حين تتكلم الذاكرة : حكاية جماعة فرقتها الأنا… (الحلقة الأخيرة)
المختار عنقا الادريسي *
ما يتبقى حين تتأخر الحكمة عن الحكاية
لم تعد الذاكرة ، كما كنا نظن – ذات يوم – ميلادا أمينا لسرديتنا . لقد احتفظت بالكثير … احتفظت بالأصوات العالية … بالصور المتوهجة … بلحظات التصدّر الجماعي التي كانت تؤلف ببننا . لتبقى اليوم مثقلة بالذكريات ، وتحاول جاهدة اعادة ترتيب الوجوه … ومع ذلك تكون عاجزة عن اعادة بناء الحقيقة ، وترميم اطار التأمل الذي يأتي بعد انطفاء الضجيج . ذاك التأمل – ياصديقي- الذي يعيد الأشياء الى أحجامها ويعرّي التقدم حين يكون مجرد مشهد . فما ينقذه التأمل المتأخر ليس ماحدث … بل قدرتنا على رؤيته كما كان ، وهذا في حد ذاته بداية طريق لا يقوده أي أحد . لقد جاء التأمل متأخرا … أو ربما جاء في غير وقته الحقيقي . ومع ذلك أقول أنه قد جاء لا ليدين ، بل ليعيد ترتيب الحكاية ، ويجعلنا قادرين على التمييز بين ماكان وهَجا عابرا وما كان أثرا عميقا . فهو لا ولن يعيدنا الى ما كنَّا عليه ، لكنه ينقذ فينا القدرة على الفهم المتأخر ، الذي هو في جوهره بداية نجاة . فأدركنا متأخرين أن الجماعة التي لا تراجع خطواتها ، قد تتحول – دون شعور منها – الى قطيع ، وأن ” المرياع ” الذي كان يمشي أمامنا واثقا من ظله ، لا لأنه كان يرى الطريق ، بل لأنه تعلم كيف يُقنع الاخرين بأنه يراه . وكنا دون أن ننتبه نُبدل عناء السؤال ببراءة الاتِّباع . فأضحى ” المرياع ” قائدا عندما أعفينا أنفسنا من مسؤولية التروي والاتزان والرؤية الواضحة . وقد تنتهي الحكايات ، غير أنها لا تغلق أبوابها ، تترك خلفها أشياء شبيهة بالأثر الذي لا يرى بالعين ، بل يستعاد كلما حاولنا تذكره أو التفكير في بدايته بشكل أو باخر .
ما ينقذه التأمل… مما لا تنقذه الذاكرة
ثمة أشياء لا يمكن استرجاعها؛ لا لأن الزمن مضى، بل لأننا لم نكن نراها حين كانت تُنسج. فالذاكرة تُجَمِّلُ… تبرر… تخفي كثيراً، غير أنها في المطاف تعجز عن إنقاذ المعنى حين يكون قد تأكل من الداخل. فما لا تنقذه الذاكرة هو تلك اللحظات التي يُخْنق فيها السؤال، ويغيب التبرير، فيصير الاختلاف عبئاً والصمت نجاة، وتتحول “الأنا” من طاقة للإبداع إلى أداة للهيمنة.
هناك تفرقت الجماعة؛ لا بضربة واحدة، بل بتآكلات متقطعة، كانت قد ابتدأت بتقديم استقالة… وغياب مقصود… وانتقال إلى الرفيق الأعلى… فبدت الأمور وكأنها تفاصيل عابرة، لكنها في الحقيقة كانت شقاً في وحدة البناء، سرعان ما اتسع بالتشطيب الفوقي على من بقي من أعضاء المجموعة الأولى.
وبعد كل ما قيل… وما لم يقل، ينبغي أن أشير إلى أن سكوت “شهرزاد” عن الكلام المباح ما جاء لينهي الحكاية -كما قد يتخيل البعض- ولا ليطويها، بل ليتركها مفتوحة كأثر؛ أثر يُذَكِّر الجميع بأن التجارب الإنسانية لا تقاس فقط بما تحققه، بل أيضاً بما تكشفه عنا في لحظات القوة أو لحظات الانكسار، لحظات زهو “المرياع” بنفسه.
لقد كانت تلك الرحلة -الموجزة- بكل ما حملته من أمل وخيبة، درساً في معنى العمل المشترك، وفي هشاشة التوازن بين الفكرة وصاحبها، بين الجماعة والفرد، بين الحلم وإكراهات الواقع. ربما لم تسعفنا الظروف والنعرات في الحفاظ على ما بدأناه -ثنائياً- وأردناه جماعياً، وخسرناه في منتصف الطريق. غير أن ما لا يمكن إنكاره هو أننا لمسنا -مرات عديدة- إمكانية أن يكون الفعل الثقافي عامة، والجمعوي والمجلاتي خاصة، فضاءً للمعنى وليس ساحة للتنافس أو الهيمنة.
وإذا كانت الذاكرة المتقدة تحتفظ بالتفاصيل، فإن التأمل… التروي… التعقل… بُعْد النظر… هو الكفيل بإنقاذ دلالاته ومنح كل ما حدث قيمة تتجاوز مرارة التغول والتفرد، وتعيد ترتيب “الخسارات… الفقد” ضمن أفق أوسع من أي فهم.
لذلك، لا تعود هذه السردية -في مختلف محطاتها- مجرد عتاب موجّه، بل تصبح في عمقها حواراً بصوت مرتفع مع الذات، ومراجعة هادئة لما كنا عليه كفريق عمل، أو ما كان يمكن أن نكونه، أو ما انتهينا إليه. أما الصداقة، فليست دائماً ما يبقى كما هو أو كما كان، لكنها لا تنمحي بالكامل وتظل قابعة في مكان ما؛ خافتة أحياناً ومتخفية أحايين أخرى، لتبقى شاهدة على أن ما جَمَعَ يوماً بين مسؤولي وأعضاء ومحبي “أمل” لا يمكن أن يُمحى كلياً، حتى وإن لم يعد ممكناً استعادة لحظاته… صفائه… تقاسماته… وكل ما كان يميزه.
وهكذا أجدني -من موقع مسؤوليتي التاريخية- غير ملزم بختم هذا التوقف وذاك الحكي بنقطة حاسمة، بل سأتركها مفتوحة على تأملات مستمرة، وعلى معنى يتشكل كلما عدتُ/ عدنا إلى ما حدث؛ لا لنحاكمه، بل لنفهمه.
طنجة في 22 أبريل 2026
* المؤسس والمدير السابق لمجلة أمل للتاريخ والثقافة والمجتمع
