاصمة تنام على وسادة نووية فجرت قلبها في 4 آب- أغسطس 2020.

التحول الكبير والتفاوض المباشر: برزت في 16 نيسان شجاعة السلطة (رئاسة الجمهورية) في التقاط الفرصة التاريخية التي أتاحتها الولايات المتحدة، لبدء مرحلة الانتقال بلبنان من حال إلى حال. وتأسيساً على مبادرة لبنان بالتفاوض المباشر مع العدو – إذ لا شيء يفوق حماية الأرواح ووقف الهزيمة المروعة التي تسبب بها العدو الإيراني- أعلن الرئيس ترمب وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لمدة 10 أيام قابلة للتجديد.

وقد ظهر تمايز لافت في الموقف الأميركي حيال لبنان، تمايز معارض بشدة لإيران ومسار “وحدة الساحات”، ومتقاطع مع نهج بسط السيادة اللبنانية. ليتحقق دفعة واحدة: وقف إطلاق النار الذي سعت إليه الحكومة، والتكريس النهائي لفصل المسارات، وإسقاط زمن التفاوض بالوكالة.

التحديات والمقارنة التاريخية: يضع هذا اليوم لبنان وجهاً لوجه أمام أكبر تحدٍ: الاحتلال الإسرائيلي وأطماعه بالأرض والمياه. وأغلب الظن أن أصحاب القرار في السراي يدركون العقبات، فالعدو الإسرائيلي الذي تشارك مع العدو الإيراني في استباحة لبنان لن يفرط في الاحتلال بسهولة. وحذارِ من الترويجات المسطحة بأن “نتنياهو” سيقدم هدايا للبنان، فإسرائيل التي هدمت الجنوب والضاحية والبقاع تريد دولاً مفككة ومنشغلة بصراعاتها.

وكي يكون الأمر جلياً، فإن تجربة محادثات “الكيلو 101” المصرية عام 1973 خير دليل، فبرغم الانتصارات المصرية حينها، استمر العدو في المناورة لـ 15 سنة حتى استعادت مصر “طابا” عام 1989. فكيف الحال بلبنان اليوم وهو يعاني وضعاً كارثياً وانعداماً في موازين القوى؟

المسار الشاق والمسؤولية الوطنية: إننا أمام مسار شاق، والخوف حقيقي من أن تتطلب التجربة اللبنانية فترة أطول من المصرية. لن يكون بوسع لبنان تجاهل دعوة الرئيس ترمب، وسيكون الرئيس عون مضطراً للتوجه إلى البيت الأبيض خلال أسبوعين للقاء رئيس حكومة العدو. ولئن شعر اللبنانيون بالقهر حيال تلك الصورة، فإنه لا شيء يفوق محاولة تصحيح الجريمة التي قررتها طهران ونفذها وكيلها “حزب الله” تحت عناوين الثأر، مما أنزل بالطائفة الشيعية نكبة تعادل نكبة 1948.

المطالب الراهنة: لبنان مطالب اليوم بـ:

1- تشكيل خلية أزمة من أصحاب الكفاءة لدراسة احتمالات التفاوض.

2- التمسك بالقرارات الدولية والقرار 1701 واتفاقية الهدنة لعام 1949.

3- إجراء تعديل وزاري جدي، إذ لا يُعقل بقاء وزراء يرفضون جعل بيروت مدينة آمنة وخالية من السلاح، ويستسهلون استباحتها من قبل “الرعاع”.

4- محاسبة “حزب السلاح الإيراني” الذي افتعل “انتصاراً” وهمياً ليلة أمس لحرف الأنظار عن محاسبته، محاولاً كسر القرار الحكومي بحظر أنشطته العسكرية.

الخلاصة: إن اتفاق وقف النار الذي أعلنته واشنطن قد دفن قرار 27 تشرين الثاني- أكتوبر 2024، وأسقط رغبات “الثنائي المذهبي” بالعودة إلى الماضي. الاتفاق الجديد يكرس بوضوح حق إسرائيل في “الدفاع عن النفس” في أي وقت، ويحمل الحكومة اللبنانية والقوات الأمنية “المسؤولية الحصرية” والكاملة عن منع أي أنشطة عدائية.

إنه اتفاق ملزم لا يقبل المناورة. آن أوان وضع حدٍ لأدوار “حزب الله” وكالة عن نظام الملالي. “وكلن يعني كلن”، منظومة الفساد التي تساكنت مع السلاح والاحتلال، دون استثناء لأحد منهم.

شارك هذا الموضوع

حنّا صالح

صحافي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!