روسيا وحلفاؤها: من الاتحاد السوفييتي إلى أوكرانيا – التخلي البراغماتي أم الانهيار القسري؟ (2-2)

روسيا وحلفاؤها: من الاتحاد السوفييتي إلى أوكرانيا – التخلي البراغماتي أم الانهيار القسري؟ (2-2)

د. زياد منصور

       تمثل العلاقة بين روسيا وإيران نموذجًا أكثر تعقيدًا. فمن جهة، يجمع الطرفين تقاطع واضح في مواجهة النفوذ الغربي، والتنسيق في ملفات إقليمية، والتعاون العسكري الذي برز خصوصًا مع استخدام روسيا للمسيّرات الإيرانية في حرب أوكرانيا. ومن جهة أخرى، لا تخلو العلاقة من تناقضات، تتجلى في تاريخ من التنافس، وفي استمرار قنوات التنسيق الروسي مع إسرائيل، إضافة إلى علاقات موسكو المتوازنة مع دول الخليج.

وقد برزت حدود هذا التحالف في سلسلة من الأزمات خلال عامي 2024–2025. ففي أعقاب الضربات الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية، لم تتحرك روسيا عسكريًا رغم دورها السابق في دعم الدفاعات الجوية الإيرانية. وعندما ردّت طهران بهجوم صاروخي واسع، التزمت موسكو موقفًا حذرًا، دون تقديم دعم فعلي. كما لم تُظهر ردود فعل قوية في حوادث استهداف شخصيات أو مواقع إيرانية حساسة.

هذا السلوك يعكس طبيعة العلاقة: فإيران، رغم أهميتها، تبقى بالنسبة لروسيا شريكًا تكتيكيًا لا حليفًا دفاعيًا. فموسكو، التي وقّعت مع طهران اتفاقية شراكة استراتيجية عام 2025، لم تربط نفسها بالتزامات عسكرية ملزمة على غرار التحالفات الغربية. وهي، في المقابل، تحرص على موازنة علاقاتها مع أطراف إقليمية أخرى مثل تركيا ودول الخليج، كما تتجنب صدامًا مباشرًا مع إسرائيل.

لماذا تخلت روسيا عن إيران؟

التفسير الأكثر إقناعاً هو أن إيران أصبحت أقل أهمية بالنسبة لموسكو لعدة أسباب:

-توقف الحاجة للمسيرات الإيرانية: روسيا طوّرت صناعة محلية للمسيرات (شاهد-136 روسية الصنع) ووجدت مصادر بديلة (كوريا الشمالية) للذخيرة والمساعدات التقنية.

-التحول نحو التطبيع مع الخليج وتركيا: مصالح روسيا في العبور إلى المياه الدافئة عبر مضيق البوسفور والتعاون مع السعودية في أوبك+، كل ذلك يتطلب علاقات جيدة مع خصوم إيران.

-إيران غير قابلة للثقة: من وجهة نظر موسكو، إيران كانت تتعامل مع روسيا كأداة، وليس كحليف حقيقي. كما أن دعم إيران لحركات مثل حماس والحوثيين يعقد موقف روسيا الدبلوماسي.

باختصار، إيران كانت دائماً “حليفاً تكتيكياً” لروسيا، وليس استراتيجياً. وعندما تحولت الحسابات، توقفت المساعدات.

وعليه، فإن ما يبدو في نظر بعض الأوساط الإيرانية “تخلّيًا” هو في الواقع انعكاس لمنطق روسي قائم على تحديد سقف واضح للدعم: مساندة سياسية وتقنية حيثما أمكن، دون الانخراط في مواجهات كبرى.

تكشف حالتا فنزويلا وإيران عن نمط ثابت في السياسة الخارجية الروسية: تحالفات مرنة، غير أيديولوجية، ومشروطة بالكلفة والمردود. فموسكو تدعم حلفاءها حين يكون الدعم محدود المخاطر، لكنها تتراجع عندما يصبح الثمن مرتفعًا أو يتعارض مع أولوياتها، خصوصًا في ظل حرب أوكرانيا.

كما أن فهم هذا السلوك يقتضي عدم إسقاط نموذج الاتحاد السوفييتي على روسيا المعاصرة؛ فهذه الأخيرة لا تسعى إلى بناء منظومة تحالفات مغلقة بقدر ما تعمل على إدارة شبكة مصالح متغيرة. ومن هنا، فإن فكرة “التخلّي عن الحلفاء” تعكس جزئيًا قراءة دعائية، لكنها تستند أيضًا إلى واقع مفاده أن روسيا تضع مصالحها القومية فوق أي التزام خارجي، وهو ما يجعل تحالفاتها بطبيعتها محدودة السقف وقابلة لإعادة التقييم في كل لحظة.

مالي وليبيا: نفوذ غير تقليدي لا التزام إمبراطوري

في مالي وليبيا والساحل، تعمل روسيا غالبًا عبر أدوات هجينة: فاغنر سابقًا، ثم “فيلق أفريقيا” المرتبط أكثر بوزارة الدفاع الروسية بعد تمرد بريغوجين عام 2023. هذا النمط يعكس طبيعة النفوذ الروسي: أمن، تدريب، عقود موارد، ودعم سياسي.

هذا يعني أن موسكو لا تبني هناك تحالفات حماية شاملة، بل شبكات نفوذ مرنة. لذلك حين تتعقد الأوضاع الميدانية، لا يكون الانكفاء الروسي بالضرورة “تخلّيًا”، بل جزءًا من طبيعة هذا النموذج: تدخل منخفض الكلفة، قابل للتوسع أو الانكماش بحسب الربح والخسارة.

هل هذا تخلي؟ نعم بالمعنى العملي: خفض عدد القوات، وتقليص العمليات، وعدم التدخل لحماية النظام العسكري المالي عندما هاجمته الجماعات المتطرفة مرة أخرى في أوائل 2025. لكن لا، إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر: روسيا لم تترك مالي تماماً، بل حولت الوجود من فاغنر إلى “الفيلق الأفريقي” التابع رسمياً لوزارة الدفاع الروسية (مؤسسة في 2024). الفيلق الأفريقي أقل عددا (حوالي 2000 جندي) لكنه أكثر تركيزاً على تدريب القوات المالية وتأمين المنشآت الحيوية، وليس القتال المباشر.

هذا التحول يعكس درساً تعلمته روسيا من تمرد بريغوجين (حزيران 2023): لا يمكن ترك القوات الخاصة خارج السيطرة الرسمية. كما يعكس واقعاً أن موسكو لم تعد قادرة على تحمل تكاليف عمليات واسعة في أفريقيا (كل جندي من فاغنر كان يكلف روسيا حوالي 20 ألف دولار شهرياً، بما في ذلك الرواتب والمعدات والاستخبارات).

ليبيا: إعادة التموضع الاستراتيجي

ليبيا كانت ولا تزال ساحة نفوذ روسي مهمة منذ 2016، عندما بدأت موسكو بدعم المشير خليفة حفتر. الدعم الروسي شمل أسلحة ومستشارين من فاغنر (حوالي 1200 مقاتل) وطائرات حربية من قاعدة حميميم في سوريا.

في السنوات الأخيرة، دخلت روسيا في مفاوضات مع جميع الأطراف الليبية (حكومة طرابلس، حفتر، القبائل) لتعزيز وجودها. التطور الجديد: بعد انسحاب فاغنر من مالي، تم نقل العديد من المقاتلين إلى قواعد في شرق ليبيا (الجفرة، بنغازي) وربما إلى قاعدة بحرية في طبرق.

هل هذا تخلي؟ لا، بل على العكس، إنها إعادة تموضع. روسيا لم تترك ليبيا، لكنها غيرت استراتيجيتها: أقل قتالاً، وأكثر تواجداً سياسياً واقتصادياً (عقود نفط، موانئ، مطارات). الفيلق الأفريقي الروسي الآن نشط في ليبيا، وتم توقيع اتفاقيات جديدة مع حفتر لتوسيع قاعدة الجفرة الجوية.

الخلاصة: في أفريقيا، روسيا لا تتخلى بقدر ما “تتحول من دور المحارب إلى دور المستثمر والحامي” . هذا قد يبدو تخلياً للحلفاء الذين كانوا يأملون في دعم عسكري غير محدود، لكنه في الواقع تطور طبيعي لقدرات موسكو المحدودة

هل السبب حرب أوكرانيا؟

نعم، إلى حد كبير. حرب أوكرانيا غيّرت معادلة السياسة الخارجية الروسية. فقد جعلت موسكو أكثر اعتمادًا على الاقتصاد الحربي، وأكثر حرصًا على الموارد العسكرية، وأقل قدرة على المغامرة في مسارح بعيدة لقد أنفقت روسيا أكثر من 200 مليار دولار على الحرب (بما في ذلك النفقات العسكرية المباشرة والدعم الاقتصادي). العقوبات تسببت في خسائر إضافية تقدر بـ 300 مليار دولار (انخفاض في الناتج المحلي، رحيل الشركات، تجميد الأصول)..  هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً: لا يمكن لروسيا فتح جبهات جديدة أو حتى الحفاظ على وجودها الحالي في سوريا وإفريقيا وفنزويلا وإيران بنفس المستوى.

لكن أوكرانيا ليست السبب الوحيد. حتى قبل 2022، كانت روسيا تميل إلى تحالفات مرنة لا التزامات دفاعية مطلقة. هي لا تتصرف كالاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، بل كقوة كبرى تستخدم القوة بانتقائية وتوازن دقيق بين الطموح والقدرة.

هل هي دعاية للتشكيك بالقدرات الروسية؟

هي جزئيًا دعاية، لأن خصوم موسكو يضخمون كل إخفاق روسي لإقناع الحلفاء المحتملين بأن الرهان على روسيا خطر. عبارة “روسيا تترك حلفاءها” تُستخدم نفسيًا وسياسيًا في عدة مناطق.

لكن هذه الدعاية تستند إلى وقائع ملموسة: سقوط حلفاء، محدودية الرد الروسي، وتفاوت مستويات الالتزام. لذلك هي ليست اختراعًا كاملاً، بل تضخيم لحدود واقعية في القوة الروسية.

 إعادة توجيه الموارد: سوريا نموذجاً

قبل الحرب، كانت روسيا تنشر حوالي 5 آلاف جندي في سوريا (بالإضافة إلى مستشارين وقوات خاصة). بعد الحرب، انخفض العدد إلى حوالي 1500 جندي (بحسب تقارير استخباراتية غربية في أواخر 2024). تم سحب أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة (مثل S-400 و S-300) من سوريا إلى أوكرانيا، حيث كانت الحاجة إليها أكثر إلحاحاً. كما تم سحب العديد من الطيارين والخبراء العسكريين.

موارد هائلة كانت مخصصة لدعم الأسد (حوالي 1.5 مليار دولار سنوياً) أعيد توجيهها إلى أوكرانيا. ببساطة، لقد اختارت روسيا أن تخسر سوريا بدلاً من أن تخسر أوكرانيا. وهذا قرار عقلاني تماماً لوضع الأولويات: أوكرانيا تمثل الأمن المباشر لروسيا (الحدود مع الناتو)، في حين أن سوريا كانت لعبة جيوسياسية ثانوية.

تأثير الحرب على العلاقة مع الحلفاء الآخرين

بالنسبة لفنزويلا ومادورو، كانت الحرب عائقاً مزدوجاً: أولاً، لم تعد روسيا قادرة على إرسال المستشارين والأسلحة بسبب العقوبات (حتى البنوك الروسية تكافح لتحويل الأموال إلى فنزويلا الخاضعة لعقوبات أميركية). ثانياً، بقاء مادورو في السلطة لم يعد أولوية استراتيجية لموسكو التي تركز على شؤونها الداخلية. ولذلك، عندما ألقي القبض على مادورو في خريف 2025، لم تحرك موسكو ساكناً.

بالنسبة لإيران، كانت الحرب سبباً في تخفيف الالتزام الروسي: إيران كانت تقدم مسيرات وذخيرة، لكن بعد أن أثبتت روسيا قدرتها على تصنيع بدائل محلية (إنتاج المسيرات تضاعف 10 مرات في 2023-2024)، لم تعد إيران حاسمة. كما أن النفط الإيراني لم يعد مصدراً رئيسياً للدخل الروسي (الصادرات النفطية الروسية تحولت بالكامل إلى الصين والهند بأسعار مخفضة). وبالتالي، لم تتردد روسيا في “تضحية” إيران عندما تطلب الأمر استرضاء إسرائيل أو الخليج.

الاستنتاج القوي الذي يجب التأكيد عليه هنا: حرب أوكرانيا لم تخلق نمط التخلي، بل كشفت حدوده وقسوته. لو لم تكن هناك حرب، ربما كانت روسيا ستستمر في دعم الأسد ومادورو لفترة أطول، لكن النمط البراغماتي (التخلي عند ارتفاع التكلفة) كان سيبقى موجوداً. الحرب عجّلت بالأمر وجعلته أكثر وضوحاً.

وجه الدعاية: لماذا يريد الغرب الترويج لرواية “التخلي”؟

الغرب (وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا) له مصلحة قوية في إظهار روسيا على أنها “حليف لا يمكن الاعتماد عليه” لعدة أسباب:

تقويض النفوذ الروسي: إذا اقتنعت الدول الصغرى بأن روسيا “تخون” حلفاءها، فلن تسعى إلى التحالف معها، الأمر الذي يضعف النفوذ الروسي عالمياً دون حرب.

تعزيز الروح المعنوية للدول المعادية لروسيا: كلما ظهرت روسيا ضعيفة وغير قادرة على حماية حلفاءها، زادت ثقة الدول الأخرى (مثل أوكرانيا) في قدرتها على الصمود.

إعادة كتابة السردية التاريخية: محاولة تحويل انتصارات روسيا السابقة (مثل إنقاذ الأسد في 2015) إلى هزائم، وتصوير كارثة الانسحاب من سوريا ليس كنتيجة لاستنزاف حقيقي، بل كخيانة متعمدة.

المبالغات الدعائية تتجلى مثلاً في الادعاء بأن روسيا “تخلت تماماً” عن أفريقيا، رغم أن الوجود الروسي لا يزال موجوداً، بل ويتوسع في دول مثل جمهورية أفريقيا الوسطى والنيجر وبوركينا فاسو. ففي عام 2024، وقعت روسيا اتفاقيات أمنية جديدة مع 7 دول أفريقية، وأرسلت معدات عسكرية إلى السودان ومالي. الفيلق الأفريقي بدأ عملياته في يناير 2025 بحضور وزير الدفاع الروسي.

كما أن تصوير القبض على مادورو على أنه “فشل روسي كامل” يتجاهل حقيقة أن روسيا لم تكن أبداً قادرة على حماية فنزويلا من تدخل أميركي مباشر، حتى في أوج قوتها (2008-2014). كان هذا معروفاً للجميع، لكن الدعاية تقدمه الآن على أنه “دليل على الانهيار الروسي”.

دون شك فإن استنزاف الموارد الروسية في أوكرانيا جعل التخلي أسرع وأكثر دراماتيكية، خاصة في سوريا وفنزويلا. لكن النمط كان سيظهر في نهاية المطاف، مع أو بدون الحرب، بسبب محدودية القدرات الروسية.

هناك دعاية غربية حقيقية تضخم وتشوه هذه الظاهرة بهدف تقويض النفوذ الروسي. كثير من التقارير الإعلامية تخلط بين “التخلي” و”إعادة التموضع” (كما في أفريقيا)، أو تتجاهل السياقات المعقدة.

لم تتخل روسيا عن كل حلفائها. بيلاروسيا (حليف الدم الواحد) وكوريا الشمالية (حليف عسكري جديد) والصين (شريك استراتيجي) لا تزال تحظى بدعم قوي. التخلي طال فقط “العملاء” وليس “الشركاء المتكافئين”.

الرسالة التي تبعثها روسيا إلى العالم (سواء بقصد أو بغير قصد) هي: “لا تعتمدوا علينا أكثر مما تعتمدون على أنفسكم. نحن حلفاء في المعركة، لكنكم ستقاتلون معركتكم وحدكم في النهاية.”

ما يحدث ليس “خيانة” بالمعنى الأخلاقي، بقدر ما هو تطبيق للواقعية المتطرفة في العلاقات الدولية. روسيا تتصرف مثل أي قوة كبرى في حالة ضعف: تحمي نفسها أولاً، وتترك الحلفاء الثانويين لمصيرهم عندما تتعارض المصالح. المأساة الحقيقية ليست في “تخلي روسيا”، بل في أوهام أولئك الذين اعتقدوا أن موسكو على استعداد للتضحية من أجلهم.

 هل هناك بديل لروسيا؟

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا بعد؟ إذا كانت روسيا “حليفاً غير موثوق”، فهل هناك بدائل للدول مثل سوريا وإيران وفنزويلا؟

الصين لا تزال بعيدة عن تقديم تحالفات عسكرية مماثلة. تركيا لاعب متقلب. إيران نفسها تعاني من العزلة. في عالم متعدد الأقطاب، يبدو أن الخيار الوحيد أمام الدول الصغرى هو الاعتماد على الذات والتنويع في العلاقات الخارجية، وألا تضع كل بيضها في سلة واحدة، سواء كانت روسية أم أميركية أم صينية.

خلاصة القول، هل هذا مرتبط بحربها في أوكرانيا أم إنها دعاية للتشكيك بالقدرات الروسية؟” فالإجابة تجمع بين الأمرين: الحرب هي السبب المباشر لتفاقم الظاهرة، والدعاية الغربية تستغلها لتضخيمها وتوظيفها سياسياً ضد روسيا. لكن بدون حرب أوكرانيا، كانت روسيا ستظل تواجه تحديات مماثلة، ربما بشكل أقل حدة، لأن الضعف البنيوي للقوة الروسية كان موجوداً قبل الحرب بوقت طويل.

ففي عالم العلاقات الدولية، لا يوجد وفاء بقدر ما توجد مصالح. روسيا لم تكن يوماً استثناءً لهذه القاعدة، والحرب في أوكرانيا جعلت هذا واضحاً للجميع، بما في ذلك حلفاء موسكو السابقين.

من المهم إضافة زاوية تاريخية تفسّر جانبًا من هذا الجدل. ففي الغرب، ترسّخت صورة سلبية عن طريقة تعامل الاتحاد السوفييتي مع الدول الحليفة والشعوب، حيث ارتبطت سياسته غالبًا بالتدخل المباشر وفرض الأنظمة بالقوة، كما في ثورة المجر 1956 أو ربيع براغ 1968. هذه الذاكرة التاريخية جعلت الكثير من المحللين الغربيين يقيسون روسيا الحالية على النموذج السوفييتي، ويتوقعون منها سلوكًا مشابهًا من حيث الالتزام الصارم أو التدخل الحاسم.

لكن روسيا ما بعد 1991 تختلف بنيويًا. فهي لا تمتلك الإمكانات الأيديولوجية أو الاقتصادية أو العسكرية نفسها التي امتلكها الاتحاد السوفييتي، كما أنها لا تسعى – على الأقل في خطابها الرسمي – إلى بناء كتلة أيديولوجية مغلقة، بل إلى شبكة علاقات مرنة قائمة على المصالح. لذلك، ما يُفسَّر في الغرب على أنه “تخلٍّ”، قد يكون في المنظور الروسي نمطًا مختلفًا من العلاقات الدولية: أقل التزامًا أيديولوجيًا، وأكثر انتقائية وبراغماتية.

بعبارة أخرى، هناك فجوة تفسيرية:

الغرب يقارن روسيا بالسوفييت، فيرى نقصًا أو تراجعًا.

بينما روسيا ترى نفسها قوة مختلفة، لا تريد ولا تستطيع إعادة إنتاج النموذج السوفييتي.

روسيا لا تتخلى عن حلفائها بالمعنى الأخلاقي البسيط، لكنها لا تمنحهم شيكًا مفتوحًا. هي حليف مفيد عندما يكون المطلوب سلاحًا، غطاءً دبلوماسيًا، تدريبًا، أو تدخلًا محدودًا. لكنها حليف غير مضمون إذا كان المطلوب خوض حرب كبرى أو إنقاذ نظام منهار.

كما أن فهم سلوكها يتطلب عدم إسقاط نموذج الاتحاد السوفييتي عليها بشكل ميكانيكي؛ فروسيا المعاصرة تتحرك ضمن منطق مختلف، حيث تتقدم المصالح القومية المباشرة على الالتزامات الأيديولوجية.

لذلك العبارة الأدق هي: روسيا لا تتخلى دائمًا عن حلفائها، لكنها تضع بقاء الدولة الروسية ومصالحها فوق بقاء أي حليف-وحرب أوكرانيا جعلت هذه الحقيقة أكثر وضوحًا، بينما ساهمت الذاكرة السوفييتية في تضخيم تفسيرها في الخطاب الغربي.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!