اللحظة وطنية بامتياز والتشاركية شرط لتقاسم المسؤولية

اللحظة وطنية بامتياز والتشاركية شرط لتقاسم المسؤولية
مصطفى المنوزي
 
يتردد استفهام كبير، قد يبدو غريبا بالنسبة لبعض الملاحظين، ويؤرقنا كقلق فكري، يتعلق بكيفية توفير إمكانيات تهيئة الظروف الملائمة لتحسين وتجويد تنمية العلاقات بين الحركة التقدمية والوطنية الديمقراطية وبين ما صطلح عليه باليسار الجديد، فعلى الاقل يلاحظ تصاعد وتكاثف موانع وعقبات تجسير وتحديث وتحيين آليات الحوار والتفكير التشاركي فيما بين مكونات فلول اليسار “الديمقراطي” وشتات اليسار “الجذري”، رغم أن ما سمي بالعهد الجديد أو المحمدي قد فتح هذه إمكانية تحقق هذا الطموح “البسيط / المعقد”، وقد كنا حريصين بمناسبة رئاستنا لأعظم دينامية حقوقية أتيحت لها فرصة لتجميع فعاليات وتيارات ومجموعات كانت بالأمس، ولا زال بعضها لم يتحرر بعد من تمثلات ضحية جلادي سنوات الرصاص وما قبلها من حماية أجنبية، فرنسية وإسبانية، فشلت في فرض استعمارها بمحاولة استثمار وتوظيف وهم ازدواجية السيادة بين المخزن والحماية، هذه الدينامية التي أطلق عليها نعت “منتدى الحقيقة والإنصاف”، قبل تعديل الاسم إلى “المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”، والذي تشرفنا بقيادته رفقة زمرة من المناضلات والمناضلين خلال ولايتين، إثر انتخابنا بالاقتراع السري، وتحملنا مسؤولية العمل والنضال من أجل تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، والتي اعتبرناها حدا أدنى يمكن أن تلتف حوله مكونات الحركة الوطنية والديمقراطية والحركة التقدمية واليسار الجديد، عبر مناضليها من ضحايا وحقوقيين، وكذا بحضور وتعبئة بقية المجموعات المرتبطة بملفات الانتفاضات والحركات الاجتماعية والسياسية والمسألة الصحراوية، المدنية والعسكرية والدينية للعضوية في المنتدى، فعبر هؤلاء، وعلى الخصوص قدماء، حاملي مشروع التغيير المجتمعي الحداثي والديمقراطي، وفلول سلالة المقاومة وجيش التحرير. لقد كان ولا زال الشق السياسي لتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة صالحا كأرضية لتفعيل وإنجاز القطيعة مع مظاهر الاستبداد والتسلط عبر إقرار آليات الإصلاح الدستوري والسياسي والتشريعي والمؤسستي؛ ولم يكن استيعاب جدوى هذه الآليات يعني كافة المكونات في تحقيق الانتقال، فقد تم التعامل مع المرحلة بنفس تمثلات الماضي بدعوى أن “الإصلاح المزعوم” سيتم داخل نفس النظام، والحال أن المقاربة لا يمكن إلا أن تكون حقوقية وقانونية بسقف سياسي لكن إصلاحي محض، فحقيقة النظام وطبيعته تتأثر بالسياق الوطني والدولي، ومع ذلك فإن الرهان لم يكن مطلقا على أساس أن الإصلاح سيكون بديلا عن التغيير “المنشود”، ليس فقط لأن اختلال ميزان القوة يقتضي الوعي بحجم الإرادات والقدرات الذاتية، بل إن مشاريع التغيير والفكر المؤسس له عرف مراجعات وتحولات، في ظل تصاعد المد الرجعي واليميني المحافظ عالميا ، وتراجع وقع الفكر الاشتراكي وتقهقر المد التحرري إثر سقوط جدار برلين وبعده انهيار المنظومة الاشتراكية، وسقوط أقطار رأسمالية الدولة القومية، وبروز الحروب الأهلية الطائفية والنزعات الهوياتية والشوفينية، وكثافة مطالب الأقلية والخصوصيات الثقافية.
 
واليوم نعيد طرح نفس المقاربة في ظل التحولات الجيوستراتيجية، إقليميا ودوليا، وتصاعد نداءات تطالب بإعادة الاعتبار لتوازن التقاطبات وتشكيل خريطة عالمية جديدة، تحد من هيمنة الرأسمالية الغربية المتوحشة وسيطرة الأمبريالية الأمريكية وتوابعها؛ فما أحوجنا إلى جدول أعمال وطني متوافق عليه يتأسس على بيئة حقوقية سليمة مؤطرة بتدابير وضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبتأهيل لمؤسسات الحكامة وتحديث آليات التقرير السياسي والتشريعي وترشيد القرار الأمني وضمان الحقوق والحريات تحت رقابة السلطة القضائية المستقلة، وباعتبار أن القضايا السيادية والمصيرية للوطن ينبغي أن تشكل مصدر وحدة وتضامن وملهمة لبناء لبنات الديمقراطية وسيلة وغاية، فكيف نحول مطلب تقوية الجبهة الوطنية الداخلية رافعة للتقدم وجزء من الحل عوض أن تكون حزء من مشكلة أمنية والحال أن الخطر خارجي.
 
من المعلوم أن الملك محمد السادس يترأس جميع المجالس العليا، كمؤسسات دستورية تخوله التقرير في كافة الشؤون السيادية والمدنية والأمنية /العسكرية والدينية، ولأن هيئاته الاستشارية تختلف وتتعدد، حسب السياق والمربعات، بإختلاف التمثلات والتخصصات والمقاربات والخلفيات؛ فإن المصلحة الوطنية والحس الديمقراطي يقتضي إعتبار أن اللحظة وطنية تتطلب التسلح بإيمان قوي يغلب المصلحة العليا للوطن، ومهما كانت الكفاءات والمهارات، فالمقاربة التشاركية ضرورية على الأقل لتفعيل المسؤولية وإقرانها بالمحاسبة ولو سياسيا ومعنويا، فكلما توافقت الإرادات تحمل الجميع أعباء ونتائج التصرفات والقرارات من باب تشطير المسؤولية بين الفاعلين والمشاركين تعاقديا، ولأن المناسبة شرط فقد حان الوقت لتنصيب المجلس الأعلى للأمن كفضاء تشاوري واستباقي يقوي مؤسستيا الجانب الوضعي للملك كرئيس للدولة، في ظل ظرفية عالمية دقيقة لا يكفي فيها الإعتماد الأمن الروحي أو الوازع الأخلاقي فقط، بل ستظل الصدارة لقواعد المصلحة أو القوة باسم الحقوق والقانون. ظرفية تقتضي عقد إجتماعات استشارية مفتوحة لأن الأمر طارئ ولا يسمح بانتظار موعد الخطاب الملكي، كما لا يحتاج لإصدار أوامر عسكرية مادام المناخ في درجة الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي، رغم حدة المواقف ضمن توازن المصالح وأخلاقيات الغاية و المعنى.
Visited 2 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

مصطفى المنوزي

رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن