بوصلة الأمة وسؤال المنهج: كيف يشكل “السرد” وجدان الشعوب؟
جمال المحافظ
ما معنى الأمة؟ مم تتكون؟ وكيف تتشكل وهل هناك نموذج محدد أو معايير معلومة لتحقيق شروط وجود أمة؟ هل هي مرتبطة عضويا بعرق ما، بلسان ما، بحيز جغرافي ما؟ أم هي روح جماعية، تنصهر فيها جملة مكونات؟ كيف تشكل الانتصارات والانكسارات الجماعية، وحجم التضحيات المشتركة التي تتطلبها، العصب الحيوي لهذه الروح اللاحم لمختلف مكوناتها والباعث بشكل متجدد لإرادة العيش المشترك بين هذه المكونات؟، يتساءل الجامعيان الكاتبان حسن طارق والطيب بياض، في مؤلف مشترك جديد اختارا له عنوانا دالا: ” نحن أمة.. السرد الوطني، وسؤال المنهج وعتبات الفهم”.
قواسم مشتركة
بيد أن المؤلفين يوضحان، بعد هذه التساؤلات في مقدمة الكتاب، أنه إذا كانت الأمة في جوهرها روحا معنوية جماعية نفخت فيها الآمال والآلام والذكريات المشتركة جذوة متقدة، لا تكاد تخبو حتى تعود للاشتغال كلما تهددها خطر خارجي، فهو كناية عن شيء مختلف قادم مما وراء التخوم، بما يعنيه من تمايز مجالي. وبهذا الشكل، يعتبران، أن الأمة تصير شديدة الصلة بالتراب والمجال والجغرافيا والتضاريس والمناخ، أي بالبيئة وما تفعله من أدوار مركبة في صهر بني البشر عبر الزمن، ونحث القواسم المشتركة بينهم ضمن هذا المجال الجغرافي الذي يحتضنهم.
وفي هذا السياق يستخلص صاحبا المؤلف بأنه داخل هذا الوعاء المجالي، “تتراكب الجزئيات الهوياتية لهذه الذات التي تسمى أمة”، فترسم المعطيات الأنثروبولوجية بين ثنايا الجغرافيا، ملامح هوية محددة تتشكل عبر التاريخ، في حين يشكل السرد الوطني الطريقة المثالية في التعبير عن “النحن” الجماعية، وفي قول “نحن أمة” ضمن حبكة تربط الماضي بالحاضر، وتصل الحاضر بالمستقبل، وفي تحويل التاريخ إلى فكرة موحية، وفي تكثيف الأحداث في معنى ملهم، وهو ما يجعل ” نحن أمة” العنوان الأكثر كثافة لكل مضامين السرد الوطني.
معيار متناسق
وبناء على ذلك يعرب الكاتبان، عن اعتقادهما الراسخ، بأن للسردية بطل واحد ووحيد هو الأمة، ولها غاية واحدة ووحيدة، هي أن تعبر عما تريد هذه الأمة أن تكونه، وأن ما يصنع السرد بعد تحديد هذه الغاية، هو بناء وترتيب – بعدي- لمختلف الأحداث والتواريخ والأبطال والرموز والانتصارات والهزائم والآلام والفخر.. وذلك ضمن معيار حكائي متناسق.
سردية مدعمة
غير أنه إذا كان “نحن أمة” تعبير انتمائى تتماهي فيه المجموعة الوطنية مع تاريخها الموحد وذاكرتها الجمعية، وتنصهر من خلاله في مصيرها المشترك ومآلها الواحد من خلال السرد الذي يجسد الانتماء التاريخي وهذه الهوية الوطنية، لتعطى لحاضرها الراهن الكثير من معاني الوجود، فإن إنتاج المعنى باختلاف المرجعيات الفكرية، لكن للسياقات مفعولها وللزمن سلطانه، الزمن اليوم زمن معولم وملغوم، معنى الأمم أضحى معنى هويات، حسب ما دبجه المؤلفين. في اصدارهما الجديد.
وعلى المستوى المغربي، ذكر حسن طارق والطيب بياض، بأنه بعد قرن طويل يفصل بين الاحتفاء الأول بعيد العرش والإقرار الملكي بعيد الوحدة، تزخر السنة المدنية بالمواعيد الوطنية التي تفتح أقرب المسالك لقراءة سردية الأمة المغربية في أصولها ومضامينها ورموزها وتحولاتها. وأضاف أن الشخصية الجديدة التي بات يتخذها الحضور المغربي داخل الساحة الدولية، بما يميزه من ندية في تدبير العلاقات الثنائية، ومن روح انتصارية في الدفاع عن قضايانا الحيوية، تحتاج بالضرورة إلى مواكبة سردية مدعمة، داخل حقل للنزاعات والصراع والتنافس، تتدافع وسطه المصالح والقيم وأدوات النفوذ، لكن تهيكله أيضا مقاربة السرديات والتمثلات الرمزية، كما يشكل في سياق متصل، أفق تطبيق الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بدوره اختبارا حقيقيا لقدرة السرد الوطني على التكيف والإدماج والانتصار للوحدة في مواجهة سرديات التجزيء.
المشترك الجامع
وبخصوص الهدف من اعداد هذا الكتاب المشترك، يوضح المؤلفان، بأنه استحضارا لكل هذه “السياقات المتقاطعة” وأخرى، تسعى مساهمتها الثنائية إلى تقديم تفاعل منتج من موقع المسؤولية المزدوجة، العلمية والأخلاقية، مع قضايا المجتمع والعصر، بغرض الاسهام في تأطير النقاش العمومي حول السرد الوطني بعيدا عن منطق التقاطب الإيديولوجي من جهة وعن التعالي الثقافوي من جهة أخرى. كما أن فكرة الكتاب انطلقت من وعي جاد بالحاجة اليوم قبل الغد، إلى سردية تلحم المشترك الوطني الجامع، وتعزز الإندماج الاجتماعي وتقوي الانتماء الثقافي، سردية تستثمر ذاكرة السرد الوطني لكنها تنتبه في ذات الوقت إلى مكامن التحديات الجديدة.
يتضمن ، الكتاب ستة فصول، هي: “السردية الوطنية: تقديم مقدمات وتمهيد أصول” ، “التجربة الفرنسية: سرديات مواكبة لمفارقة التخمة واللهفة”، “النموذج الأمريكي: من سردية المجد إلى سردية الإجماع”، “الحالة التونسية: من السردية ” الصماء” إلى اللايقين السردي”، “تبيئة” مفاهيم وتوليد معان” و “للتاريخ حكمته وبوصلته”.
ويكشف حسن طارق في هوامش الكتاب، بأن فكرة هذه المساهمة اختمرت، إثر تفاعل منتج خصببته تقاطعات كثيرة بين مشروعين فرديين سابقين: الوطنية المغربية، تحولات الأمة والهوية” ( 2023) و” الشخصية المغربية، تأصيل وتأويل” ( 2024 ).
* “نحن أمة.. السرد الوطني، وسؤال المنهج وعتبات الفهم “، مؤلف يقع في 380 صفحة من الحجم المتوسط صادر حديثا عن منشورات “باب الحكمة” بتطوان، وصمم غلافه أحمد البقالي، سيكون موضوعا رهن إشارة القراء والباحثين والمهتمين ضمن فعاليات الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط المنظم ما بي 30 أبريل و10 ماي 2026، كما سيوزع على المكتبات بمختلف جهات المملكة..
