حين تُرْبِكُ اللغةُ المدرسة (1-2)

حين تُرْبِكُ اللغةُ المدرسة (1-2)

 المختار العنقا الإدريسي

كلام للبدء

إن اللغة في عمقها تعبر عن مستوى الوعي بالمدرسة، وعن طبيعة التصور الذي يحكم علاقة الدولة بالمعرفة، بالانسان، بالمستقبل. فحين يتحدث المسؤول التربوي، لا يسمع الناس كلماته معزولة. بل يقرأون من خلالها صورة المؤسسة التي يمثلها، ويستحضرون من خلاله هيبة الدولة وعمق المشروع المجتمعي، الذي يُرَاد للمدرسة أن تنهض به. ومن هنا فان الجدل الذي أثارته بعض التعايير الغريبة، المتداولة في الخطابات الرسمية لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، منذ توليه هذه المسؤولية في 23 أكتوبر 2024. لم تكن مجرد نقاش لغوي عابر، بل تحولت الى مناسبات لطرح أسئلة أعمق تتعلق بأزمة المعنى داخل المدرسة المغربية، وبطبيعة اللغة التي تُدار بها قضايا التربية عامة، والإصلاح البيداغوجي خاصة. فحين تصبح اللغة مرتبكة، والمفاهيم غامضة، والعبارات متعثرة. فان الأمر لا يقف عند بوابة أو حدود التعبير، بل يمتد ليكشف أحيانا عن ارتباك مهول في القناعة والتصور نفسه، وعن فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي وانتظارات المجتمع أولا، والفاعلين التربويين ثانيا. خاصة أن المدرسة باعتبارها فضاء لبناء الوطن وصناعة الوعي، تبقى في أمس الحاجة الى لغة رصينة واضحة بسيطة، مؤسسة على الدقة والعمق والقدرة على الإقناع. لأن التربية لا تبنى بالشعارات المرتجلة، ولا بالمفاهيم الهجينة، ولا بالأرقام الفضفاضة. بل ببناء المعنى وترسيخ الثقة في كل من الكلمة والمؤسسة معا.  

ومن هذا المنطلق تأتي هذه الورقة التأملية مُحَاوِلَة التوقف وقراءة بعض مظاهر الارتباك اللغوي في الخطاب الرسمي الصادر عن الجهة الوصية عن الشأن التربوي، وما تعكسه من أسئلة أعمق تمس علاقة اللغة بالمعرفة، وعلاقة المدرسة بصورة الدولة وهي تتحدث الى مجتمعها وأجيالها المستقبلية.

        أولا:  تأملات في الخطاب التربوي بين مسؤولية الدولة وهيبة المعنى

    ليست اللغة في المجال التربوي مجرد وسيلة للتواصل العابر، ولا مجرد أداة تقنية  تُستعمل لشرح المقررات أو توجيه التعليمات الادارية. بل هي- في العمق – مراة للتصور الفكري، ووعاء للرؤية الحضارية، ولسان الدولة هي ومجتمعها وأجيالها الصاعدة. لذلك فان كل خلل في اللغة الرسمية، أو اضطراب في المفاهيم، أو ارتباك في التعبير، يتحول تلقائيا الى خلل أعمق يمس صورة المدرسة ذاتها، ويُرْبِك الثقة في المشروع التربوي برمته. ومن هنا فان الجدل الذي أثارته بعض التعابير – الغريبة – التي وردت في تدخلات السيد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، منذ توليه الحقيبة الوزارية في 23 أكتوبر 2024. ليس جدلا لغويا هامشيا أو ترفا بلاغيا ، كما قد يعتقد البعض، بل هو في جوهره نقاش يتعلق بطبيعة الخطاب التربوي الرسمي، وبصورة الدولة وهي تتحدث عن المدرسة والمعرفة والتلميذ واللغة والمستقبل. لقد استوقفت الرأي التربوي واللغوي والاعلامي تعابير دخيلة من قبيل: [ النجوح – المهارقة – النمدجة ]، ثم تلك “الحكمة” التي أصبحت متداولة على نطاق واسع، أثناء الحديث عن ما يسمى بمدارس الريادة، والتي  أثارت الكثير من ردود الفعل المتراوحة بين الاستغراب والهزل: [ باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير ]. وهي عبارة لم تُثِر الاستغراب بسبب استعمال الدارجة المغربية في حد ذاتها، فالدارجة – كما يعلم الجميع – جزء حي من الوجدان الثقافي المغربي، ولها مشروعيتها الاجتماعية والتواصلية. ولكن لأن العبارة نفسها بدت مضطربة الصياغة، غريبة البناء، غامضة الدلالة، ومفتقرة للحد الأدنى من الوضوح المنطقي والنسج التركيبي اللغوي الذي يُنْتَظر من خطاب رسمي صادر عن أعلى مسؤول تربوي في البلاد.

       ثانيا: حين تتحول اللغة من أداة إيضاح إلى مصدر غموض

         إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الخطاب التربوي هو أن تتحول اللغة من أداة للفهم الى مصدر للالتباس. فالسيد الوزير بحكم موقعه، لا يتحدث بصفته الفردية أو الشخصية، بل باعتباره ممثلا لمؤسسة الدولة، وصوتا لقطاع حساس يمس ملايين التلاميذ والأسر والمدرسين والاداريين بمختلف مواقعهم ومسؤولياتهم. وعندما تصبح عباراته موضوعا للتندر أو للتأويل أو للسخرية، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بزلة لسان عابرة، بل هي تجسيد لحالة التيه التي صار يعيشها القطاع، وتعبير عما تُكْشِفُه تلك اللغة من ارتباك في التفكير نفسه. إذ كثيرا ما تكون اللغة انعكاسا مباشرا لبنية الفكرة. فالخطاب الواضح عادة ما يصدر عن فكر واضح ومُلِمٍّ بالأمر… القضية المتحدث عنها. أما اللغة المتعثرة والمشوهة فَتَشِي غالبا باضطراب الرؤية أو بعدم اكتمال التصور، حتى لا أقول الجهل التام به. وللأسف الشديد، فإن المتتبع للشأن والخطاب التربوي الرسمي، يبدو له في أكثر من مناسبة أنه يعيش نوعا من التوتر بين ثلاث مداخل:

   *  لغة ادارية تقنية مستوردة من تقارير التدبير الحديثة.

   *  لهجة دارجية – ربما – تستعمل طلبا للقرب الشعبي.

  *  لغة عربية هجينة غير متحكم في أدواتها التعبيرية، حتى لا أقول تُجهل ميكانزماتها.

فكان من الطبيعي أن ينتج عن هذا الخليط اللامتجانس، خطاب متدبدب، مشوه، فلا هو علمي دقيق، ولا هو تواصلي سلس، ولا هو تربوي مقنع .

      ثالثا: من أزمة المصطلح الى أزمة التصور

     إن استعمال ألفاظ غريبة مثل [ النجوح – النمدجة – المهارقة ] لا يطرح سؤال السلامة والصحة اللغوية أو القواعد الاشتقاقية، بل يطرح سؤالا أعمق يتعلق بطريقة إنتاج المفاهيم اللغوية – وليس العلمية لانها موضوع اخر يحتاج الى وقفة خاصة، سيأتي وقتها لاحقا  – داخل المؤسسة التربوية. فاللغة التربوية ليست مجالا للمزايدة أو للاجتهاد الارتجالي، لأن المصطلح في التربية ليس كلمة معزولة، بل هو حامل لرؤية فلسفية ومنهجية. وعندما يتم توليد مفاهيم مرتبكة أو هجينة دون الاستناد الى أي ضابط علمي أو لغوي، فان ذلك يعكس – بجلاء – نوعا من الاسهال المفاهيمي، الناتج عن الجهل والفاقد للأدوات المعرفية الضرورية، حتى لا أقول الدقيقة  

لقد عرفت المدرسة المغربية منذ الاستقلال، أزمات متعددة: [ أزمة المنهاج – اللغة التعليمية – التكوين بشقيه – الكتاب المدرسي –  الحكامة  – الرأسمال البشري – التبعية للغرب – الثقة المجتمعية …] لكن أخطر الأزمات اليوم – ربما – هي أزمة المعنى. أي:

        *  ماذا نريد فعلا من المدرسة؟

        *  ما اللغة التي نريد أن نفكر بها؟

        *  أي نموج “إنسان” نسعى إلى تكوينه في الألفية الثالثة؟

وعندما نطرح تلك التساؤلات، فإننا ننطلق من اعتبار اللغة ليست مجرد شكل خارجي، بل هي حاملة – وبامتياز – لفلسفة ضمنية حول المواطن المستقبلي والمعرفة الكونية والمجتمع الإنساني.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!