المسكوت عنه في حياة الموسيقار (1)
اسماعيل طاهري
لماذا لم أكتب عن رحيل عبد الوهاب الدكالي فور التأكد من صحة الخبر؟
هل الأمر يتعلق بصدمة نفسية انتابتني؟
هل اشتغل اللاشعور لدي خصوصا وأنني انسان ايديولوجي وحيوان سياسي كأي إنسان عاقل على وجه البسيطة؟
الموسيقار عبد الوهاب الدكالي فنان كبير في حد ذاته، ويستحق عن جدارة لقب عميد الأغنية المغربية، ولكنه وظف في آلة بروباكاندا ” العام زين” لعقود. وكان من حواريي البلاط، ولم يسمع عنه ان قال كلمة دفاعا عن الشعب المقهور..أو ساند القوى الديمقراطية.، ففي الوقت الذي كان المدافعون عن الديمقراطية يذوبون في تازمامارت والسجون السرية والعلنية والمنافي، كان الدكالي يؤثث سهرات القصر ويحظى بالنعم والمال خارج شباك التذاكر..
في الوقت الذي كانت الشوارع تمشي بالدم، كان الدكالي يزين وجه الثقافة السائدة الثقافة المخزنية العتيقة.
وعندما جاء العهد الجديد، وتم إغلاق دار البريهي في وجه الفنانين ثم حل الجوق الوطني وتسريح أعضائه لم يجرؤ الدكالي على انتقاد الوضع. وساهم في تأسيس نقابة للفنانين لكنها وغيرها من النقابات الفنية تم تهميشها.
وعندما أحس بالتهميش خرج قبل سنوات في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يشتكي من إقصائه من الظهور في التلفزيون الرسمي. ولم يتغير الوضع حتى رحيله المفاجئ دون أن يقول لنا الجواب عن سبب الإقصاء.
وحتى عندما رعت وزارة الثقافة ظاهرة التفاهة ومهرجانات “طوطو” خرج الدكالي لينتفض ضد الوضع ويرفع دعوى قضائية لمحاربة التفاهة لكن الملف بقي معلقا وفهم الدكالي أن الوضع تغير فعمد الى تأسيس متحف يضم مقتنياته وميدالياته وملابس سهراته وصوره التي تؤرخ لتجربته الغنية. ولم يلق أي دعم رسمي من وزارة أو جهة رسمية.
حاول الدكالي في السنين الأخيرة أن يتحرك منفردا أو من خلال نقابة الفنانين دفاعا عن اختيارات جيله الفنية لكنه تحرك في الوقت الميت لأن رجال العهد الجديد لهم رأي آخر في لعبة الثقافة والسياسة.
عبد الهادي بلخياط ونعيمة سميح وعبد الوهاب الدكالي ومحسن جمال وعبد المنعم الجامعي ومحمود الإدريس وفتح الله المغاري وعدد من الملحنين الكبار وكتاب الكلمات دفعوا ثمن رفع الدعم الرسمي عن الأغنية العصرية المغربية وإيقاف الانتاج في التلفزة والاذاعة المغربية وما تبعه من قرارات مجنونة نظير تسريح الجوق الوطني وحل الاجواق الجهوية العصرية وحتى أجواق الطرب الأندلسي والغرناطي والملحون.
أفهم جيدا أن الأغنية العصرية في المغرب أو خارجه، لا يمكن أن تزدهر دون دعم النظام القائم لها، بل يستحيل قيامها خارج بنيات الدولة من إذاعة وتلفزة ووزارة الثقافة وسلطات محلية، وهذه مأساتها الوجودية. وبرفع الدعم عن الأغنية العصرية منذ بداية عهد محمد السادس بالمغرب سنة 1999, رأينا كيف تراجعت تدريجيا كما وكيفا وتفاقم الأمر في السنوات الأخيرة. ومعظم روادها ماتوا فنيا قبل موتهم البيولوجي. وأغلبهم رحلوا وفي قلوبهم غصص.
