من بلغراد إلى طهران: هل تعيد واشنطن سيناريو كوسوفو أم تدخل حرباً مختلفة تماماً؟
د. زياد منصور
تعود المقارنة بين ما جرى في يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما حملة الناتو الجوية عام 1999، وبين المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في السنوات الأخيرة، إلى الواجهة كلما تصاعد الحديث عن استخدام القوة الجوية لإجبار دولة على تغيير سلوكها السياسي أو العسكري من دون غزو بري شامل. فهذه المقارنة لا تأتي من باب التشابه المباشر بين البلدين أو بين السياقين التاريخيين، بل من سؤال أعمق يشغل الخبراء والمؤرخين: هل يمكن تكرار نموذج “الإكراه بالقصف” الذي استخدمه الغرب في البلقان لإجبار خصم آخر على التراجع؟
ينطلق هذا السؤال من تجربة يوغوسلافيا نفسها، حيث استطاع حلف شمال الأطلسي خلال أسابيع من الضربات الجوية المكثفة أن يفرض على القيادة الصربية الانسحاب من كوسوفو وقبول ترتيبات دولية جديدة. وقد تحولت تلك التجربة في الأدبيات الاستراتيجية إلى مثال على قدرة القوة الجوية المتفوقة على تحقيق أهداف سياسية من دون احتلال بري واسع. ولهذا السبب تحديداً تعود تجربة البلقان إلى النقاش كلما اندلع صراع جديد تُستخدم فيه الضربات الدقيقة والتفوق التكنولوجي وسيلة للضغط على دولة معادية.
لكن المؤرخين والخبراء لا يقارنون الحالتين بحثاً عن التشابه فقط، بل لفهم حدود هذا النموذج نفسه. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران تشبه يوغوسلافيا، بل ما إذا كان الأسلوب الذي نجح في البلقان يمكن أن ينجح في بيئة جيوسياسية مختلفة تماماً. ومن هنا تتحول المقارنة إلى أداة تحليلية تكشف الفوارق في طبيعة الدولة المستهدفة، وفي عمقها الجغرافي والعسكري، وفي شبكة تحالفاتها، وفي تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي.
بهذا المعنى، لا يسعى الباحثون إلى القول إن التاريخ يعيد نفسه، بل إلى اختبار فرضية أوسع: هل ما زالت القوة الجوية الغربية قادرة على فرض تغيير استراتيجي في دولة إقليمية كبيرة من دون احتلال أو تسوية سياسية شاملة؟ إن العودة إلى تجربة يوغوسلافيا هي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، لكنها في الوقت نفسه تذكير بأن كل حرب تجري في سياق مختلف، وأن الدروس التاريخية قد تضيء الطريق، لكنها لا تضمن تكرار النتائج.
وفي هذا السياق التاريخي تبرز أيضاً النهاية السياسية والشخصية لقيادة يوغوسلافيا نفسها. ففي 11 آذار 2006 عُثر على الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش Slobodan Milošević ميتاً في زنزانته في مركز احتجاز المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في لاهاي أثناء محاكمته بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد أعلن تقرير التشريح أن الوفاة نتجت عن أزمة قلبية، لكن موته قبل صدور الحكم النهائي أبقى كثيراً من الأسئلة السياسية والقانونية مفتوحة حول مسار تلك المحاكمات الدولية.
أما الزعيم السياسي لصرب البوسنة رادوفان كاردتشيش Radovan Karadžić، الذي كان أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بحرب البوسنة، فقد اعتُقل بعد سنوات من الاختفاء وحُكم عليه بالسجن المؤبد عام 2019 من قبل آلية المحاكم الدولية التابعة للأمم المتحدة، وهو يقضي عقوبته حالياً في أحد السجون البريطانية. وبذلك انتهى مسار القيادتين اللتين ارتبط اسمهما بالحروب اليوغوسلافية داخل منظومة العدالة الدولية التي نشأت بعد تلك الحروب.
هذا المصير يقدَّم في بعض القراءات السياسية بوصفه دليلاً على قدرة النظام الدولي على محاسبة قادة الدول بعد هزيمتهم، بينما يرى آخرون أنه يعكس طبيعة ميزان القوى العالمي أكثر مما يعكس حياد العدالة الدولية. ولذلك يعود هذا المثال إلى النقاش كلما طُرحت سيناريوهات الضغط العسكري على دول أخرى، لأن السؤال لا يتوقف عند كيفية إنهاء الحرب، بل يمتد إلى ما قد يحدث للقيادات السياسية بعد انتهائها.
ومن هنا تحديداً يظهر الفرق الذي يلفت إليه كثير من الباحثين عند مقارنة يوغوسلافيا بإيران. فالنقاش لا يدور فقط حول قدرة القوة الجوية على فرض تغيير سياسي، بل أيضاً حول البيئة الاستراتيجية التي ستحدد نتائج أي مواجهة: حجم الدولة، عمقها الجغرافي والعسكري، طبيعة نظامها السياسي، وشبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية. ولهذا السبب يرى عدد من الخبراء أن تجربة البلقان قد تقدم مثالاً تاريخياً مفيداً، لكنها لا تقدم نموذجاً يمكن نقله ببساطة إلى صراعات الشرق الأوسط المعاصرة.
فكوسوفو كانت حرباً محدودة جغرافياً وسياسياً هدفها تغيير سلوك بلغراد في إقليم واحد، بينما المواجهة مع إيران تمسّ قلب التوازنات الإقليمية وسوق الطاقة العالمي. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تتكرر تجربة كوسوفو؟ بل: هل تستطيع القوة الجوية الغربية أن تفرض تغييراً استراتيجياً في دولة إقليمية كبرى مثل إيران؟
السياق التاريخي: أزمة تفكك دولة مقابل صراع إقليمي-دولي مفتوح
جاءت عملية الناتو في يوغوسلافيا في سياق تفكك الدولة اليوغوسلافية وحروب البلقان في التسعينيات، وبعد تصاعد العنف في كوسوفو وفشل مفاوضات رامبوييه، وقد عرض الناتو تدخله بوصفه استجابة لـ“كارثة إنسانية” آخذة في التوسع داخل إقليم محدد. أما العملية ضد إيران فجاءت في سياق مختلف تماماً: صراع إقليمي طويل بين إسرائيل وإيران، وبرنامج نووي إيراني، وشبكات ردع ممتدة في العراق وسوريا ولبنان والخليج، ثم انتقال الصدام من الحرب بالوكالة إلى الضربات المباشرة، قبل أن تدخل الولايات المتحدة مباشرة في إطار عملية وصفتها الإدارة الأميركية بأنها تستهدف التهديد الصاروخي والنووي الإيراني. لذلك فالناتو واجه دولة متوسطة القوة ومنهكة بالعقوبات والحروب السابقة، بينما تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل دولة إقليمية أكبر مساحة وسكاناً وأعمق بنيةً عسكريةً وجغرافية.
الهدف السياسي المباشر: تغيير سلوك النظام أم تحطيم قدراته؟
في حالة يوغوسلافيا كان الهدف السياسي للناتو محدوداً نسبياً: وقف العمليات الصربية في كوسوفو، سحب القوات اليوغوسلافية-الصربية، قبول وجود دولي أمني وسياسي، وإعادة اللاجئين. لم يكن الهدف المعلن رسمياً إسقاط ميلوشيفيتش فوراً، حتى لو أن الحرب أضعفت نظامه وسرّعت سقوطه لاحقاً. أما في الحالة الإيرانية، فالأهداف المعلنة أميركياً وإسرائيلياً أوسع: إزالة أو إضعاف التهديد النووي، تقليص الخطر الصاروخي، وتغيير البيئة الاستراتيجية التي تمكّن إيران من تهديد إسرائيل وحلفاء واشنطن؛ وبعض الخطابات الإسرائيلية ذهبت أبعد من ذلك حين ربطت الحرب بإمكانات التغيير السياسي داخل إيران، وإن لم تعلن واشنطن دائماً هدف “إسقاط النظام” بصيغة رسمية ثابتة. لهذا يمكن القول إن حرب 1999 كانت إكراهاً سياسياً ذا سقف محدود، بينما الحرب على إيران تحمل ملامح إكراه استراتيجي مفتوح السقف نسبياً. 3)
الشرعية الدولية: “شرعية متنازع عليها” في كوسوفو مقابل أزمة قانونية أشد في إيران
عملية الناتو عام 1999 لم تحصل على تفويض صريح من مجلس الأمن باستخدام القوة، ولذلك وُصفت في كثير من الأدبيات بأنها تدخل “غير قانوني” لكنه اعتُبر سياسياً أو أخلاقياً مشروعاً من قبل مؤيديه بسبب البعد الإنساني، في حين بقيت روسيا والصين ودول أخرى تعتبره انتهاكاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. أمّا العملية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران فتواجه إشكالاً قانونياً أشد تعقيداً؛ لأن تبريرها يرتبط بالدفاع الوقائي-الاستباقي، وبالردع النووي والصاروخي، وليس بحالة حماية إنسانية جماعية على نمط كوسوفو. ولهذا تبدو قابلية بناء إجماع دولي حولها أضعف بكثير، خصوصاً إذا توسعت الضربات إلى منشآت طاقة أو بنى مدنية مزدوجة الاستخدام. هذا يعني أن الناتو في 1999 امتلك سردية إنسانية دولية أقوى، فيما تعتمد العملية ضد إيران على سردية أمنية-استراتيجية أكثر انقساماً.
طبيعة الخصم: ميلوشيفيتش دولة معزولة؛ إيران دولة متعددة المسارح
كان نظام سلوبودان ميلوشيفيتش، عند حملة 1999، يملك جيشاً نظامياً ودفاعاً جوياً محدوداً نسبياً، لكنه كان محاصراً سياسياً واقتصادياً، ومعزولاً إلى حد بعيد عن منظومة دعم دولي مباشر قادر على تغيير مسار الحرب. أما إيران، فحتى تحت العقوبات، ليست خصماً معزولاً بالطريقة نفسها؛ إذ تمتلك عمقاً جغرافياً، وقاعدة صناعية عسكرية، وبرنامجاً صاروخياً، وشبكات إقليمية ممتدة، وقدرة على تهديد الطاقة والملاحة في الخليج. ولهذا فتكلفة إكراه إيران أعلى بكثير، واحتمال انتقال الحرب إلى ساحات متعددة أكبر بكثير من الحالة اليوغوسلافية. بعبارة أخرى: ميلوشيفيتش كان خصماً يمكن عزله وقصفه وإرغامه خلال 78 يوماً؛ أما إيران فهي خصم يمكن إيذاؤه بشدة لكن يصعب عزله جغرافياً أو خنقه إقليمياً بنفس البساطة.
الجيوبوليتيك: البلقان مجال أوروبي؛ إيران عقدة أوراسيا والطاقة
البلقان عام 1999 كان مجالاً حيوياً لأوروبا الأطلسية؛ استقرار كوسوفو والبوسنة ومقدونيا كان مهماً لأمن الجوار الأوروبي، لكن الاقتصاد العالمي لم يكن يعتمد وجودياً على يوغوسلافيا. أما إيران فتقع عند تقاطع الخليج، وبحر عمان، وآسيا الوسطى، والشرق العربي، وتجاور ممرات الطاقة الكبرى وسوق النفط والغاز العالمي. لذلك فإن أي عملية واسعة ضد إيران تملك أثراً يتجاوز البعد العسكري إلى أسعار النفط، التأمين البحري، مضيق هرمز، سلاسل الإمداد، وموقع روسيا والصين في المعادلة. لهذا تبدو العملية ضد إيران أكثر خطورة جيوبوليتيكياً من حملة كوسوفو، حتى لو كانت حملة كوسوفو شديدة الأثر في بنية الأمن الأوروبي.
الاقتصاد: كلفة محلية ثقيلة في صربيا، وكلفة عالمية محتملة في إيران
خلّفت حملة 1999 أضراراً كبيرة في البنية التحتية الصربية-اليوغوسلافية، بما في ذلك الجسور، وشبكات النقل، ومنشآت صناعية ونفطية، وقد أشار البنك الدولي إلى أن القصف دمّر جزءاً من القدرة الإنتاجية وفاقم الانهيار الاقتصادي المتراكم منذ العقوبات والحروب السابقة. لكن مع ذلك بقيت الصدمة إقليمية في جوهرها. في المقابل، ضرب إيران يمسّ مباشرة اقتصاد الطاقة العالمي: رويترز نقلت أن الحرب رفعت أسعار النفط بقوة، وأن تهديدات الملاحة في هرمز قلّصت العبور إلى مستويات متدنية جداً مقارنة بما قبل الحرب، مع بقاء قرابة خُمس تجارة النفط العالمية معلقاً على أمن المضيق. لهذا فإن حملة كوسوفو كانت ذات أثر اقتصادي مدمر على الدولة المستهدفة، أما الحرب على إيران فلها قابلية أن تتحول إلى أزمة نظام اقتصادي عالمي إذا اتسعت أو طال أمدها.
البعد الإنساني: كوسوفو بُنيت على سردية إنقاذ المدنيين؛ إيران تطرح معضلة” إيران تطرح معضلة استهداف منشآت عسكرية ونووية تقع داخل بنية مدنية كثيفة”.
في كوسوفو، بنى الناتو جزءاً مهماً من شرعيته السياسية على القول إن الحملة جاءت لوقف التهجير القسري والعنف ضد ألبان كوسوفو. لكن من ناحية أخرى وثّقت هيومن رايتس ووتش مقتل ما بين 488 و527 مدنياً يوغوسلافياً جراء ضربات الناتو، ما يبيّن التناقض بين خطاب الحماية الإنسانية وواقع الأذى الجانبي. في الحالة الإيرانية، السردية الرئيسية ليست حماية جماعة مهددة بالإبادة داخل إيران، بل ضرب بنى نووية وصاروخية وعسكرية؛ غير أن الضربات على محيط طهران ومنشآت الطاقة أفضت، إلى سحب سامَّة، ومخاوف صحية، ومدنية، واسعة. لذا فالمفارقة أن كوسوفو كانت حرباً إنسانية في خطابها رغم ضحاياها المدنيين، بينما الحرب على إيران هي حرب أمنية في خطابها مع أخطار إنسانية ومدنية قد تتسع كلما تمددت الأهداف.
البنية العسكرية والعملياتية: حملة جوية خالصة تقريباً مقابل حرب هجينة متعددة الطبقات
اعتمد الناتو في 1999 على حملة جوية مكثفة استمرت 78 يوماً دون غزو بري للحفاظ على تماسك الحلف وتقليل خسائره البشرية. وكانت الفكرة الأساسية هي الإكراه بالقصف، مع تصعيد تدريجي في بنك الأهداف. أما العملية ضد إيران فهي أقرب إلى حرب هجينة جوية-صاروخية-سيبرانية-بحرية، تتداخل فيها الضربات الإسرائيلية بعيدة المدى، والقدرات الأميركية الثقيلة، مع ردود إيرانية صاروخية، ومسيرات، وتهديد للملاحة، والطاقة. وهذا فارق كبير: الناتو في يوغوسلافيا واجه مسرحاً واحداً تقريباً، بينما الحرب على إيران مرتبطة بعدة مسارح في آن واحد، ما يجعل التحكم بالتصعيد أصعب بكثير.
القيادة السياسية: ميلوشيفيتش وحسابات البقاء الداخلي مقابل النظام الإيراني وحسابات الصمود الطويل
أسلوب ميلوشيفيتش السياسي كان يقوم على القومية الصربية، التحكم بالمؤسسات، واستخدام الأزمات الخارجية لتعزيز الشرعية الداخلية، لكنه كان يعمل في بيئة دولة أنهكتها العقوبات والانقسامات. ومع استمرار القصف وازدياد الكلفة، انتهى إلى قبول الانسحاب من كوسوفو. أمّا في إيران، فالنظام لا يقوم فقط على زعيم فردي، بل على بنية مؤسساتية-أمنية-أيديولوجية أكثر تعقيداً، تشمل الحرس الثوري، والمؤسسات الأمنية، وشبكات النفوذ الإقليمي. لذلك فقياس “كسر إرادة القيادة” على نموذج ميلوشيفيتش قد يكون مضللاً؛ لأن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الضربات وإعادة توزيع الأعباء أعلى، حتى لو تعرض لأضرار جسيمة.
علاقة الحرب بالردع: كوسوفو كرّست مصداقية الناتو؛ إيران تختبر حدود الردع الأميركي-الإسرائيلي
حملة 1999، رغم الجدل القانوني والأخلاقي، انتهت إلى تعزيز صورة الناتو كفاعل قادر على استخدام القوة خارج الإطار التقليدي للمادة الخامسة، ثم أُتبعت بقوة كفور KFOR التي ما زالت قائمة حتى اليوم. أما الحرب على إيران، فالسؤال المركزي ليس فقط: هل أُصيبت الأهداف؟ بل: هل تغيّر سلوك إيران الاستراتيجي؟ وهل جرى تفكيك قدرتها على الرد أم فقط تأخيرها؟ هنا النتائج ما تزال مفتوحة: الخطاب الأميركي الرسمي يتحدث عن ضربات “حاسمة”، لكن حتى التغطيات اللاحقة تُظهر استمرار الحرب وتبادل الضربات وارتباط إنهائها بقرار سياسي أميركي-إسرائيلي أكثر منه بانهيار واضح للخصم. لذا فإن أثرها على الردع لم يُحسم بعد.
النتائج السياسية: كوسوفو أنتجت تسوية مفروضة؛ إيران لم تنتج بعد نظاماً سياسياً بديلاً
في الحالة اليوغوسلافية، أفضت الحرب إلى انسحاب القوات الصربية من كوسوفو، وقرار مجلس الأمن 1244، ونشر الكفور KFOR، ثم مسار طويل انتهى إلى استقلال كوسوفو من جانب واحد عام 2008 مع استمرار الخلاف الدولي حول الاعتراف به. أي أن الحرب أنتجت، ولو بصورة متنازع عليها، ترتيباً سياسياً-أمنياً جديداً على الأرض. أما في إيران، فلم يظهر حتى الآن ترتيب سياسي بديل مماثل؛ فلا توجد قوة دولية ستنشر في إيران، ولا مسار أممي ينظم “ما بعد الحرب” بصورة مشابهة لكوسوفو. لذلك، حتى لو وُصفت العملية ضد إيران بأنها “ناجحة” عسكرياً، فإن نجاحها السياسي يظل ناقصاً ما لم يتحقق أحد ثلاثة أمور: اتفاق جديد، تغيير كبير في السلوك الإيراني، أو تحول داخلي عميق في النظام. وحتى الآن لا شيء من هذا حُسم نهائياً.
النتائج الاقتصادية والاجتماعية
صربيا خرجت مدمَّرة لكنها كانت قابلة لإعادة الإدماج؛ إيران قد تخرج أكثر عسكرة وأشد ارتباطاً بالاقتصاد الحربي بعد 1999 دخلت صربيا، رغم بطء المسار، في طور إعادة بناء وعلاقات مع مؤسسات مالية دولية، وأصبح سقوط ميلوشيفيتش لاحقاً مدخلاً لإعادة الإدماج الأوروبي النسبي. أما إيران، فإذا طالت الحرب أو تكررت الضربات، فالأرجح أن تتجه إلى مزيد من عسكرة الاقتصاد، وتوسيع الاعتماد على شبكات الالتفاف على العقوبات، وتعميق الشراكات غير الغربية بدل الاندماج السريع في نظام دولي تقوده واشنطن. لذلك قد تكون نتيجة الحرب على إيران، خلافاً ليوغوسلافيا ما بعد 2000، تعميق الانقسام الجيوسياسي العالمي أكثر من فتح باب إعادة الإدماج. وهذا استنتاج تحليلي مستند إلى بنية النظام الإيراني والبيئة الدولية الحالية، لا إلى إعلان رسمي نهائي.
أبرز أوجه الشبه هو أنَّ الحالتين اعتمدتا على الإكراه بالقوة الجوية والصاروخية أكثر من الاحتلال البري؛ وأن الخطاب في الحالتين قدّم الحرب بوصفها وسيلة لمنع خطر أكبر: خطر إنساني في كوسوفو، وخطر نووي-صاروخي في إيران. كما أن الحالتين تكشفان كيف تُستخدم الضربات على البنية التحتية والقيادة والسيطرة لفرض قرار سياسي على الخصم، مع رهان كبير على التفوق التكنولوجي الغربي. كذلك في الحالتين وُجدت فجوة بين الإنجاز العسكري المعلن وبين التعقيد السياسي اللاحق. بالنسبة لأوجه الاختلاف الحاسمة، فإن حرب كوسوفو كانت محدودة المكان والموضوع والمدة نسبياً، بينما الحرب على إيران ذات قابلية عالية للتحول إلى حرب إقليمية-عالمية التأثير. كما أن يوغوسلافيا لم تكن عقدة طاقة عالمية، وإيران كذلك.
هناك عامل آخر يكمن في أن ميلوشيفيتش لم يملك شبكة ردع إقليمية مماثلة لإيران، والبلقان لم يكن مسرحاً لتنافس أميركي-صيني-روسي بالطريقة التي تمثلها إيران اليوم. ثم إن كوسوفو أفضت إلى نظام ما بعد حرب واضح نسبياً، بينما إيران لا تملك حتى الآن مثل هذا الأفق. لذلك فاستنساخ “نموذج كوسوفو” لفهم إيران يقود بسهولة إلى خطأ منهجي.
خلاصة القول فإن عملية الناتو في يوغوسلافيا كانت حرب إكراه جوي ضد دولة متوسطة القوة، في مسرح أوروبي محدود، بهدف سياسي محدد نسبياً، وانتهت إلى تسوية مفروضة وتغيير ملموس على الأرض رغم الجدل القانوني والضحايا المدنيين. أما العملية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران فهي حرب أشد تعقيداً، ضد دولة إقليمية كبيرة، في قلب عقدة الطاقة العالمية، وبأهداف استراتيجية أوسع وأقل قابلية للحسم السريع. لهذا يمكن القول: كوسوفو كانت حرباً ناجحة نسبياً من منظور الإكراه المحدود؛ أما إيران فهي حتى الآن اختبار مفتوح لقدرة القوة الجوية-الصاروخية على تحقيق تغيير استراتيجي من دون احتلال أو تسوية سياسية شاملة.
