حين تُربكُ اللغةُ المدرسة (2-2)
المختار العنقا الإدريسي
رابعا: الدفاع عن اللغة العربية لا ولن يكون بالشعارات
من المفارقات الكبرى التي تعرفها منظومتنا التربوية، أن بعض الخطابات الرسمية تعلن الدفاع عن اللغة العربية، بينما يُكشف الأداء اللغوي نفسه عن ضعف بيِّن في امتلاك أدواتها. والحال أنها ليست مجرد لغة إدارية أو ومادة مدرسية، بل هي لغة حضارية كبرى، راكمت عبر قرون طويلة تراثا فلسفيا وعلميا وأدبيا هائلا، وهي القادرة على استيعاب الحداثة والمعرفة المعاصرة، متى وُجد المشروع الثقافي والتربوي الجاد. غير أن الدفاع الحقيقي عنها لا يكون عبر الخطب أو التصريحات المناسبة، بل لن يكون إلا عبر: [ احترامها في كل الخطابات الرسمية – تمكين الأطر التربوية من أدواتها – انتاج المعرفة بها – ربطها بالبحث العلمي – جعلها لغة تفكير لا مجرد لغة امتحان … ]. وفي المقابل، فإن الانفتاح على بعض اللغات العالمية كالانجليزية والفرنسية والاسبانية… وغيرها، يظل ضرورة حضارية ومعرفية في عالم متعدد اللغات. لأن المشكلة ليست في التعدد اللغوي، بل في غياب سياسة لغوية متوازنة وواضحة. لأن الأمم الواثقة من ذاتها لا تبعد اللغات الأجنبية ولا تخشها، لكنها أيضا لا تُفرِّط في لغتها الوطنية باعتبارها وعاء السيادة الرمزية والثقافية.
خامسا: المدرسة ليست مختبرا للارتجال اللغوي
لقد تعبنا كثيرا – كما جاء في العديد من الرسائل المفتوحة التي كنت قد وجهتها الى السيد الوزير – من لغة الأرقام الجافة ومن الخطابات الفضفاضة التي تتحدث عن الاصلاح دون أن تُعيد الاعتبار الحقيقي للمدرسة. التي هي في حقيقة أمرها ليست مؤشرات رقمية فقط، وليست شعارات تواصلية تُسَوَّق إعلاميا، بل هي في جوهرها فضاء إنسانيا حيا: [ فيه تلميذ(ة) يحلم – أستاذ (ة) يُكابد – أسرة تنتظر الأمل – مجتمع يبحث عن المعنى والثقة … ]. ومن ثم، فان أي خطاب تربوي مسؤول ينبغي أن يتسم بـ: [الوضوح – الدقة – الرصانة – القدرة على الاقناع – احترام ذكاء المتلقي ]. فالمدرسة حين تفقد لغة المعنى، تفقد معه تدريجيا قدرتها على صناعة المعنى نفسه.
سادسا: الحاجة الى اصغاء حقيقي للفاعلين التربويين ورد الاعتبار لذاكرة الخبرة
إن ما تحتاجه المدرسة اليوم ليس فقط مزيدا من البرامج أو المشاريع أو “النمدجات”، بل شيء من التواضع المعرفي والإنصات العميق للفاعلين التربويين الحقيقيين. ولعل من أكبر المفارقات التي تعيشها مدرستنا اليوم، أنها في خضم سعيها المتواصل نحو الإصلاح، كثيرا ما تُقصي أو تُهمش احدى أهم الثروات الرمزية والمعرفية التي راكمها القطاع عبر عقود طويلة، والمتمثلة في خبرات الفاعلين التربويين الذين أفنوا أعمارهم داخل الفصول الدراسية، وفي ساحات التأطير والتفتيش والتدبير والتكوين، ثم وجدوا أنفسهم بعد التقاعد وكأنهم خارج دائرة التفكير والاستشارة وصناعة الاقتراح. والحال أن التقاعد في المجال التربوي لا ينبغي أن يُنظر اليه باعتباره نهاية للعطاء، بل هو انتقالا من وظيفة التنفيذ اليومي إلى فضاء الحكمة التربوية والخبرة المتراكمة. فهناك فرق كبير بين من غادر المهنة جسدا، ومن غادرها روحا واهتماما. واليوم نجد أن كثيرا من المتقاعدين (ات) مازالوا يحملون في وجدانهم همَّ المدرسة، ويتابعون أوضاعها بقلق المحب، وخبرة العارف، وحرقة من عاش التحولات المتعاقبة للمنظومة التعليمية بكل امالها وانكساراتها . ان الاف الاساتذة والاداريين والمفتشين والأطر المتقاعدة لا يطلبون امتيازات اضافية ، ولا يسعون الى العودة إلى مواقع المسؤولية، بقدر ما يتطلعون إلى أن يُعترف بما راكموه من تجربة مهنية ومعرفية وإنسانية، وأن يفتح أمامهم باب المساهمة الفكرية والاستشارية في القضايا الكبرى التي تهم المدرسة. لأن التجربة التربوية ليست مجرد سنوات خدمة تُطوى إداريا، بل هي ذاكرة حية تختزن تفاصيل الواقع المدرسي، وتحمل فهما عميقا لتعقيدات الإصلاح وحدود القرارات الفوقية. لقد أصبحت الحاجة اليوم ملحة الى نوع من “المصالحة التربوية” بين الوزارة وذاكرة رجال ونساء التعليم الذين غادروا عتبات الانشغال بقضايا التربية. فكم من إطار متقاعد (ة) يمتلك قدرة حقيقية على تقديم اقتراحات عملية، أو قراءة نقدية متوازنة، أو حلولا نابعة من المعايشة اليومية لا من التقارير التقنية الباردة. بل إن كثيرا من الإصلاحات المتعثرة كان يمكن أن تستفيد من حكمة هؤلاء، لو تم اشراكهم ضمن مجالس استشارية، أو منتديات للحوار التربوي، أو خلايا للتفكير والتقييم والتقويم، على المستوى الأكاديمي أو حتى على مستوى الوزاري. فالمدرسة لا تُبنى فقط بالكفاءات الشابة – على أهميتها وضرورتها – بل كذلك بتراكم الأجيال وتكامل الخبرات، واستمرار الذاكرة المهنية. فالأمم التي تحترم مؤسساتها لا تهدر خبرات متقاعيدها بل تجعل منهم خزَّانا للحكمة ومرجعا للاستشارة والتأطير ونقل التجربة. ولعل وزارة التربية الوطنية اليوم – وهي تواجه تحديات الاصلاح العميق – تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الانصات الهادئ والعميق لأصوات المتقاعدين (ات) الذين خبروا المدرسة من الداخل، وعاشوا نجاحاتها وإخفاقاتها، ومايزال كثير منهم مستعدا – بروح وطنية صادقة – لوضع تجاربهم وخبراتهم رهن اشارة الوطن، لا طلبا لموقع أو مكسب، بل وفاء لرسالة التربية نفسها، التي أدمنوا محبتها، وآمنوا بأن الشأن المدرسي هو قضية مجتمع لا قضية إدارة فقط.
خاتمة تأملية: حين تضعف اللغة يضطرب المعنى
وكخلاصة لهذه الورقة التأملية، أقول بأن القضية في نهاية المطاف ليست قضية زلات لفظية معزولة، فكل انسان معرض للتعثر في الكلام، وإنما القضية في ما تكشفه تلك التعثرات المتكررة من أزمة أعمق تتعلق بصورة الخطاب التربوي الرسمي، وبالعلاقة الملتبسة بين السياسة واللغة والمعرفة. فالوزير الذي يتحدث باسم المدرسة، مطالب قبل كل شيء بأن يمنح اللغة ما تستحقه من احترام ودقة وهيبة، لأن اللغة العربية ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي جزء من هيبة الدولة نفسها.
وحين تصبح اللغة مرتبكة يضطرب المعنى. وحين يضطرب المعنى، تفقد المدرسة جزءا مهما من رسالتها الرمزية والتربوية.
أما حين تستعيد المدرسة لغة الوضوح والعمق والكرامة، فانها تبدأ – ولو ببطء – في استعادة ثقة المجتمع أيضا.
