أشكال المعاناة من ضنك الحياة وتداعياتها المضنية في رواية “شباك العناكب”

أشكال المعاناة من ضنك الحياة وتداعياتها المضنية في رواية “شباك العناكب”

عبد النبي بزاز

        تتميز رواية “شباك العناكب” للروائية التونسية عفاف قاسم بغزارة في الشخصيات، والأحداث والتي تتواشج وتتعالق وتتقاطع في سياق مشهديات ووقائع محفوفة بألوان المعاناة التي تؤثث فصول حياة أفراد يئنون تحت وطأة يومي يعج بالمآسي والأشجان. ورغم تعدد الشخوص فإن مساهمتهم في تسيير دفة الأحداث، ورسم مجرياتها كان متفاوتا، ويأتي في مقدمتهم ميادة اليونسي، ووالدتها حياة، وجابر وزوجه ثريا والدا وفاء صديقة ميادة، وشقيقها أمين ، ومهند وصديقه شهاب، وطاهر وزوجه الطبيبة مسرة، وعارضات  الأزياء، فضلا عن أشخاص آخرين لم يكن لهم نفس وحجم التأثير مقارنة مع من ذكرنا؛ مثل عاملات الضيعات الفلاحية، وسائق الشاحنة التي تقلهم… لذلك سنقتصر على بعض الأحداث التي تصور مدى حجم المعاناة التي عاشتها شخصيات الرواية، وما تخللها من مظاهر الظلم والفساد، رغم أننا لن نخوض في تفاصيل وجزئيات أخرى رغم ما تكتسيه من قيمة سردية، وأبعاد اجتماعية وإنسانية وهوما لا تسمح به هذه العجالة.

 ويتجلى أول مظهر من مظاهر المعاناة وقساوة الحياة التي تطغى على جل فصول الرواية وتفاصيلها من أول فصل إلى آخره هي شخصية ميادة، بدءا من الفصل الأول “مفترق الندم” الذي تتحدث فيه مع نفسها داخل غرفة المصحة البيضاء: “أنا لم أبق أنا… ميادة اليونسي ما عادت عنوان البراعة والجمال… ميادة الرصينة والمهذبة والمجتهدة مادت مع عواصف العصر ولعناته فصارت رمز الغواية ومكينة للسقوط ومبعثا إليه … ” ص13، في تحول شهد أول فصوله  وفاة والدتها حياة العاملة في حقول الفلاحة إثر انقلاب الشاحنة التي تنقلها وباقي العاملات التي توفين وعددهم  ستة. فزاغ تفكيرها وجمح تحت تأثير إغراءات عالم افتراضي حالمة بمعانقة عالم الثراء بعد ولوج مجال عارضة في مصنع يديره رمز من رموز الفساد المسمى هيثم انتهى بها إلى حالة من الخيبة والانهيار بعد عملية تجميل فاشلة شوهت ملامحها وأخلت بقوام جسدها كما ورد في الفصول الأخيرة للرواية : ” هكذا جنيت على نفسك يا ميادة فولجت عوالم افتراضية صدقتها  فتسللت إلى مسامك وعقلك وشريانك … ” ص14، لتتذكر، وهي في عز محنتها ، جدها سيدي علي بن عون الذي تنكرت لأصوله ، وزاغت عن الطريق التي رسمها للعائلة : ” أنت تنكرت لجدك سيدي علي بن عون فلم ترثي عنه العلم والحِلم والاستقامة ، بل كنت فرسا جموحا بل قولي فراشة حالمة مغرورة فتنت بالأنوار فأحرقتها النيران . “ص14، كما تذكرت أمها الكادحة في حقول الفلاحة لكسب لقمة عيش مغموسة بالتعب والعرق : ” همستُ : أمي … أحتاج قبس دفء وأمان  من كفك … كنت لي خير لبوس من غدر العناكب الوثابة … ” ص 16، ليتم التواصل ، بعد غياب مفاجئ ، مع صديقتها المخلصة وفاء : ” أغلقتُ الخط وإذا بوفاء تهاتفني فلم أرد … ثم ساورتني فكرة بأن أرسل لها رسالة إلكترونية : أنا بمصحة الأمل بالعاصمة … ” ص49، وهو السيناريو نفسه الذي شهدته آخر فصول الرواية .

حيث تنطلق الفصول الأولى للمعاناة مع حياة والدة ميادة التي التجأت للعمل بالضيعات الفلاحية بعد وفاة زوجها ، وما تكابده ، وتتحمله من قساوة العمل رفقة نساء تقع على عاتقهن مسؤولية أسر تتخبط في أدران العوز والفاقة : “طوال اليوم تقضيه رفقة جموع النسوة المنتشرات في أرجاء الحقل منحنيات والبصر مصوب إلى أسفل والفكر منشغل مسافر ليحط الرحال في البيت أين تركن أطفالهن أو أما عجوزا أو أبا مقعدا … حيرة ممضة تعتمل داخل الصدور وتلف بردائها العقول … ” ص22، نساء وفتيات من مختلف الأعمار يقضين سحابة يومهن في عمل شاق يجنين من ورائه مبلغا زهيدا يقيهن وأسرهن تكاليف دنيا لمعيش مكلف : ” نظرت من جديد إلى رفيقات دربها ، كن من أعمار مختلفة ، فهذه ذات ستة عشر ربيعا وتلك عجوز على مشارف السبعين والأخرى في الثلاثين من العمر … ” ص24، عاملات يشتغلن في ظروف ملؤها الاحتقار ، وسوء المعاملة ، وتجاوز قد يصل حدود التحرش ، كما حصل للعاملة الصغيرة  الحسناء مع سائق الشاحنة والتي أسرت بذلك ل حياة : ” ثم وجدته يضع يده على يدي ويتعمد لمسي ويحاول المسح على شعري ، فتحاشيته وطلبت منه التوقف واللحاق بكن من الخلف … ” ص54، وحالة أخرى لعاملة حامل تعرضت للإجهاض بسبب العمل الشاق والمضني إلا أن الطبيبة مسرة ساعدتها ، ومدت لها يد العون ، وتابعت وضعيتها  إلى أن تعافت : ” لن تنسى أيضا أنها أمدتها برقم هاتفها حتى تيسر التواصل وسددت لها نفقات العلاج … “ص65، وبلغت المأساة ذروتها في حادث مروع انقلبت على إثره الشاحنة من مكان عال بعد أن فقد السائق التحكم في زمامها فقضت سبع عاملات نحبهن ومن ضمنهن حياة مما أرخى بظلال الحسرة ، ولوعة الفقد على وحيدتها ميادة التي عبرت عن ذلك وهي تتأمل صورتها المعلقة على الجدار : ” وقفت عيناي على صورتي المعلقة على الجدار … نظرت وقلت : دوما وحيدة … في الصورة وفي الواقع … لا أب ولا أخ أو أخت … واليوم بلا أم … ” ص82. وتبرز شخصية مهند التي كان لها تأثير وازن على أحداث الرواية ، فقصته ابتدأت مع صالح وزوجته اللذين لم يرزقا بأي مولود فعثرا عليه ، وهما يمارسان رياضة المشي على الشاطئ : ” وأرهفنا السمع لنشاهد شيئا متحركا قد لف في غطاء صوفي … ينتحب وحدته في العراء … إنه رضيع لم يمض على ولادته يوم قد ألقي به عند الشاطئ… ” ص93، فتمسكت به الزوجة ، ولم يعترض الزوج على ذلك بحكم هو الذي كان  يعاني من العقم : ” ثم لم يجد بدا من أن يعترض أو يحرمني من رغبتي لاسيما أنه هو الذي كان عقيما  وحرمني من أن أكون أما … ” ص94، فأنار حياتها ، وأضفى عليها حرارة شاعت في جوانبها ، وأغنتها كما صرحت بذلك : ” إنه السراج الوهاج الذي ضخ في شرياني الدفء… لقد صار كل الحياة … ” ص94، وقد نشأ وترعرع في أسرة ميسورة ؛ فالأب كان صيدلانيا يشرف على مختبر كبير لصنع الأدوية ، ودرسه وعلمه ليخلفه في الحفاظ على مشروعه كصيدلاني يدير مختبره ، وفعلا تأتى له ذلك ، أما الأم فكانت تملك مصنعا كبيرا للملابس الجاهزة  التي تسوقها إلى الخارج وفرنسا بالخصوص لأنها ذات أصول فرنسية . وبعد وفاة والديه بالتبني في حادثة سير وعلم بعدها بأنهما ليسا والديه البيولوجيين وقع أسير أسئلة  محرجة ومربكة : ” أنا لقيط إذن لا هوية له : لا أم ، لا أب ، ولا لقب … قد تكون أمي مومسا ترتاد المواخير  وقد تكون سليلة سري من سراة البلد … فليكن فذلك لن يشفع لها أن تتبرأ مني وتلقي بي غياهب الضياع والوجع … ” ص95، فنكأ جرحا غائرا حينما تذكر العبارات الجارحة التي صدرت عن زوجة عمه في حقه وهو طفل لم يتجاوز السادسة من عمره حين تشاجر مع ابنها أشرف ، وأسقطه أرضا وضربه بشكل مبرح كما يذكر ذلك : “كانت زوجة عمي تراقبنا … من النافذة ولما رأت أبنها على تلك الحالة هرعت إلينا صارخة وحدجتني بنظرة تقطر كرها وازدراء ثم قالت : ماذا فعلت به يا ابن الحرام ؟ … تود قتله والغنم بتركة آل بركات؟ ألم تكفك أملاك سي صالح ؟ ” ص95، مما ولد لديه حقدا تمثل في تدمير حياة الآخرين خصوصا النساء من خلال العالم الافتراضي وهو ما ذكره : ” جعلت لنفسي بادئ الأمر حسابا فايسبوكيا باسم مستعار وأذكر أن أولى الضحايا كانت امرأة متزوجة تعاني من إهمال الزوج … لكن بمرور الأيام  وقعت الحمامة في الشرك فاطمأن قلبها لي فسكنت مجامعه وصارت لا تتوانى عن إرسال صورها والجهر بحبها … فهددتها بصورها واعترافاتها ثم حولت الأمر إلى ابتزاز مالي ثمن الصمت … لينتهي الأمر باكتشاف الزوج الخيانة … وإقصائها من عالمه وتطليقها . ” ص107، وتوالت جرائمه إلى أن جاء الدور على ميادة من خلال صفحة أنشأها بعنوان ” كوني الأجمل ” ، فاتصلت به وعرفها على ست نساء من العارضات اللواتي يشتغلن تحت إمرته ، ومصمم الأزياء بالشركة يدعى شهاب . فاستقرت بغرفتها وقد طوقتها أحلام من الشهرة والغنى سرعان ما تحولت إلى موجة من الشك والريبة حين قرأت العقد الذي وقعته دون تمعن وتمحيص ، وما يتضمنه من الشروط الستة التي قيدت كل طموحاتها ، وضيقت أفق آمالها . وقد التجأت إلى زميلتها  العارضة شفاء  التي فتحت عينيها على عالم الموضة ، والتجميل بمواده ، ونوع الألبسة .  ورغم ذلك فهي ، أي شفاء ، ارتأت ألا تستمر في الاشتغال كعارضة لأنها مغامرة محفوفة بعواقب غير محمودة ، وأن دافع اليتم وظروف العيش المزرية هي التي قادتها لذلك ، ففضلت الارتباط بأحد المعجبين الذين كانوا يتابعون عروضها بدل الاستمرار في تجربة مليئة بالعراقيل والمطبات . وسرعان ما أحست ميادة بطوق العقد الموقع وشروطه يزداد التفافا حول عنقها ، ويصعب التخلص من قيوده عقب تخلصها من استدراج المصور لها لإشباع رغبته المتأججة من مفاتن جسدها وإغراءاته التي عجز عن كبحها بركوبها مغامرة الفرار التي أوصلتها إلى المستشفى حيث تم تضميد جراحها تحت إشراف الطبيبة مسرة التي قرأت في ملامحها شبها كبيرا بوالدتها حياة ، وتذكرت ما قدمته لها من دعم لا يمكن أن تنساه . إلا أن ذلك لم يمر بسلام بعد أن تعرضت لتقريع وتهديد من جانب هيثم الذي ذكرها بشروط العقد وإلزاميته فرضخت للأمر الواقع باستسلام وخنوع . كما كان لحادث موت العارضة ريماس  بالغ الأثر في نفوس زميلاتها وذلك نتيجة اتباعها لحمية صارمة من أجل التخلص من الدهون، وكسب قوام رشيق إلى أن تدهورت صحتها وأصرت على عدم عيادة الطبيب مما عجل بوفاتها ، ليبرز بعدها ولوج ميادة لمصحة التجميل من أجل تغيير شكل ملامحها ، وجسدها بهدف تحسن مظهرها أكثر فتتربع بذلك على عرش الجمال، وتتجاوز كل منافساتها من العارضات في مجال تتحدد قيمة المشتغلات فيه بميزات يختزلها الشكل والمظهر إلا أن العملية فشلت  وآلت إلى خيبة وانتكاسة : ” كانت قد لُفَّت في إزار أبيض وكان صدرها يعلو وينخفض في بطء ورتابة وأنفاسها تضطرب وتتقطع … ” ص206، وأثَّر ذلك على مظهرها بشكل محبط ومثبط : ” تبدو ميادة كمهرج في سرك له شفة غليظة عظيمة قد تدلت وارتخت إلى الأسفل … لم يتغير شكلها وحجمها فقط بل حتى اللون ازرورق  وأخذ يميل إلى السواد … وإلى حد طمس فيه الجمال والانسجام … ” ص206 ، وعانت من آلام ممضة لم يخفف من حدتها سوى حقن مسكنة . أقبلت بعدها على إرسال رسالة إلى الدكتورة مسرة تشرح لها فيها أطوار علاقتها ب مهند بركات ، وما ورطها فيه من إغراءات خادعة فتحت أمامها أبواب الشهرة والمجد والثراء : ” وقعت في الفخ بعد أن تحدثت مع مهند افتراضيا فاطمأنت إليه روحي وصدقت كل الوعود وحزمت أمتعتي ورحلت وأنا حالمة بعالم الموضة والأزياء والأنوار وأمضيت العقد المشؤوم … هو عقد أذلني وابتزني وأماتني وأنا على قيد الوجود ! “ص199. فتكفلت  مسرة رفقة جابر وثريا بمتابعة ملف قضية ميادة وما تعرضت له من ظلم مبني على النصب والتحايل من لدن مهند بركات الذي، بوازع حس سادي ، دمر حياتها ، وحطم آمالها بعد أن أوقعها في حبال مكره وخداعه ، وفي غمرة ما عاشته من إحباط وانكسار قررت الانتقام منه ، بعد أن قصدت بيته ، فأجهزت عليه بضربات مقص كانت تحمله معها ، إلى أن أردته قتيلا؛ خبر ما فتئ ينتشر فاطلعت عيه مسرة ، وهي جالسة في حديقة منزلها، في صحيفة إلكترونية حيث ورد : ” اغتيل رجل الأعمال السيد مهند بن صالح بركات صباح أمس … وتم التفطن إلى الضحية بعد تنبه الجيران إلى دخان كثيف منبعث من منزله … وقد أكد شهود عيان دخول امرأة منقبة قبيل سويعات من اندلاع الحريق إلى المنزل وأكدت التحريات أن المرأة تسمى ميادة اليونسي … وأنها بعد تنفيذ الجريمة اتجهت إلى شارع الحبيب بورقيبة وفجرت نفسها مستهدفة شاحنة كانت تقل بضائع تنوي توزيعها على المقاهي والمطاعم الموجودة بالمكان … ” ص245.

فالرواية تزخر بمتن قصصي متشابك الخيوط، متداخل الأحداث والوقائع ، وقد ركزنا على قصة حياة ، وابنتها ميادة ، وأيضا قصة هيثم الذي قاده وضعه الأسري ، بعد أن اكتشف حقيقة والديه بالتبني ، وجهله لوالديه الحقيقيين ، فتأكد أن حياته كانت وهما وسرابا ففتح مسارا عن طريق صفحة فايسبوكية دمر من خلالها حية الكثير من الفتيات والنساء ومن ضمنهن ميادة التي سعت لتحقيق حياة أفضل من خلال ثقتها في وعوده التي لم تجن منها سوى الخيبة والانكسار فانتهت حياتهما بشكل مأساوي تجسد في موت بشع ومريع .  

بينما تبقى للقصص الأخرى قيمة سردية ودلالية  يغني متن الرواية ، ويوسع آفاقها وأبعادها بما يعكسه ويصوره من معاناة تختزل قساوة العيش وعسره كما في قصة العاملات في الحقول الفلاحية . وجانب الوعي الذي يفضح ما يتخبط فيه المجتمع من مظاهر الفساد، ويعمل على تغييره ، وهو ما تمثل في شخصيات جابر وزوجه ثريا ، وطاهر وزوجه مسرة ، وشروق : ” الفساد صار بمثابة السرطان استشرى في كامل القطاعات … ” ص187، وتمت الإشارة كذلك إلى أحداث تاريخية كثورة الياسمين التي سُرِقت مكاسبها ، وتم الإجهاز على أهدافها وطمسها : ” ـ منذ ثورة الياسمين أحلام جميلة ولدت فاكتحلت بها المقل وأراها اليوم تجهض في كل يوم … ” ص187، وتم كذلك التنويه بما أنجز في عهد الرئيس بورقيبة  : ” أنا في شارع بورقيبة رمز الحرية وشريان البلاد … كم كنت أود أن أكون فيه لحظة احتشاد الشعب وثورته على الظلم والقهر … “ص236.

 ورغم إغراق الرواية في تفاصيل متوالية في سياق ما زخرت به من أحداث ووقائع لم تقع في مغبة التعابير التقريرية في اعتمادها أيضا على عناصر مثل التذكر حيث نقرأ : ” صمتت وحدقت من جديد في الصورة وسيل من الذكريات نزل نثيثا على فكرها فطفقت تسترجع … ” ص32، في تذكر شخصية حياة صورا من ماضيها ، وتذكر ثريا لبداية علاقتها ب جابر : ” لمعت الذكريات في رأسها وبدأت تتناسل… فاستقرت بها عند شاطئ بو جعفر وقتها كانت طالبة بالمدرسة العليا للمعلمين وجابر طالبا بكلية الحقوق … ” ص126، وجابر في تذكره  لأمه : ” ثم تذكر أمه فأردف : أنظر إلى أمي كيف كانت تستيقظ فجرا فتجدها في الحقل جنبا إلى الوالد ثم تعود إلى البيت وزادها خضر طازجة ، إنها مثل جندي بحوزته غنائم … إنها تنتصب في مطبخها بكل عزم ومحبة … ” ص135، ومقارنتها بزوجته ثريا : ” انشغالها بالبيت والأبناء والضجر والتبرم يجعلني أنفر فأبحث عن سلوتي  في المقهى بين الأصحاب والزملاء ثم أعود ليكون التلفاز نعم السمير والرفيق بعد يوم مضن رتيب … ” ص 135،  وقد حذا به ذلك لتغيير موقفه من الزواج ، ورؤيته له : ” إني صرت أؤمن بأن الزواج فرح يدوم شهرا وبقية العمر فعذاب وعلقم . ثريا التي أحببتها وخلت أنها ستكون خير رفيق درب صارت مثل الشوك يطوقني ويعرقل خطوي فلا تدعمني أو تشجعني … “ص136 .

وتكسيرا لخطية السرد ، وما يمكن أن يشوبه من أسلوب تقريري عمدت الروائية إلى تنويع اللغة باستعمالات مجازية أحيانا : ” يشتد الريح والإعصار بداخلي ويسربلني الصقيع وتكبل طبقات من الجليد خطوي ويتتالى وجيب قلبي  … ” ص17، بحيث يصبح للصقيع قيود تعرقل الخطوات ، وتكبل السير ، وأخرى رومانسية حالمة تمتح من عناصر الطبيعة كالرياض، والريح ،والفراشات : ” رأت نفسها في رياض غناء فسابقت الريح ولحقت بالفراشات … ” ص29، فيجنح بها الخيال إلى رحاب حلم خالت نفسه فيه فراشة تنتقل بين الأزهار ، وتنخرط في جوقة فرح داخل فضاء بهي وضاء مشكل من طيور شادية ، وألوان زاهية : ” فتخالها فراشة حالمة تختال بين الأزهار ثملة تشارك الأطيار الفرح والاحتفاء ببهاء المكان والألوان . ” ص29، وتصوير منظر شاطئ البحر في المساء : ” كان قرص الشمس القرمزي يلفظ أنفاسه الأخيرة والبحر فاغر فاه يلتهمه ببطء … وقد انعكس لونه على صفحات الكون فبدا الشفق أحمر ، وشرع غسق الدجى يبتعد ليظهر ويلبس الموجودات كساءه الجميل الأسود ، وسكنت الكائنات لتطبع الكون بالهدوء … ” ص127، وهي صور صيغت في أسلوب مجازي شفاف يبهر العقول ، ويسحر القلوب في توليفة تصور لحظة غروب الشمس ، وانعكاس ألونها على صفحة البحر ، وما يلوح في آفاقه من امتدادات مبهرة ومرهبة . هذا النفَس الرومانسي الذي تختزله عبارات مثل : “ديدنه أن يمضي في النبت نسغه وفي الزهر رحيقه ويرميه عصفا تتقاذفه رياح الحياة … ” ص217، وبعيدا عن الأسلوب الرومانسي الحالم وردت تعابير تمتح من معجم تراثي كما في تصوير ارتفاع الحرارة ، واشتداد القيظ ، ومدى تأثير وطأته على العمال  المشتغلين في حقول الفلاحة  : ” ها هو السراج الوهاج قد تربع على العرش فاتخذ الكائنات وقودا : عينه قبس نار متأجج ينفث وقده ولهيبه ، وأشعته نبال باتت ترشق الكون من عل بجمر متضرم لتغرقه في صهد ولظى وهجير … ” ص182، فما كان منهم إلا البحث عن ظل يقيهم لهيب الحر المتزايد : ” كانت أجساد العمال في الحقول تلتهب وكأن الشمس تتشفى فيهم وتتسلى بشي الجلود وحرقها فكنت تراهم يهرعون إلى الاحتماء تحت ظلال الأشجار علها تقيهم وقدة الهجير مثلما يخفون أجسادهم تحت الأثواب توقيا من أذى الحر … ” ص182.

ف “شباك العناكب” رواية بزخم أحداثها وشخوصها ، وامتداد فصولها تصور أشكال المعاناة لدى أسر معوزة أنهكها ضنك العيش ، وأضناها الفقر والحاجة فتسلحت بالصبر والكد لكسب قوتها ، وإعالة أسرها . وكشفت ما يسود المجتمع من فساد متعدد المظاهر والتجليات ، وسبل مواجهته والعمل على استئصال شأفته بشتى الطرق الممكنة، والسبل المتاحة.

ـ  شباك العناكب (روايــة ) عفاف قاسم ــ دار خريف للنشر ـ تونس2025

شارك هذا الموضوع

عبد النبي البزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!