الاحتفالية: الثوابت الفكرية والمتغيرات التاريخية
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
في هذا البدء الجديد، لا بأس بأن أذكر بما يلي، وهو أن هذه السلسلة الجديدة، من هذه الكتابة الاحتفالية الجديدة والمجددة، قد جاءت بعد السلسلة الأولى، والتي بلغت في مجموعها أكثر من مائة مقالة، ولعل أهم ما يميز هذه السلسلة الجديدة هو أنها تندرج ضمن عنوان رئيسي وأساسي واحد، والذي هو: (الاحتفالية في التاريخ والتاريخ في الاحتفالية).
والاحتفالية في التاريخ هي حقيقة مؤكدة، ووجودها في هذا التاريخ قديم جداً، وهي بهذا قديمة قدم الإنسان في التاريخ، وحتى في ما قبل التاريخ، وهي قديمة قدم الفرح الإنساني في الوجود، أما التاريخ في الاحتفالية فهو هذا الاهتمام الذي توليه الاحتفالية، فكراً وعلماً وأدباً وصناعة، للمتغيرات والتحولات في التاريخ، والتي يسميها الاحتفالي باسم (هزات العصر) والتي خصها بكتاب خاص يحمل عنوان (الاحتفالية وهزات العصر).
واليوم، يقول لكم الاحتفالي ما يلي: إن تاريخ هذه الاحتفالية ليس تاريخاً واحداً، ولكنه تاريخان اثنان متكاملان، ويخطئ من يظن أن هذه الاحتفالية هي مجرد ورقة واحدة في كتاب واحد، له عنوان واحد، وله مضمون واحد، وله موضوع واحد، وله معنى واحد، وله سياق واحد، وله سؤال واحد، وله مسألة واحدة، وله مناخ ثقافي وعلمي وجمالي واحد، وله علم واحد وفن واحد.
ونعرف جميعاً أن التاريخ الأول لهذه الاحتفالية قد (مضى) أما التاريخ الثاني فسوف يأتي، ابتداء من الساعة القادمة، أو من الأيام القادمة، أو من الأعوام القادمة، وبالتأكيد فإن الآتي في تاريخ هذه الاحتفالية هو الأصدق، وهو الأجمل وهو الأكمل وهو الأنبل، وبخصوص ذلك التاريخ الذي نقول بأنه مضى، فإنه في الحقيقة مازال موجوداً في الكتابات، ومازال حاضراً في الإبداعات، ومازال مجسدنا ومشخصنا في الاحتفاليين المؤسسين، ومازال قائماً في المواقف الاحتفالية المبدئية، والتي سجلت في سجلات التاريخ بمداد الصدق والمصداقية وبمداد الثبات على الثوابت الإنسانية والمدنية الخالدة.
ويعرف التاريخ المعاصر أحداثاً صادقة وأخرى كاذبة، ويصدق الاحتفالي بعضها ويكذب بعضها الآخر، وتشتعل في العالم حروب ساخنة وأخرى باردة، ويتفاعل معها الاحتفالي بكثير من النقد ومن العقلانية، ونعرف ربيعاً عربياً جاء في غير وقته، إذ جاء في فصل الشتاء، فصدقه الجميع ولم تصدقه الاحتفالية، لأنه هوجة غير منظمة، ليس لها فكر ولا فعل تفكير ولا منظومة فكرية واضحة، وكل ما فيها هو وجود حناجر شباب يصرخ بكلمة واحدة هي (ارحل) ورحل حاكم فاسد وجاء من هو أسوأ منه، وذهب عسكري وجاء عسكري غيره، وماذا تغير في المسرح المغربي والعربي سوى الشعارات؟
لقد انخدع كثير من المسرحيين المغاربة والعرب بحدث عربي عابر في التاريخ العربي العابر، وحاولوا أن يؤسسوا عليه مسرحاً عربياً جديداً، أو حساسية مسرحية جديدة، فكانت النتيجة هي اللا شيء، وهي اللاجديد، لأن ما بُني على شعارات سياسية ظرفية عابرة، لا يمكن أن يعطي نماذج مسرحية أو شبه مسرحية عابرة.
الاحتفالي بين الواقعي والحقيقي
وتؤكد الاحتفالية على المبدأ التالي، وهو أن الوقائع في الواقع شيء، وعلى أن الحقيقة في العقل الحقيقي وفي التفكير الحقيقي شيء آخر، وعليه، فإن ما يأتي في الإعلام ليس حقيقة كله، وهذا ما يجعل الاحتفالي يتحفظ أمام كثير من الأحداث المشبوهة وغير المؤكدة، وغير الصادقة وغير الحقيقية.
وعليه، فليس كل ما يقال في الإعلام وفي أسواق الكلام صحيح، وليس كل ما يكتب هو عين الحقيقة، وهذا الاحتفالي، المؤمن بالمعاني الجميلة وبالقيم الفكرية والجمالية الصادقة والحقيقية هو الذي قال ما يلي:
- احذروا أحلام اليقظة، واعلموا أن من يشرب الماء في الحلم لا يرتوي.
- وأن من يشرب ماء البحر المالح لا يمكن أن يرتوي أيضاً.
- وأن من يشرب ماء السراب لا ينتظر أن يرتوي في يوم من الأيام أو في عام من الأعوام.
- وأن من يدور داخل دائرة مغلقة فإنه لن يصل أبداً إلى أي مكان، وأنه سيبقى دائماً عند درجة الصفر وهو لا يدري.
وهذا الاحتفالي أيضاً، العاشق للاحتفال والعيد، هو نفسه الذي قال: ليس كل ما قد نحسبه عيداً هو عيد فعلاً، وقد لا يكون الاحتفال فيه احتفالاً حقيقياً، ويكون مجرد فعل روتيني وبروتوكولي، بلا روح وبلا حياة وبلا حيوية، وبلا مذاق وبلا معنى.
- واحذروا الألوان الزاهية التي قد تخدع العين، واعلموا أن كل ما يلمع ليس بالضرورة ذهباً، وأن كل ما يقال من كلام لا يمكن أن يكون صادقاً في كل الحالات والمقامات، وليس في كل الكتب يمكن أن توجد المعرفة وتوجد الحكمة، وليس في كل مسرحية يمكن أن نجد المسرح الحق، ونجد الحقيقة المسرحية.
وفي كتاب (التيار الاحتفالي في المسرح العربي الحديث) يرد العنوان الفرعي التالي (الاحتفالية هزة ثورية أولاً) وفيه يمكن أن نقرأ ما يلي: (وبخلاف ما يمكن أن يعتقده النقد المدرسي، فإن الأمر بالنسبة لهذه الاحتفالية لم يكن يتعلق فقط بإيجاد مسرح خاص، وذلك بمواصفات وبتقنيات وبآليات خاصة، وذلك لأن طموحها كان ـ وما يزال ـ أكبر من هذا وأخطر من هذا، وهي لم تسع إلى تجديد الفنون فقط، لأن الأساس هو تجديد الحياة، وعليه، فإن هذه الاحتفالية قد راهنت أساساً على تثوير الحياة أولاً، وذلك بحثاً عن المدينة الاحتفالية، وبحثاً عن المجتمع الاحتفالي، وبحثاً عن الزمن الاحتفالي، وبحثاً عن المواطن الاحتفالي، وبحثاً عن المؤسسة الاحتفالية، وبحثاً عن المناخ الاحتفالي، وبحثاً عن الأخلاق الاحتفالية، وبحثاً عن العلاقات الاحتفالية، ولقد اقتنع الاحتفالي أن ما تسعى إليه هذه الاحتفالية هو شيء ممكن الوجود، إن لم يكن اليوم فغداً أو بعد غد، أو في يوم من الأيام، أو في عام من الأعوام، ولقد تردد في الكتابات الاحتفالية أن كلمة مستحيل ليست كلمة احتفالية، وبأنه لا وجود لها في معجمها الحافل بالحياة والحيوية، ولعل هذا هو ما يفسر أن يكون أول كتاب في الاحتفالية يحمل عنوان “حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي”، وبحثاً عن هذا الممكن، الغائب والخفي، أسست هذه الاحتفالية وجودها ومسارها في التاريخ المعاصر).
وهي اليوم تهفو إلى الآتي بالقفز على الآني، وتنطلق من (نقد الكائن بحثاً عن الممكن، انطلاقاً من الإيمان بأن الآتي هو الأجمل والأكمل دائماً، وبأن هذا الواقع مسكون بالزيف، وأن الحقيقة تحتاج إلى الكشف والمكاشفة، وتحتاج إلى المغامرة الوجودية الصادقة).
وهل يمكن أن تكون هذه الاحتفالية إلا مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهل تأسست هذه الاحتفالية إلا على السؤال الهمليتي الشهير: أكون أو لا أكون؟ وكان جواب الاحتفالي هو: (لقد كنت وأكون، وسوف أكون، وينبغي أن أكون، وليس لي أي اختيار آخر سوى أن أكون).
عنوان مؤقت
وفي حوار صحفي سابق، في جريدة (العين الإخبارية) بالإمارات، يرجع إلى سنة 2019 يكتب الصحفي عبد الكريم حجراوي في العنوان (عبد الكريم برشيد: العدالة الاجتماعية قضيتي الأولى). والعدالة هي أساس الحياة وهي أساس الوجود وهي أساس كل إبداع أدبي أو فكري أو علمي أو جمالي، أما السؤال الأول، في هذا الحوار، فقد كان هو: (ما الأسس التي يقوم عليها مسرحك؟).
وفي الجواب أقول: (كل أعمالي المسرحية قائمة على أساس التفاعل مع الواقع، ومع الحياة، ومع الوجود، وأعتبر نفسي كاتباً مسرحياً من هذا الزمان الذي يعيش فيه الناس، لينصتوا إلى نبض الحياة ونبض التاريخ، محاولاً أن أجيب على عدد من الأسئلة، هي بالأساس أسئلة وجودية، واجتماعية، وفكرية، وسياسية. هناك تداخل بين عالمين، عالم عربي نعيشه وهو الأقرب، وهناك عالم أوسع، وهذا العالم الكوني وما به من حروب ومتغيرات ومن قضايا هو ما يشغلني، وتبقى مسألة وضع الإنسان الاجتماعي هي قضيتي الأولى).
أما السؤال الثاني فهو: (كيف أثرت المتغيرات العلمية على قضيتك في المسرح؟). وفي الجواب أقول: (بالطبع هناك متغيرات علمية لم تكن معروفة من قبل، فقد تربينا مع الراديو ثم جاء التلفزيون، ثم جاءت كل هذه الوسائط المتعددة، وبدأنا نشعر أن هناك هجمة على القيم الإنسانية النبيلة، والأمر الأخطر هو تشييء الفنون، وتحويل كل شيء إلى بضاعة، فحتى الإنسان أصبح سلعة، فعندما يصبح الفنان المبدع وسيلة لإعلان صابون أو معجون أسنان فأين هي كرامة الفنان، وأين هي قيمة الفن الجمالية، والحداثية والإبداعية؟).
أما السؤال الثالث فهو: (هل بذلك نستطيع القول إن رسالة المسرح في القرن الـ21 أصبحت عالمية؟). وفي الجواب أقول: (أرى أن مهمة الفنان في القرن الـ21 أكبر أو أخطر، ويجب ألا تقتصر على المستوى الوطني أو القبلي والإثني، لأننا كلنا ننتمي إلى هذا الكون، أو إلى هذا الكوكب الذي يسمى الأرض، ومصيره هو مصيرنا، فعندما نجد انتخابات في دولة أوروبية يصعد فيها اليمين المتطرف الحاقد، والذي يحارب المهاجرين ويدعو إلى نبذهم هذا يقلقنا بكل تأكيد، وعندما تحدث مثل هذه الانتخابات في كثير من الدول العظمى نتخوف من أن يصعد مجنون مثل هتلر إلى الحكم، وهذا ما جعلنا نعيش لحظات مرعبة رغم بعد هذه الانتخابات عنا).
ولقد جاء السؤال الرابع على الشكل التالي: (ما دور التراث في تسليط الضوء على القضايا المعاصرة مسرحياً؟). وفي الجواب يقول الاحتفالي: (التراث له دور كبير، فنحن بحاجة إلى إعطاء الناس الحق في أن يفكروا دون تكفير أو تخوين، بعد النكسة كتبت مسرحية “عنترة في المرايا المكسرة” استحضرت شخصية عنترة بن شداد. عنترة قوي ولكن في زمن الانكسارات، يطلب منه كما يطلب من الشعب أن يدافع عن وطنه وهو المهزوم من طرف وطنه، فكيف للمهزوم أن يفعل؟ إذا كنت أنت في وطنك تشعر بأن الحاكم يظلمك ولا يعطيك حقك فكيف تبحث أن تقاتل عدواً أجنبياً خلف الأسوار؟ الأساس هو العدالة الاجتماعية، وأن تشعر بأن لديك كرامة، حق في التعليم، في الصحة، وأن وطنك يقدرك، لذا ستحارب من أجله وستموت من أجله، أما أن تجد وطنك يدفعك للهروب منه، والموت في قوارب الموت، فنحن بحاجة إلى منظومة فكرية جديدة ومنظومة علاقات إنسانية أخرى).
الاحتفالي المبدع والأحداث التاريخية
ويتواصل الحوار، ويستمر الحفر في روح وفي وجدان وفي عقل المفكر والمبدع الاحتفالي، وفي السؤال الخامس يقول الصحفي ما يلي: (كيف انعكست الأحداث السياسية المعاصرة على مسرحك؟).
وفي الجواب يقول الاحتفالي: (كتبت نص “يا ليل يا عين” بعد الانفجار الإرهابي الذي وقع في الدار البيضاء عام 2004، المسرحية تدور في ليلة واحدة في حي به فنادق ومقاهٍ وأناس يعيشون، وفيهم عميان يدعون أنهم عميان وفيهم عميان بالفعل، وآخرون عميان بشكل إرادي، وأيضاً هناك عميان عماهم فكري ونظري ورمزي، وطرحت فيها هذا المنظور بأنه يجب أن نرى أولاً، لنمشي ونختار ينبغي أن نرى، ليس فقط بعيوننا، وإنما ببصيرتنا وقلوبنا ووجداننا، فإما نكون أمة العميان ونخلط بين الأشياء، بين الدين والفن، ونحارب الفن باسم الدين والدين بريء من ذلك، وأن نسمي الإرهاب جهاداً.. هذه نظرة إنسان مريض لديه نزعة عدوانية للقتل وسفك الدماء، وينسبها إلى الله ويقول الله أكبر، والله أكبر من فعله. المطلوب من المسرح العربي أن يحارب الإرهاب والأفكار المريضة، والمتخلفة، والتي بها أكاذيب بمنطق حقيقي، وأن يشعر الناس أن أجمل ما في هذا الوجود الحياة وأخطر ما فيها هو أن تُنزع هذه الحياة، لقد خلق الإنسان لكي يحيا ويفرح ويسعد من أجل أن يكون غنياً كما قالها الكاتب والشاعر الكبير صلاح عبدالصبور في مأساة الحلاج: الله غني فكونوا أغنياء، الله قوي، فالإنسان في وطنه يحب أن يكون قوياً يكون عالماً بصيراً. فالإسلام ليس كيف تتوضأ وكيف تصلي، ولكن كيف تعيش، وكيف تحيا بكرامة).
ويرد السؤال السادس كما يلي: (كيف ترى حال المسرح العربي؟). ويقول الاحتفالي في الجواب: (حال المسرح العربي هو حال كل العرب، هناك تجريب ولكنه غير مبني على أسس علمية، نحن نجرب الاشتراكية، وإذا لم تصلح نذهب إلى الليبرالية أو الرأسمالية، فليس هناك تصور واضح، ينبع من السؤالين: من نحن؟ ماذا نريد؟ وفي المسرح العربي ينبغي على المسرحي أن يسأل نفسه من أنا؟ أنا عربي أعيش في القرن الحادي والعشرين، في أمة تكالبت عليها قوى متعددة، عانت من الاستعمار من الإقطاعيين الانتهازيين.. إلخ، فيجب أن يكون لي كلمة حول ذلك، وإلا ما الداعي لأن أستدعي الناس إلى مسرحية كي أقول لهم كلمة ولا أقول لهم شيئاً، لذا يحضرني قول صلاح عبدالصبور “هل يرضيك يا ضيفي أن أدعوك إلى مأدبتي ولا تجد إلا جيفة؟”).
وما أكثر الموائد الفارغة في المأدبات الاحتفالية الكاذبة.
