سعيد بوخليط: نوستالجيا مراكش.. ترميم الذاكرة برؤية فلسفية

سعيد بوخليط: نوستالجيا مراكش.. ترميم الذاكرة برؤية فلسفية

حوار:

         في برنامج “ضفاف” على قناة التلفزيون العربي، يتحدث سعيد بوخليط عن بعض معطيات كتابه “نوستالجيا: حكايات من أزمنة مراكش”، الصادر حديثاً عن دار سامح للنشر في السويد.

س: بدايةً، وأنت تعود في هذا الكتاب إلى مراكش عبر الذاكرة، لا يبدو الأمر استعادةً بسيطة للماضي، بل كأن هذه العودة تفتح زاوية مختلفة للنظر إليه؛ متى تتحول النوستالجيا من حنين إلى موقف نقدي؟

سعيد بوخليط: نعم، النوستالجيا أو الحنين هنا، ليس وفق نمط رتيب باثولوجي أو مَرَضي يعكس حالة سوداوية مثلما يُعتقد ضمن السياق المعتاد، بل هو لعبة للذاكرة قصد إنعاش حمولتها، كي تبقى ذاكرة حية تنعم بحيوات عدة. ذاكرة لا تموت، وليست قط مقبرة للأموات، بل تتجدد باستمرار.

س: مراكش عندك لا تُروى دفعة واحدة، بل تتكشف عبر لقطات: المدرسة، الحي، الحافلة، جامع الفنا… هذا التقطيع في السرد، ماذا فتح لك على مستوى التعبير؟

سعيد بوخليط: هي لقطات ميكروفيزيائية، ضمن خيط واحد ناظم وفق مثيرات تأمل شارد حسب تعريف “غاستون باشلار”، أي حلم يقظة واعٍ بصنيعه، سعيد تمام السعادة، بخلاف طبعاً الحلم الليلي. عموماً، هي مشاهد مسرحية لا تنفصل قط عن بعضها البعض، وتأخذ وضعاً بنيوياً استطرادياً ضمن وحدة السرد، وجميعها يحيل حكائياً على جميعها.

س: يبدو الزمن في النص غير خطي، أقرب إلى حالة شعورية منه إلى تسلسل زمني… كيف اشتغلت على هذا البعد داخل البناء السردي؟

سعيد بوخليط: يعاكس الزمن النفسي نظيره الفيزيائي، ويمتثل فقط لقوانينه الحميمة الخاصة؛ إذ يراهن كلياً على تقنية الاسترجاع، لكن برؤية فلسفية قوامها إعادة ترميم وبناء لحظة الماضي انطلاقاً من تداعياتها على الحاضر.

س: تحضر في الكتاب صورة مدينة تتغير، من مراكش “الأصالة الرحيمة” إلى مراكش يغلب عليها الاغتراب والفوضى… كيف تقرأ هذا التحول؟

سعيد بوخليط: بالتأكيد التحول قدر ومصير محتوم، وإلا انعدم شيء اسمه التاريخ. لكن يلزمه حتماً، كي يصير تحولاً معقولاً، احترام الذاكرة وتطورها الطبيعي حتى لا تكون الولادات الجديدة مشوهة. ولذلك تفترض أصالة البناء ومدى قوة جدارته، أن يكون في نطاق تطور مجتمعي قوامه السمو بالإنسان حسب أبعاده الروحية والقيمية.

س: خصصت مساحة لافتة لموضوع العنف الرمزي، سواء في المدرسة أو اللغة أو الشارع… إلى أي حد يمكن للأدب أن يكشف ما يخفيه المجتمع؟

سعيد بوخليط: نعم، العنف حاضر في شكليه الرمزي والمادي بين تلابيب ومكامن مجتمعاتنا، لذلك من واجب كل متعلم بلغ مستوى معيناً من ترويض مكر اللغة، السعي إلى تفكيك مكامن هذا العنف.

س: أحياناً، ينتقل النص من مشهد يومي إلى لحظة فقد قاسية… كما في “رحيل قبل الرحيل” حيث يتحول البيت إلى فضاء صدمة… كيف أثر هذا التداخل بين الذاتي والعام في بناء الكتاب؟

سعيد بوخليط: كل بناء سردي إلا ويعيش حتماً ويختبر هذه الجدلية، وبدورها صفحات هذا العمل تعكس حواراً بينهما، لكن دون السقوط في الوصف التاريخي البارد، أو الانسياق وراء أوهام الذاتية الطوباوية.

س: تستخدم في النص لغة يومية محملة بدلالة التعبير العامي، كما في عبارة “أطلق سراح الدجاجة كي لا تفقس بيضاً”؛ كيف تتعامل مع هذا النوع من التعبيرات داخل السرد؟

سعيد بوخليط: لم أوظف التعبيرات الدارجة سوى قليلاً جداً حينما يقتضي المقام ذلك وبكيفية لا غنى عنها، من أجل الإحاطة بالدلالة ضمن مختلف حيثياتها السياقية الفورية.

س: وبما أنك تكتب من داخل الذاكرة، هل تخشى أن تعطي هذه الذاكرة صورة مختلفة عن الواقع، أو تُظهره بشكل أجمل مما هو عليه اليوم؟

سعيد بوخليط: حاولت استحضار الزمن الماضي برؤية حالمة سردياً حسب دواعي متعة الكتابة عن الذاكرة، لكن دون تزييف لتاريخية الموضوعات والوقائع مثلما عشتها.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!