الشرعية الدولية بين الهيمنة والمصير البيولوجي
عبد العلي جدوبي
لعل هناك فائدة في التذكير بأن دول العالم اتفقت ذات مرة في بداية القرن الماضي على إدانة دولة معتدية، كانت تلك الدول تمتلك القوة العسكرية لردع المعتدي، وقررت أيضاً فرض عقوبات اقتصادية وإجراءات أخرى عديدة. كان العدوان فاضحاً وتعاطفت الدول مع الضحية، ولكن الأمر لم يؤثر على ذلك المعتدي.. كانت إيطاليا الفاشية هي المعتدي والضحية إثيوبيا، والمنظمة التي تمثلت من خلالها الإدانة الدولية هي “عصبة الأمم”. حدث ذلك في أكتوبر من العام 1935، واستمرت إيطاليا في احتلال إثيوبيا وانهارت عصبة الأمم، وانفتح بذلك الباب لسلسلة من الاعتداءات أدت إلى انفجار الحرب العالمية الثانية عام 1939.
فمنذ عصبة الأمم وحتى الأمم المتحدة، مرّ التنظيم الدولي عبر مرحلتين: في المرحلة الأولى مارست عصبة الأمم “وصاية” على القوى المنهارة، أما مع هيئة الأمم المتحدة فقد ظهرت مبادئ كانت بمثابة الأسس الفلسفية التي تعتمد عليها المنظمة وقد قبلتها الغالبية، هذه الأسس هي ما يسمى الآن بـ “الشرعية الدولية”!! وحسب الموقع الأمريكي (Share)، فإن منظمة الأمم المتحدة وجدت في اجتماعاتها أنها تواجه أعتى المشاكل العويصة دون أن تواجه تهديداً بالفناء الذي واجهته عصبة الأمم، لكن الأمر لم يكن سهلاً، فقد تعرض المجتمع الدولي آنذاك لهزات عديدة كادت أن تؤدي بالمنظمة إلى الانهيار، منها الحرب الكورية واجتياح هنغاريا، ولكن الأطراف الرئيسية فضلت أن تعيش المنظمة “بيولوجياً” على أن تموت تماماً.
وقد ظل هذا الاتفاق الضمني قائماً بين الكبار طيلة الفترة التي ظل فيها العالم خاضعاً لتقسيمات عديدة لفلسفة الشرعية الدولية كمصطلح فضفاض، ذلك أن المنظمة الأممية لم تستطع أن تفرض تطبيق قرار لا يريده الكبار. هذا الوضع أصبح اليوم أكثر تعقيداً بسبب الوضعية الجديدة لروسيا مثلاً، وضمها لجزيرة القرم وتدخلها في أوكرانيا وانحيازها إلى جانب سوريا، وفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، وبالتالي ظهرت بوادر حرب “باردة” مشتعلة جديدة..
وبالرغم من أننا نتحدث كثيراً عن النظام الدولي الجديد وعن تغييرات في موازين القوى بعد عودة روسيا والصين إلى الساحة الدولية، فإن هيئة الأمم المتحدة -حسب العديد من المراقبين- ما تزال تعمل حتى اليوم وفق منطقها القديم، وهو أنها أداة تخضع لرؤية القوى العظمى للعالم وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، حتى وإن تمتعت ببعض الأجهزة والأدوات التي تتيح لها درجة ما من الاستقلال النسبي جداً.
وإذا كانت هيئة الأمم المتحدة قد “نجحت” في تجنب حرب عالمية ثالثة، فموت بريء واحد لا يقل بشاعة عن إبادة جماعات بأكملها، هذا إذا كنا نريد الإبقاء على آدمية الإنسان في بؤر التوتر في العالم..
إن عالم اليوم يشهد ظهور قيم جديدة، كما سمحت التقنيات الجديدة بالوعي بأمور لم تكن في الحسبان، والرغبة في عدم تحويل الفضاء المحيط بالأرض إلى مناطق تسلح، وهذه كلها وغيرها من المشكلات التي لا يمكن لدولة واحدة أن تقوم بها، وإن هيئة الأمم المتحدة واعية بهذا الدور وبهذا البعد المستقبلي، وهو الأمر الذي يسمح بتصور وظيفة جديدة لها، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بشرط أساسي: أن يتفق كل الناس من سكان الأرض -كما يقول (ريمون آرون) في كتابه “السلام والحرب بين الأمم”- على مبدأ واحد، وهو ما لم يتحقق بعد.
طبيعة السياسة لدى الهيئات الأممية كما يبدو الآن لا تحكمها قيم أخلاقية، فعندما نسمع الحديث عن حقوق الإنسان وعن الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وغيرها من الشعارات، نتذكر أن ميثاق الأمم المتحدة -كما جاء في موقع “شار أمريكا” للأرشيف- نشأ في بيت دعارة في سان فرانسيسكو بمساعدة مومس اسمها (سالي ستانفورد)، كانت تجلب الفتيات لكبار القوم من السياسيين، وفي بيتها نوقشت لأول مرة فكرة إنشاء الأمم المتحدة سنة 1945، ودخل المقترح حيز التنفيذ رسمياً بعد تصديق الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية، كاستجابة لمنع تكرار أهوال الحروب بعد فشل عصبة الأمم في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
العالم الآن على حافة حقبة جديدة محفوفة بالمخاطر، وانقلاب غير مسبوق في الحروب بعد تآكل قواعد العدالة الدولية ودور الأمم المتحدة في الحد من قيام الحروب منذ تأسيسها في سان فرانسيسكو 1945، وهو ما حذرت منه مؤخراً منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي للعام 2025، عندما أكدت على تسارع ما وصفته بالاعتداءات الخطيرة والوحشية على التعددية والقانون الدولي وحقوق الإنسان في العالم في 144 دولة، وقد وثق التقرير العديد من بؤر التوتر والنزاعات في العالم بشكل لم يشهده منذ الحرب العالمية الثانية.
