بين الحادث العرضي والاغتيال السياسي.. هل قتلت إسرائيل سيّون أسيدون؟
♦ حين يرحل الرموز في ظروف غامضة، تصبح الكتابة نوعا من المقاومة ضد النسيان أو التضليل..
لم يكن رحيل المناضل سيّون أسيدون مجرد غياب لقامة يسارية شامخة، بل تحول إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود الوطن..
في كتابه الجديد (وفاة أم اغتيال؟).. يفتح الكاتب رحمان النوضة علبة الأسرار، مفككا الرواية الرسمية التي حصرت الواقعة في “حادث منزلي”، ليرسم بالمقابل سيناريوهات معقدة تشير بأصابع الاتهام إلى أجهزة خارجية..
يأتي كتاب رحمان النوضة حول رحيل سيّون أسيدون ليعيد طرح الأسئلة المسكوت عنها: هل كان سقوط أسيدون من فوق سلمه في حديقة منزله مجرد قدر محتوم، أم كان الفصل الأخير في صراع مرير مع الصهيونية؟
عبر تشريح دقيق للمكان والزمان والوقائع الطبية، ينقلنا النوضة من دائرة الشك إلى فضاء اليقين السياسي، محذرا من تحول الجغرافيا الوطنية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
في هذا التقرير نستعرض أبرز ما جاء في هذه القراءة الجريئة التي تضع أمن المناضلين في قلب النقاش حول مآلات التطبيع../ عبد الرحيم التوراني♦
رحمان النوضة
تقرير يستعرض ملخص كتاب “وفاة أم اغتيال المناضل سيّون أسيدون” للكاتب رحمان النوضة، ويتناول القضية المثيرة للجدل حول رحيل أحد أبرز رموز النضال اليساري والمناهض للصهيونية في المغرب.
قراءة في الألغاز والفرضيات حول رحيل سيّون أسيدون (2025-2026)
1- عتبة الكتاب: لغز الرحيل والمدى الزمني
يقع الكتاب في 130 صفحة، وصدر في أعقاب الأحداث المتسارعة التي شهدها عام 2025. يطرح الكاتب رحمان النوضة تساؤلاً جوهرياً يشكل العمود الفقري للعمل: هل مات سيّون أسيدون نتيجة حادث منزلي عرضي، أم سقط ضحية عملية اغتيال سياسي محترفة نفذتها أجهزة سرية تابعة لإسرائيل؟
يرسم الكتاب تسلسلاً زمنياً دقيقاً يبدأ من يوم السبت 9 غشت 2025، حين انقطع الاتصال بأسيدون، وصولاً إلى اكتشافه في غيبوبة يوم 11 غشت، ثم وفاته في 7 نونبر 2025 بعد 94 يوماً من الصراع مع الموت، وانتهاءً بصدور البلاغات الرسمية التي تبنت فرضية “السقوط من السلم”.
2- من هو سيّون أسيدون؟ (بروفايل “العدو المشترك”)
يستعرض الكتاب سيرة أسيدون ليوضح لماذا قد يكون هدفاً للتصفية:
الهوية والنضال: مغربي من عائلة يهودية، تشبع بالفكر الثوري في “ماي 1968” بفرنسا.
المسار السياسي: أحد مؤسسي المنظمات السرية اليسارية (23 مارس، لنخدم الشعب)، وقضى 12 سنة في السجن.
النشاط الحقوقي: بعد السجن، أسس فروع “ترانسبرانسي” وجمعية “BDS” لمقاطعة إسرائيل، وكان من أشرس المناهضين للتطبيع.
الخطر على إسرائيل: يرى المؤلف أن أنشطة أسيدون، خاصة في مجال المقاطعة، كانت تضر بمصالح إسرائيل الحيوية في المغرب، مما جعل “احتمال الانتقام” وارداً بقوة في حسابات الموساد.
3- الفرضية الرسمية: “سقوط السلم” تحت مجهر النقد
تتمحور الرواية الرسمية (بلاغات الوكيل العام للملك) حول قيام أسيدون بتقليم أشجار حديقته، وسقوطه من سلم منزلي وارتطام رأسه بالأرض. يخصص الكاتب حيزاً كبيراً لتفكيك هذه الفرضية، مورداً جملة من الانتقادات:
غياب الشهود والآثار: لا يوجد شاهد عيان واحد، ولم تقدم الشرطة العلمية أدلة مادية (دم، شعر، جلد) في مكان السقوط المزعوم.
التناقض السلوكي: تزعم الرواية أن أسيدون، رغم كسر جمجمته، نهض وفتح الباب ودخل وجلس على أريكة قبل الغيبوبة، وهو سلوك يراه الخبراء “شبه مستحيل” طبياً في حالة الإصابات الدماغية الحادة.
فيزياء السقوط: السلم منزلي قصير (حوالي مترين)، والسقوط كان على أرض زراعية مغطاة بالأعشاب، مما لا يفسر قوة الضربة التي “هشمت” الجمجمة وأحدثت نزيفاً بعمق 8 ملم.
غياب رد الفعل الفطري: لم تُسجل أي إصابات في يدي أو ذراعي الضحية، وهي إصابات تحدث حتماً حين يحاول الإنسان حماية نفسه غريزياً أثناء السقوط.
4- الفرضية الثانية: الاغتيال الممنهج (سيناريو الاختراق)
يقدم الكتاب فرضية بديلة تعتبر أن أسيدون تعرض لـ “اعتداء إجرامي سياسي” نفذه محترفون:
الوسائل التقنية: احتمالية استخدام برمجيات تجسس (مثل “بيغاسوس”) لرصد حركاته بدقة واختيار لحظة انفراده.
طريقة التنفيذ: مباغتة الضحية بضربة قوية بآلة ثقيلة (هراوة أو كعب مسدس) على منطقة “سقف الرأس”، وهي منطقة يصعب إصابتها في سقطة جانبية من سلم.
مسرح الجريمة: يرى المؤلف أن المعتدين هم من وضعوا أسيدون فوق الأريكة لإضفاء صبغة “الموت الطبيعي” أو الحادث العرضي على الواقعة.
5- التطبيع كبيئة حاضنة للاختراق
يربط رحمان النوضة في كتابه بين “اتفاقات التطبيع” وبين سهولة تنفيذ مثل هذه العمليات:
حرية الحركة: يرى المؤلف أن التطبيع منح الأجهزة الإسرائيلية “تسهيلات” وحرية حركة داخل المغرب تحت غطاءات مختلفة (اقتصادية، سياحية، أمنية).
الحرج السياسي: يحلل الكتاب صمت أو “تقصير” الأجهزة الأمنية المغربية في إجراء تحريات احترافية كاملة، مرجعاً ذلك إلى الرغبة في تجنب الصدام مع “الأجهزة الصديقة” (الموساد) وتفادي إحراج الدولة المغربية أمام الرأي العام الغاضب من التطبيع.
6- أسيدون في سياق “قوائم التصفيات الإسرائيلية”
يضع الكتاب هذه القضية ضمن سياق تاريخي أوسع، مستشهداً بكتب ومراجع عالمية (مثل “Rise and Kill First” لرونين بيرغمان) توثق تنفيذ إسرائيل لأكثر من 2700 عملية اغتيال خارجي.
يستعرض الكتاب لائحة من الضحايا الذين تشابهت ظروف رحيلهم مع أسيدون (مثل نزار بنات وسماح إدريس)، مشيراً إلى أن إسرائيل تخصص فرقاً لـ “الاغتيالات الصامتة” التي يصعب إثباتها جنائياً.
7- الانتقادات الموجهة لعمل القضاء والطب الشرعي
يسجل الكتاب تحفظات قوية على المسار القضائي والطبي:
تغيب المعلومات: تجاهل بلاغ الوكيل العام الإشارة الصريحة لعلامة “الضربة الواضحة” في الرأس الأصلع، واستخدام عبارة “إصابة” بدلاً من “ضربة”.
قصور التحقيق السينيراني: لم يتم فحص هاتف وحاسوب الضحية من قبل مؤسسات مستقلة (مثل Citizen Lab) للتأكد من خلوها من برامج التجسس.
غموض “المضاعفات التعفنية”: يرى الكاتب أن إرجاع الوفاة لـ “تعفن” بعد 94 يوماً قد يخفي تقصيراً طبياً أو محاولة لتمييع السبب الأصلي (الضربة القاتلة).
8- الخاتمة والاستشراف: “الفوضى القادمة”
يختتم رحمان النوضة كتابه بتحذير شديد اللهجة؛ حيث يرى أن اغتيال سيّون أسيدون (في حال صحة الفرضية) يمثل رسالة ترهيب لكل المناضلين المناهضين للصهيونية في المغرب.
ويخلص إلى أن:
المغرب أصبح “ساحة مفتوحة” للأجهزة الاستخباراتية الأجنبية بفعل سياسة التطبيع.
المناضلين المغاربة باتوا في خطر، حيث عجزت الدولة عن حمايتهم أو كشف الجناة في حال تعرضهم للتصفية.
خلاصة
كتاب “وفاة أم اغتيال المناضل سيّون أسيدون” ليس مجرد سرد لسيرة مناضل، بل هو وثيقة اتهام سياسية تحاكم المرحلة الحالية من تاريخ المغرب. يرفض الكاتب الرواية الرسمية “التبسيطية”، ويقدم بالمقابل “بناءً منطقياً” يستند إلى الخبرة السياسية والتاريخ الإجرامي للموساد، ليترك للقارئ مهمة استكمال البحث عن الحقيقة في “زمن التردي” كما يصفه.
* تم إعداد هذا التقرير بناءً على المحتوى الوارد في “الصيغة 11” من ملخص الكاتب رحمان النوضة.
