الملك لا يثق في السياسيين.. فماذا بقي للشعب؟

الملك لا يثق في السياسيين.. فماذا بقي للشعب؟

عبد الرحمان الغندور

       سأكون في هذا المقال “عياشا” راديكاليا، لن أطالب بملكية برلمانية، ولن أدعو إلى نظام يسود فيه الملك ولا يحكم، وسأدعو فقط إلى احترام “الإرادة الملكية” وتجريم كل من لا يحترمها ويعبث بتعليماته وتوجيهاته التي سمعها كل المغاربة ولم يروا لها أثرا في واقعهم.

وأدعو “العياشة الأصوليين” وكل دعاة الثوابت الله، الوطن، الملك، وحماة “المقدسات” إلى رفع أصواتهم المبحوحة بالتمجيد والتقديس إلى قول حقيقة ما يقوله الملك. وجل كلام هذا المقال هو استشهادات من أقواله في خطب ملكية رسمية، والتي وضعتنا في العديد من المناسبات أمام تشريح جراحي للجسد السياسي والمؤسساتي المغربي، تشريحٌ لم يترك منطقة ظل إلا وسلط عليها الضوء، متجاوزاً لغة الدبلوماسية المعهودة إلى لغة النقد المباشر والصادم الذي يضع الجميع أمام مرآة الحقيقة.

فالمتأمل في واقع المغرب اليوم يجد نفسه أمام مفارقة بنيوية حارقة، تتمثل في ملكية تضع رؤى استراتيجية وتحقق نسبيا نجاحات دبلوماسية واقتصادية لا يمكن انكارها، مقابل طبقة وسيطة سياسية وإدارية تبدو وكأنها تعمل خارج سياق الزمن، أو في تضاد صارخ مع الإرادة العليا للدولة ومصالح المواطنين.

وقد عبر ملك البلاد عن هذا التناقض بمرارة واضحة حين قال: “نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها. فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين، ك”بوينغ” و “رونو” و “بوجو” ، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم“.

إن هذا الاعتراف الرسمي بـ “الخجل” من النتائج الاجتماعية هو تقييم واضح، بل هو تعرية كاملة لفشل السياسات العمومية التي تديرها المؤسسات التنفيذية، والتي لم تنجح في تحويل المكتسبات الكبرى إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

ويزداد الوضع تعقيداً حين نلامس سيكولوجية الهروب من المسؤولية التي تنهجها النخب، وفي هذا، يوضح الملك هذا الانحراف بقوله: “فالتطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة. فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للإستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه“.

هذا السلوك الانتهازي أدى بالضرورة إلى طرح تساؤلات صادمة حول جدوى المنظومة المؤسساتية برمتها، فإذا كان كل قرار يحتاج لتدخل ملكي، وإذا كان المسؤولون يختبئون عند كل إخفاق، فإن ذلك يفرغ الدستور والانتخابات من محتواهما، وهو ما لخصه ملك البلاد باستنتاج مؤلم للواقع حين قال: “… وأمام هذا الوضع، فمن حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟. فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل….وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟“.

لقد وصل التشخيص الملكي إلى ذروة الصرامة حين وجه نداءً أخيراً لهذه النخب يضعها بين خيارين لا ثالث لهما: “كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا”. هذا النداء يعكس حجم الهوة بين تطلعات العرش وأداء المحيط المؤسساتي، حيث لم يعد الصراع السياسي في المغرب صراع برامج وتنافس شريف، بل تحول إلى معارك “سياسوية” ضيقة تضر بالوطن، وهو ما رصده الملك بدقة حين قال: “… إن بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية. أما عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها. وهذا شيئ غير مقبول،من هيآت مهمتها تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم. ولم يخطر لي على البال، أن يصل الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية، إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين“.

إن أزمة المغرب الكبرى ليست تقنية في مجال التدبير، أو مالية في مواجهة العجوزات فحسب، بل هي أزمة “ضمير” لدى المسؤولين الذين يؤدون القسم دون الالتزام بتبعاته، وهو ما عبر عنه الملك بلغة استنكارية غير مسبوقة لما صرح رسميا: “أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بانه ليس له ضمير. ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله، والوطن، والملك، ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟…وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة“.

وفي ظل هذا التوصيف الذي يتجاوز في حدته خطاب المعارضة الأكثر راديكالية، يتضح أن هناك “قوى ممانعة” داخل بنية الدولة والإدارة والطبقة الحزبية تفضل الحفاظ على مكاسبها الضيقة، حيث يقول الملك موضحاً: “أننا لاحظنا تفضيل أغلب الفاعلين، لمنطق الربح والخسارة، للحفاظ على رصيدهم السياسي أو تعزيزه على حساب الوطن، وتفاقم الأوضاع. فتراجع الأحزاب السياسية وممثليها، عن القيام بدورها، عن قصد وسبق إصرار أحيانا، وبسبب انعدام المصداقية والغيرة الوطنية أحيانا أخرى قد زاد من تأزيم الأوضاع“.

إن هذا الكلام يمثل أكبر عربون على الإفلاس الشامل لكل مكونات المنظومة التي آثرت الصمت والهروب بدلاً من مواجهة الحقيقة، مما يجعل المغرب اليوم في مواجهة حتمية مع سؤال الإصلاح الجذري الذي يربط بين إرادة الملك وتطلعات الشعب بعيداً عن وسائط أثبتت التجربة والخطاب الرسمي أنها لم تعد أهلاً للثقة.

إن تعميق القراءة في الخطابات الملكية يفرض علينا مواجهة الحقائق العارية التي تعيشها الإدارة والمؤسسات المغربية، حيث لم يعد الفساد مجرد حوادث معزولة، بل تحول في كثير من الأخطبوطات المؤسساتية إلى “نظام موازٍ” يربط السلطة بالمال ويشرعن الاثراء غير المشروع. إن هذا التزاوج الهجين بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية الضيقة هو الذي يفسر لماذا تظل التعليمات الملكية حبراً على ورق في كثير من الأحيان، إذ تصطدم بجدار من المصالح التي ترى في الشفافية والمساءلة تهديداً لوجودها. وفي هذا السياق الصادم، جاءت كل الصرخات والغضبات والتشخيصات التي قدمها الملك في العديد من المناسبات.

إن الواقع الذي تحدثت عنه أعلى سلطة في البلاد، هو النتيجة الطبيعية لاستشراء المحسوبية والرشوة التي تنخر الصفقات العمومية والمشاريع التنموية، حيث تتحول المناصب والمسؤوليات إلى غنائم سياسية تتقاسمها الولاءات الحزبية بعيداً عن معايير الكفاءة والنزاهة. وهنا تبرز ظاهرة “الاختباء” التي فضحها الملك، حيث يستغل المسؤولون غطاء الدولة لمراكمة الثروات، وعند المساءلة يلوذون بالصمت أو يحتمون بالمؤسسة الملكية.

إن غياب الشفافية في تدبير المال العام، وتفشي الرشوة في دواليب الإدارة، وصلا إلى حد جعل المواطن، وخاصة الشباب، يفقد الثقة تماماً في العملية السياسية، بعدما رأى “لصوص المال العام” يتصدرون المشاهد والمناصب دون حسيب أو رقيب. هذا الواقع الموبوء هو الذي دفع الملك للتساؤل بحرقة عما تبقى من جدوى للمؤسسات في ظل هذا الانفصال عن هموم الشعب.

لقد دق الملك ناقوس الخطر أمام طبقة سياسية أدمنت “تبييض” عجزها عبر الصراعات الحزيوية التي تخفي وراءها صراعاً على مراكز النفوذ والمال، مطالباً إياهم بالتنحي إذا لم يستطيعوا تطهير صفوفهم من المفسدين.

وفي ظل هذا “الإفلاس الأخلاقي” لبعض الأحزاب التي تحولت إلى دكاكين انتخابية تبيع التزكيات لمن يدفع أكثر، وتخدم مصالح لوبيات العقار والمال بدلاً من المواطن، يشخص الملك بمرارة التراجع المخيف في منسوب الغيرة الوطنية لصالح منطق الغنيمة.

إن هذا التشخيص الملكي هو الإدانة الأسمى لمنظومة جعلت من الريع والفساد عقيدتها، تاركةً الوطن يصارع في “واد” والمسؤولين الغارقين في الاثراء غير المشروع في “واد” آخر.

خاتمة القول، إننا لا نزايد على الملك، فتعليماته التي استعرضناها واضحة بما فيه أكثر من الكفاية، لكننا من حقنا ان نتساءل عن دور الملك كراع للدستور ومسؤول أول، في تفعيل القانون في حق من لم يحترموا تعليماته، ولم يعملوا على تنفيذها وانزالها لأرض الواقع. من حقنا ان نعتبر كل الذين داسوا التعليمات الملكية أنهم أجرموا في حق الملك والوطن وعموم المغاربة، ويتعين مقاضاتهم بتفعيل المادة الدستورية التي تربط بين المسؤولية والمحاسبة. وبدون هذا التدخل الملكي فإن منطق الشك وعدم الثقة سيصبح شاملا ولن يبقى للمواطن المغربي أي ملجإ يلجأ إليه.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!