فصل الكلام مابين القول والفعل عند بعض الأنام (1-5)
المختار عنقا الادريسي
حين ينفلت الفعل من عَهْدِ القول وعِقَاله.. تأمل في صدق المعنى وأقنعة السلوك
عتبة مدخلية:
في مسارات حياتنا اليومية، لا نُرْبَك بشيء بقدر ماتربكنا تلكم الفجوة الصامتة بين ما يقال… يحكى… ينسج من كلام وما يُفْعل. لأن الكلمات ماوجدت في أصلها الا لتكون جسورا للمعنى وعهودا ضمنية بين الشخص وذاته، قبل أن تكون بينه والاخرين. غير أن هذه الجسور… الروابط… الامتدادات كثيرا مانجدها قد تحولت الى واجهات لغوية تُخْفِي أكثر مما تُظْهر، فينشأ نوع من التوتر الخفي بين ظاهر القول وباطن الفعل.
ولعل خطورة ذاك التوتر لا تكمن فقط في كونه أبهى صور التناقض الأخلاقي، بل لأنه يهدد وحدة الشخص الداخلية، ويربك علاقاته بنفسه… بالاخر… بالعالم من حوله . اذ كيف يستقيم المعنى، اذا كانت اللغة منفصلة عن التجربة وبعيدة عن الواقع؟ وكيف تُبنى الثقة. اذا كان القول لا يُسند بالفعل؟ وهو الأمر الذي تنبه له الفلاسفة قديما، حين ربطوا بين الحقيقة والانسجام الداخلي. فهذا “سقراط” يرى أن المعرفة الحقة لا تنفصل عن الفضيلة وأن من يعرف الخير لا بد أن يفعله. وذاك “كانط” يذهب الى أن القيمة الأخلاقية لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نلتزم به من أفعال، انطلاقا من واجب داخلي لا من مصلحة عابرة. من هنا بالضبط لا يبدو فصل الكلام عن الفعل مجرد زلة عابرة ، بل هو علامة صارخة عن خلل أعمق في بنية الوعي، أو في علاقة الانسان بذاته. وتأسيسا عليه سأعمد في هذه النوافذ التأملية أن أقارب “فصل الكلام” لا بوصفه حكما جاهزا، بل باعتباره مدخلا… سؤالا مفتوحا حول الصدق… المعنى …التماسك، في زمن تتكاثر فيه الأقنعة ويبهت القول.
النافذة الأولى
حين يصبح القول مجرد قناع ليس الا ليس القول في الكثير من الأحيان، مراة صافية لما هو في الدواخل، بل قد يتحول الى أقنعة لغوية بارعة ، تصاغ بها الذوات تَبَعا لما يُراد لها أن تُرى، لا كما هي في حقيقة أمرها. فالكلمات بدل أن تكون امتدادا منطقيا للتجربة، تغدو مجرد أداة لاعادة ترتيب الصورة وتلميعها، وربما حتى لاخفاء بعض من شروخها الدقيقة. فلا يتحدث الشخص ليعبِّرفقط بل ليتحصن، ولا ليكتشف ذاته، بل ليُدير الانطباع عنها. فتتسع المسافة في صمت خفي،بين مايقال وما يعاش، فيبدأ نوع من الازدواج الناعم في التشكل: ذات تُعلن ، وأخرى تُؤجل أو تُخفي. وفي هذا السياق يستحضرني ما كان قد لمَّح اليه عبد الله العروي في حديثه عن الازدواجية في الوعي، [نقول أشياء كثيرة لا نعيشها، ونعيش أشياء لا نجرؤ على قولها]. فيشير الى أن الانسان قد يعيش بين منظومتين: واحدة يتبناها خِطَابا والأخرى يُمَارسها – أو كان قد مارسها – واقعا . فهذه الازدواجية لا تظل حبيسة الفكر، بل تتسرب الى السلوك فتنتج خطابا يبدو متماسكا، لكنه منفصل عن شروط تحققه. كما يلتقي هذا المعنى مع الحس النقدي الذي يعبر عنه محمد عابد الجابري حين نبَّه الى أن الخطاب اذا لم يكن مؤسسا على عقلانية نقديةومساءلة ذاتية، قد يتحول الى مجرد تكرار لما ينبعي أن يُقال، لا لما ينبغي أن يُفع . فالكلام في هذه الحالة يفقد وظيفته كأداة للفهم، ويغدو مجرد الية لاعادة انتاج صورة مرغوبة . ومن زاوية هي أقرب الى التجربة الانسانية اليومية، نجد عند عبد الكريم برشيد ذلك التنبيه العميق الى الأقنعة التي يلبسها الشخص ليس فوق الركح، بل في تفاصيل حياة اليومية، حيث يصبح الأداء أسلوب عيش، ويتحول الصدق الى لحظة نادرة بين أدوار متتالية [حن نمثل أكثر مما نعيش، ونقول أكثر مما نفعل]. وبهذا المعنى لا يعود القناع مجرد وسيلة دفاع، بل يتحول الى نمط وجود. ومع التكرار، لا ينتبه الشخص الى أنه لم يعد يعبِّر عن ذاته، بل عن صورة متخيلة لها. وهنا تكمن الخطورة : فيميل الى تصديق ما يقوله عن نفسه ، حتى وان لم يكن له أثر في الواقع . ولعل أخطر مافي هذا الانفصال الصامت، أنه لا يُحدِث أي ضجيج، يتسلل بهدوء… يستقر في التفاصيل الحياتية: وعْدٌ لا ينجز… موقف لاينرجم… قيمة تُرفَع شعارا ولا تُعاش سلوكا. تجعل المعنى يتاكل تدريجيا. ولعل ما يجعل هذا القناع أكثر رسوخا ، هو أنه يمنح صاحبه شعورا مؤقتا بالتماسك . فالكلام حين يصاغ باحكام وتروي، قد يُوهِم بالصدق حتى وان كان خاليا من أثره العملي. غير أن هذا التماسك الظاهري لا يصمد طويلا، لأن صاحبه يبقى في أمسِّ الحاجة الى الانسجام الحقيقي، لا الى الصورة المتقنة.فيعود السؤال أكثرالحاحا:
* هل نملك الشجاعة لنرى أنفسنا خارج اللغة التي نصف بها ذواتنا؟
* هل نستطيع أن نعيد للكلمة معناها الأسمى، فتكون أثرا لما نعيشه لا ستارا لما نحفيه؟
طنجة في 27 أبريل 2026
