الكتابة البلورية هوامش على الـ”ذاكرة” الـ”متشظية” لسعيد عاهد

الكتابة البلورية هوامش على الـ”ذاكرة” الـ”متشظية” لسعيد عاهد

 ناصر السوسي 

           انهماكات سعيد عاهد الثقافية مراوحة دؤوبة بين الشعر والسرد. القريض يسعفه باستمرار في تنفس هواء نقي لذلك يمارسه بلسانين متى هاج وجده. في حين نستطيع رد انشغاله بالسرد إلى:

-1-  عشقه المدهش لعيون الأدب، وما تخليه طوعا عن وظيفته الأصلية، والالتحاق بالإعلام المكتوب سوى تعبير عن إيمان قوي بقيمة الكلمة الملتزمة، وعن ولع شديد بصنعة المثقف كمراهن على المعنى و التغيير.

-2-  محاولة النظر في بعض المحطات الأساسية من تاريخ المجتمع المغربي الحديث عبر إعادة بناء الاستفهامات الممكنة بصددها 2 .

-3-  إنصاته للأسئلة اللاهبة المنطرحة مع التقلبات المترتبة على المساق الحضاري الراهن، وارتداداتها على الأنا الفردية، والذات الجماعية، كما على مكونات النسق الانثروبولوجي لمجتمع مركب، وهجين كالمجتمع المغربي.

وبهكذا معنى تضحى إسهاماته المتواصلة انخراطا بشكل صميمي في هم العصر،وتفكيرا في بعض قضاياه، وتحدياته التي تجتاحنا.

من هذه الاهتمامات، ومن رحم السؤالات التي استتبعتها، تخلقت “ذاكرة” سعيد عاهد الـ “متشظية” التي أسعفتنا قراءتنا لها من تسجيل الملاحظات الآتية:

-(أ)- إن الكاتب نعت عمله بالـ “نصوص” متقصدا عدم تجنيسه كي يظل المنتوج مرنا، ومحتفظا. بحريته. أو ليس التجنيس تركيدا للإبداع و غلقا له؟.

-(ب)- قد يكون وسمه لذات العمل بالـ “نصوص” منطويا، على الأرجح، على منظور يحكمه وعي فكري حاد يرمي إلى هدم الحدود، والمتاريس بين الأجناس الإبداعية، وإستراتيجية فكرية ومنهجية استدماجها الكاتب من خلال الاتصال بنمط من الكتابة جديد كان قد دشنه عبد الكبير الخطيبي الذي كان ميالا ” إلى أعمال جهوية لا تخضع لمبدأ الكلية والتوحيد بقدر ما يطبعها التعدد والتشتت.” 3 والتوق إلى الانفصال عنه ببناء اختيار إبداعي مستقل نهجا و أسلوبا،4 وإن كان فعل كهذا، إلى حد ما، عسير المنال اعتبارا لكون الأديب الذي لا يستدين، أو الذي لا يفعل ذلك أديب محكوم عليه بالموت 5 ، وهذا ما نستشفه من مقتضى كلام سعيد عاهد وهو يكتب: “من أجل الوفاء بعهده، وجد الفتى نفسه ذات مغرب ملتهب، يعانق الكبار من قارات وسجلات ثقافية وفكرية متعددة و متناقضة، مع انتصار أعلى قليلا، للشعر “مدرسة قلقه” الأثيرة،سيقرأ كثيرا فاليرى، أراغون، ما لارميه، دولتو، بودلير، غورتس، ألان، ماركس، لينين، روزا لوكسمبورغ، غرامشي، ألتوسير، جيل دولوز، كاتب ياسين، نزار قباني، مهدي عامل، حسين مروة … سيغترف من المتن الشعبي الذي يتيحه الانتماء إلى مازاغان من انفتاحات مولاي بوشعيب الرداد ومولاي عبد الله أمغار وسيدي عبد الرحمان المجذوب وللاعيشة البحرية…” (ص:88 – 89) و من قوله أيضا: “سترافقه ذاكرة الخطيبي، وستترك وشما بارزا في تقديره للأمور، بل وحتى في قراراته الشعرية اللاحقة” (ص:88).

  • ثم إنه “ذاكرة متشظية”. فلئن كان معلوما لدينا أن الذاكرة/الحافظة هي تلك الاستطاعة الذهنية الهائلة على استرجاع الماضي كما المخزون الذاتي والجماعي من تعلمات، وأفكار، ومحفوظات، وخبرات سابقة كيما تظل موصولة بالمحيط الاجتماعي والثقافي 6 فما القصد بالشظي؟ 

يورد القاموس العربي ما يلي: شظي العود ونحوه شظى بمعنى انشق فلقا 7. وشظي القوم تفرقوا، و شظي الفرس اعتل (التشديد مني)، والتشظية بمعنى التفريق 8 وتشظى: انشق، وتطاير شظايا، ومنها قول الشاعر العربي: “كالدرتين تشظى عنهما الصدف”. وانشظى: انشق.

 نحصل من هذه التحديدات اللغوية أن التشظي لفظ حمال لمعان، وإن كانت مختلفة ومتباينة، فإنها تشترك في إفادة التفتيت، والتفريق، والتجزؤ. غير أنه طلبا للمزيد من الإيضاح والاستيضاح حول الكيفية التي وظف بها المفهوم كعنوان أساسي للعمل وجب طرح  هذا السؤال : بأي معنى تكون الذاكرة متشظية؟ 

تتخذ “ذاكرة” سعيد عاهد، بين ثنايا عمله، لوينات شتى. فهي في أحد أوجهها نشيطة، ومتدفقة، وغاضبة (ص:63) تنشغل بتقليب الماضي من خلال “إطلاق العنان (لها) كي تنقب على عبارات ترسم تقريبا معالم زمن ولى وأحاسيس غير مسبوقة” (ص63) تواقة إلى “التعبير عن القرف وعن لملمة جراح الحلم الذي كان مفعما به ذات ربيع، والذي رغم الخيبات يلتمس من الأمل طريقا لبلوغ نهاية النفق”. (ص:94).

لا يتعلق الأمر هنا بمطلق الأحوال بذاكرة فاترة وباردة. ليست الذاكرة فعلا سيكولوجيا كالتذكر والاستذكار، وإنما هي ذاكرة فوارة وساخنة ترفض الاطراد، والصيرورة لتنخرط في صميم الوجود ذاته بغاية اكتساحه، وغزوه، وتحرير الأنا من استنفار داخلي كاد يعصف بها لولا انزياحات “ما يشبه الجنون” (ص: 63-64). إنها أيضا ذاكرة بلورية، متقطعة، ومقطعية، مرهقة بأسئلة تنمية معاقة في مجتمع معتل بفعل تداعيات عنف العولمة وتسارع التحولات.

فالعولمة كحضارة كونية جديدة هي طفرة في طرق الحياة و الوجود، والعلاقات الاقتصادية، والعلمية والدولية، وقطيعة جذرية مع كل ما اعتدناه على مدى القرون الثلاثة السالفة. فقد عملت العولمة على إعادة صياغة العالم بتكسيرها لحدود الزمان والمكان بفضل تكنولوجيا المعلوميات، وشبكات الإعلام المتطورة، العابرة للثقافات والأوطان التي أقحمت البشرية في مغامرة غير مسبوقة، وغير محدودة الأفق.

زمن العولمة هو زمن تنميط ثقافي للكون نظرا للهيمنة الشمولية للأوليغارشية الرأسمالية، العابرة للقارات، على العالم وصهرها القسري للاقتصادات الوطنية ضمن سوق رأسمالية عالمية، وفضاء موحد عبر ترسيخ ثقافة إلكترونية كان من نتائجها الصارحة:

  • تسويق ثقافة المتع الآنية، والنجومية السريعة، والفرجة من أجل الإبهار إن لم نقل من أجل تعمية رؤى الشباب الفائض عن حاجة المجتمع خصوصا في مجتمعات الجنوب.
  • بزنسة الرياضة، وأسطرتها بتحويلها، ليس فقط إلى سحر جاذب، وإنما إلى عصاب جماعي: “الرياضة هي الإنسان، الرياضة هي المجتمع” (ص:41) إلى حد أن عشاق كرة القدم لا يمكنهم استساغة ” وجود أناس غير مهووسين باللعبة كما أنهم يفرضون عليك، جميعا، الحديث عنها حتى ولو شرحت لهم عدم إعارتك لها أدنى اهتمام !” (ص:40)، ولتوضيح الأمر أكثر هاكم حوارا دار بين امبرتو إيكو وسائق طاكسي فلنتأمله:

“- هل شاهدت فيالي؟

  • لا، ربما عبر الشارع في غيابي!
  • هل ستتابع المقابلة هذا المساء؟
  • لا، لدي دراسة مؤجلة عن كتاب فلان حول الميتافيزيقيا (…) ومن الضروري أن أنجزها! (ص:40)”.
  • شيوع الابتسار وأسلوب التفكير بأقصر الجمل الذي طفق يخلخل ديكارتية التفكير لدى الأجيال الطالعة، وينسف الديمومة، والتاريخ لأجل تكريس كل أشكال العبث واللامعنى (حكاية النملة، ص:54-56) فقد استدمج الشباب ثقافة التسلية، واستدخلها بشكل ملفت ليستعذبها رويدا رويدا و ذلك على حساب العلم، والجهد، والعمل الدؤوب، والإنتاج. (قصة الضفدع، ص: 53-54).
  • الضحالة المكرسة للهذر والثرثرة، وتفاهات “نسخ/لصق” (ص:91) نظرا لغياب إستراتيجية وطنية للقراءة، وبسبب الدفاع المغرض عن تصور اختباري تكنوبيروقراطي يربط الرأسمال البشري، والتربية والتكوين بالتخصصات العلمية، والتكنولوجيات التطبيقية والتكوين المهني كان من مترتباته السلبية إضعاف تداول الكتاب وتقلص عدد القراء داخل مجتمع أمي أصلا، إلى حد أن كاتبا موهوبا هو الراحل المختار ميمون الغرباني رد على من ألح عليه في نشر أعماله قائلا: “لدي كتابان قيد الطبع” ثم يضيف “وما جدوى نشر كتاب في مغرب لا يقرأ أصلا؟ هل ألحق بكوكبة الكم أنا كذلك؟” (ص:48).

إنني أعتقد أن سعيد عاهد كان محقا إلى أبعد الحدود حينما حدس وهو تلميذ يافع بأن مازغانـ”ه” ليست غير “مشروع دوار حضري” (ص:9) وكان بالقدر نفسه محقا في “قصة حب دكالية” وهو يطرح سؤالا ثقافيا استراتيجيا بهاته الصيغة المباشرة: “هل ثمة مخطط ما لو أد جيل بأكمله، حتى يتفرع لبياض الوقت وأصفار الحسابات البنكية؟” 9. وإلى السؤال ذاته نضيف هل نعيش سوريالية في أبشع صورها؟ هل يتعلق الأمر بنهاية الإبداع الأصيل كذلك الذي تغنى به كارسيا لوركا؟ (ص: 37-38).

ليكون الرد بوحا مرا خص به الكاتب سعيد عاهد طيف التشكيلي العالمي موديغلياني الذي قضى عام 1920 سقيما مملقا: “لا تسألني مودي عن هوية مصاص الدماء الذي ضاعفت لوحتك الأخيرة رصيده في البنك! اسألني فقط عن مصاصي دم وهمنا الذين انتقلوا من “الدوار” إلى “البار” ذي الخمسة نجوم في خمسة أيام بدون معلم علني!” (ص:81)%

إحالات:

  • 1- عاهد (سعيد): 2014، ذاكرة متشظية – نصوص- الطبعة الأولى، منشورات اتحاد كتاب المغرب، 102 صفحة.
  • 2- نشير هنا إلى مجموعة من الأعمال التي ترجمها عاهد سعيد ومنها أساسا: الفتان، محكيات من سيرة الروكي بوحمارة لصحفيين وكتاب غربيين معاصرين له، منشورات جريدة “الاتحاد الاشتراكي” مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، 2013، 207 صفحة.
  • 3- بنعبد العالي (عبد السلام): 1987، نحو فكر مغاير، حول إستراتيجية “النقد المزدوج”، موجود في: “التراث والهوية” لبنعبد العالي، الطبعة الاولى، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ص:47.
  • 4- عاهد (سعيد): 2014، م.م. ص:33.
  • 5- كيليطو (عبد الفتاح): 2013، أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، الطبعة الأولى، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ص:64.
  • 6- السوسي(ناصر): 2014، توظيف الذاكرة الفردية في التحري السوسيولوجي، الرهانات والحدود، موجود في: التاريخ المحلي والذاكرة بالمغرب، تنسيق إبراهيم كريدية وعلال ركوك Safi graphe، أسفي، المغرب، ص:35-46.
  • 7- المعجم الوسيط: 1985، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، ص: 502، العمود الثالث.
  • 8- الفيروزابادي: 1995، القاموس المحيط، طبعة جديدة لوفان، الجزء الرابع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، باب الياء، فصل الشين، ص:388.
  • 9- (سعيد): 2007، قصة حب دكالية (محكيات)، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى، ص:55.
شارك هذا الموضوع

ناصر السوسي

باحث وشاعر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!