عمارة النص وسقف الروح

عمارة النص وسقف الروح

عرض تقريري لمداخلة حول البنيوية التكوينية في متخيل أحمد التوفيق
في ضوء أطروحة الباحث طارق معطاوي.

إعداد أحمد لعيوني

في إطار أنشطتها العلمية والبحثية، عرفت الكلية المتعددة التخصصات بخريبكَة يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، مناقشة أكاديمية لأعمال أحمد التوفيق الروائية، وبالتركيز على روايتي جارات أبي موسى، وجيران أبي العباس، تقدّم بها الطالب الباحث، طارق معطاوي. حيث قدم عرضاً تحليلياً سعى من خلاله إلى مقاربة المشروع الروائي لهذا الكاتب انطلاقاً من منظور البنيوية التكوينية الموسعة، مستنداً إلى مرجعيات متعددة. وقد انطلق العرض من فرضية مركزية مفادها أن روايات التوفيق لا تندرج ضمن السرد التاريخي التقليدي، بل تمثل بنية دلالية مركبة تعيد بناء العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والبعد الروحي.

أشرف على أعمال المناقشة لجنة تتكون من الأساتذة :  الحبيب الناصري رئيساً، والشرقي نصراوي مشرفاً على التأطير والتكوين، وبمشاركة كل من أمال وسكوم وكمال داكير وعبد الكبير الحسني أعضاء مقررين.

في المحور الأول، تناول الباحث مفهوم التماثل البنيوي من خلال تحليل تمثلات المدينة في نصوص التوفيق، حيث أوضح أنها فضاءات لا تؤدي وظيفة خلفية مكانية فحسب، بل تعكس بنية اجتماعية كلية تتقاطع فيها أنساق السلطة والمعرفة والولاية.

هي سرديات يجمع فيها ما هو تاريخي، وما هو صوفي على اعتبار أنه يجعل في كل رواية نصاً يؤطر حقبة تاريخية معينة بمقومات تحليلية. كما ارتكز عمل الطالب على دور المصطلحات اللغوية والمنهج الأخلاقي في الروايات يرمي إلى تجويد الحياة الاجتماعية في مجتمع ما. والتطرق إلى شخصية أبي موسى لتوضيح عالم فردي يحتفي بالطقوس والتقاليد والذاكرة الشعبية.

كما أشار إلى أن البنية الروائية لرواية جيران أبي العباس تأسست على بعدين : بعد يحتفي بالذاكرة السياسية والعمرانية. وبعد صوفي يحتفي بالقيم الروحية والتربوية.

وفي هذا المشروع، اعتمد الباحث على التحليل السيميائي الثقافي من منظور ليسيان غولدمان. وبيّن أن بنية السلطة تتجلى عبر حضور المخزن والوثيقة الرسمية بلغة دقيقة ومنظمة، في حين تظهر بنية الهامش من خلال فئات الصنّاع والمتصوفة والنساء بلغة أقرب إلى العفوية ومشبعة بملامح الواقعية السحرية. وخلص في هذا السياق إلى أن هذا التداخل يعبّر عن رؤية للعالم ترى في المجتمع المغربي وحدة متماسكة يتداخل فيها البعدان الزمني والروحي.

أما في المحور الثاني، فقد ركّز الطالب على خصوصية اللغة الروائية عند أحمد التوفيق، معتبراً إياها لغة ثالثة ناتجة عن تفاعل خطاب المؤرخ مع حساسية المتصوف. وقد صنّف هذه اللغة إلى ثلاثة مستويات: معجم توثيقي يمنح النص مشروعيته التاريخية، ومعجم إشاري يفتح أفقه على الدلالات الروحية، ومعجم أنثروبولوجي يربطه بالهوية الثقافية المغربية. وأكد أن هذا التداخل اللغوي لا يندرج ضمن الزخرفة الأسلوبية، بل يؤدي وظيفة بنيوية تسهم في وصل التاريخي بالروحي، وفي التعبير عن منظومة قيمية مزدوجة تجمع بين النظام والإشراق.

وفي المحور الثالث، تطرّق العرض إلى مفهوم الفاعل الجماعي كما تصوّره البنيوية التكوينية، موضحاً أن الرواية عند التوفيق تعبّر عن وعي جماعي يمكن تسميته الإنسان الروحاني المغربي. واستشهد برواية جارات أبي موسى لإبراز دور مفهوم البركة كبنية رمزية تسهم في إعادة تنظيم العالم الروائي ومواجهة مظاهر التفكك الاجتماعي. واعتبر أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة بناء الهوية من خلال أفق روحي يتجاوز التفسير المادي للتاريخ.

وفي خاتمة عرضه، خلص الطالب إلى أن تجربة أحمد التوفيق تمثل نموذجاً متميزاً في الرواية المغربية، حيث تتحول الكتابة السردية إلى أداة لإنتاج القيم وإعادة تشكيل الوعي. وأبرز أن الشخصيات الروائية لا تتحرك وفق منطق فرداني صرف، بل ضمن شبكة من العلاقات البنيوية التي تجمع بين السلطة والولاية، مما يمنح النص بعداً دلالياً مركباً.

وقد أكد الطالب على أن مقاربة البنيوية التكوينية تتيح فهماً أعمق لهذا المشروع الروائي، باعتباره فضاءً تتقاطع فيه المعرفة التاريخية مع الرؤية الروحية، في أفق إعادة التفكير في علاقة الأدب بالهوية والمجتمع.

ومن الملاحظات التي أثنى عليها أعضاء لجنة المناقشة، خوض الباحث غمار المصطلحات بشجاعة تليق برواد المعرفة. وهي محاولة تظل، رغم حاجتها إلى المراجعة والتدقيق، بصمة مضيئة تحسب له في ميزان الإنجاز، نظراً لما يكتنف هذا الحقل اللغوي من وعورة وتشابك. وتتجلى قوة المشروع البنيوي في قدرته على تزويد الساحة العلمية بقيمة مضافة، تكمن في قوته الحقيقية لروح الإبتكار التي تنبض في جوهره وتفتح أبواباً جديدة في عالم البحث.

وختاماً تقدم أعضاء اللجنة بتوجيه انتقادات لتقويم بحث الطالب وإغنائه بمجموعة من النصائح الذي تقوم المشروع ليصبح مرجعاً للطلبة والباحثين عند نشره.

 وبعد اختلاء اللجنة لتقييم العمل والمداولة، قررت منح الطالب شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جداً.

شارك هذا الموضوع

أحمد لعيوني

مؤرخ منطقة امزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!