رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنية: حول هيبة الخطاب وأزمة المعنى

رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنية: حول هيبة الخطاب وأزمة المعنى

  المختار عنقا الادريسي           

         السيد الوزير المحترم،

     أتحدث إليكم بصفتي فاعلاً تربوياً، تنقلتُ بين كل محطات المسار التعليمي ببلادنا، من معلم بالقسم إلى أستاذ لمادة الاجتماعيات، فمرشداً تربوياً ملحقاً بمركز تكوين الأساتذة، ثم مفتشاً للتعليم، وانتهى بي المطاف إلى المسؤولية الإدارية “نائباً لوزارة التربية الوطنية”. كما كان لي شرف رئاسة جمعية مفتشي التعليم، والانخراط في عدد من أوراش التفكير والفعل التربويين، أبرزها عضويتي ضمن الفريق الوطني الذي أعدَّ وثيقة الاختيارات والتوجهات الكبرى، ناهيك عن المساهمة في التكوين وإعداد الوثائق المتعلقة بإدماج التربية على حقوق الإنسان ضمن مناهجنا التعليمية.

وانطلاقاً مما راكمته خلال معايشتي الدقيقة لتفاصيل المدرسة المغربية، ومن الترافع داخل الفضاءات المؤسساتية والمدنية، أجدني اليوم ملزماً بتوجيه هذه الرسالة المفتوحة لكم، بعد أن كنت قد وجهت لكم رسائل سابقة حول:

  • مشروعكم التربوي الشامل، وأولويتكم الفعلية في إصلاح منظومة التعليم.
  • اعتمادكم على مصطلحات غريبة عن اللغة العربية.
  • تصريحكم الذي تدعون فيه الآباء قائلين: [هزوا أولادكم من المدارس العادية نحو مدارس الريادة ولو كانت بعيدة عن سكناكم].

السيد الوزير المحترم،

تحية تقدير واحترام، لقد سبق لي في رسالة موجهة إليكم أن عبرت عن قناعة راسخة مفادها أن المغاربة لم يعودوا ينتظرون من المدرسة لغة الأرقام وحدها، فهي ليست مجرد مؤشرات إحصائية أو تقارير تقنية، بل هي قبل كل شيء فضاء إنساني حي، تتقاطع داخله أحلام التلاميذ والتلميذات، وتضحيات الأساتذة، وأعباء الإداريين اللامتناهية، وجهود المفتشين المضنية، وانتظارات الأسر الباحثة عن أفق أفضل لأبنائها وبناتها.

ومن هذا المنطلق، أجدني اليوم قد تابعتُ -مثل كثير من المهتمين بالشأن التربوي- إحدى مداخلاتكم الإعلامية الأخيرة التي قلتم فيها باللهجة العامية المغربية: 【عندنا واحد الطريقة ديال النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير…】. وهو تصريح ينضاف إلى ما سبق أن جادت به قريحتكم عندما تلفظتم بكلمة 【النجوح】 في أحد حواراتكم السابقة. وذاك جميعُه توليدٌ أو نحتٌ لغوي أثار الكثير من الاستغراب والتساؤل لدى فئات واسعة من المتتبعين والفاعلين التربويين، ليس فقط بسبب نسجه اللغوي المرتبك، ولكن أيضاً بسبب دلالته الرمزية في سياق يرتبط بمكانة الخطاب التربوي عندكم، وأنتم الوصيُّ على هيبة المؤسسة التعليمية.

السيد الوزير المحترم،

إن تدبير الشأن التربوي في زمن التحولات المتسارعة ليس بالأمر الهين، كما أن التواصل الارتجالي قد يُوقِع أي مسؤول عمومي في تعبيرات لا تعكس دائماً بدقة ما يقصده. غير أن حساسية قطاع التعليم تجعل للكلمة وزناً خاصاً، لأن المجتمع ينظر إلى الخطاب التربوي باعتباره امتداداً طبيعياً لهيبة المدرسة ولمكانة المعرفة داخل الدولة. ولعل ما يحتاجه المغاربة اليوم -أكثر من أي وقت مضى، السيد الوزير- هو الخطاب الواضح المتزن والقادر على تقريب الرؤية الإصلاحية إلى الرأي العام بلغة بسيطة وعميقة في ذات الوقت، لغة تعزز الثقة بدل أن تفتح باب الالتباس وسوء الفهم.

فالمدرسة المغربية اليوم أعياها أن تعيش أزمة معنى قبل أن تعيش أزمة منهاج، وإن أي إصلاح لها لا يمر عبر البرامج والمناهج والهندسات البيداغوجية فحسب، بل يمر عبر بوابة إعادة الثقة لقيمة المعنى داخل أي خطاب تربوي، لأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما هي تعبير عن وضوح الرؤية ودقة التصور، واحترام ذكاء المتلقي بغض النظر عن موقع تواجده. وإن أي إصلاح يبقى في أمس الحاجة إلى لغة تبني الثقة وتسهر عليها، لا إلى لغة تزيد من حدة الغموض والارتباك، وإلى رؤية تفتح الأفق، وليس إلى تعبيرات تجعل المتلقي يتساءل عما إذا كان المقصود بالتعليم هو الفهم أم مجرد تكرار كلمات لا تستقيم دلالتها.

السيد الوزير المحترم،

إن المسؤول عن قطاع التربية والتعليم لا يمثل نفسه فقط، بل هو صورة للمدرسة المغربية في المخيال الوطني الجماعي، لذلك فإن الكلمة الصادرة عنه ليست تفصيلاً عابراً، لأنها تتحول إلى رسالة رمزية حول مستوى التصور وطبيعة الرؤية، ومكانة الفكر داخل المشروع التربوي الوطني. ولعلمكم السيد الوزير، نقول: لقد تعب رجال ونساء التعليم من كثرة الشعارات، ومن لغة تقنية معقدة -في الكثير من الأحيان- حتى صار الكثيرون يشعرون بأن المدرسة تُدار بمفاهيم مستوردة ومصطلحات ملتبسة، أكثر مما تنهل من أحواض فلسفة تربوية واضحة نابعة من واقع المجتمع المغربي وحاجاته الحقيقية في إطار الاستعداد لمرحلة 2030.

السيد الوزير المحترم،

إن هذه الرسالة لا تروم النقد من أجل النقد، ولا تتوخى التقليل من حجم المجهودات المبذولة داخل القطاع، وإنما تنطلق من غيرة صادقة على المدرسة المغربية، ومن إيمان عميق بأن التعليم كان ولا زال وسيبقى قضية وطنية كبرى تتطلب وضوح الرؤية، ورصانة الخطاب، وعمق الإصلاح.

وفي الأخير، أرجو أن تُقرأ هذه الرسالة باعتبارها صرخة غيرة على المدرسة المغربية، لا موقفاً شخصياً من أي أحد، لأن الشأن التعليمي أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعمق من كل الحسابات الظرفية.

وتقبلوا السيد الوزير فائق عبارات الاحترام والتقدير، مع متمنياتي بأن تستعيد مدرستنا مكانتها كفضاء للمعرفة والأمل.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!