المخزن والأحزاب: أزمة شرعية أم إعادة توزيع للسلطة؟

المخزن والأحزاب: أزمة شرعية أم إعادة توزيع للسلطة؟

 الدكتور عبد الواحد غيات

تمهيد

أرقام المشاركة الانتخابية المتراجعة، وتصاعد منسوب العزوف، وتمدد الخطاب الساخط حول “الريع السياسوي”؛ كلها مؤشرات تؤكد أن العلاقة بين المواطن المغربي والأحزاب بلغت مرحلة الجفاء. في هذه الورقة التحليلية، نغوص في العمق التاريخي والمؤسساتي لهذه الأزمة، مستشرفين قنوات التعبير البديلة التي يبتكرها المجتمع، ومتسائلين عن مدى قدرة الفاعل الحزبي التقليدي على البقاء داخل معادلة الحكم المستقبلي.

المقدمة

مفارقة لافتة تطبع المشهد السياسي المغربي اليوم: تعددية حزبية عريقة تقابلها قطيعة شعبية متزايدة.

فبينما راكم المغرب تجربة حزبية تمتد لعقود، تتآكل الثقة في هذه الأحزاب بشكل مطّرد، كما تعكسه نسب المشاركة الانتخابية التي لم تعد تعبر عن حيوية ديمقراطية بقدر ما تكشف عن فتور جماهيري عميق، خاصة في المدن الكبرى.

فالشرعية السياسية، كما يقرّها علم السياسة، لا تُختزل في الاعتراف القانوني، بل تقوم أساسًا على القبول المجتمعي والثقة والقدرة على التمثيل الفعلي. وعندما تتراجع هذه العناصر، لا نكون أمام مجرد اختلال عابر، بل أمام أزمة شرعية تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.

من هذا المنطلق، يطرح هذا المقال سؤالًا مركزيًا: هل تعيش الأحزاب السياسية المغربية أزمة شرعية حقيقية، أم أن ما يحدث ليس سوى إعادة ترتيب عميق لمواقع السلطة داخل النظام السياسي؟

المحور الأول: مظاهر أزمة الشرعية الحزبية في المغرب

تتجلى أزمة الشرعية الوطنية للأحزاب السياسية في المغرب من خلال عدة مظاهر واقعية، يمكن رصدها في السلوك الانتخابي والعلاقة اليومية بين المواطن والحزب. أول هذه المظاهر، وأكثرها دلالة، “انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية” بشكل مطرد. فإذا كانت نسب المشاركة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تتجاوز 70% أحيانًا، فإنها اليوم لا تصل حتى إلى النصف. انتخابات 2021 كانت صاعقة حقيقية، حيث بلغت نسبة المشاركة الوطنية 50.35%، لكن المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط لم تتجاوز فيها النسبة 38%، فيما لم تصل في بعض الدوائر بالعاصمة الاقتصادية حسب المعلومات الواردة إلى أقل من 30%. هذا التراجع ليس مجرد عزوف عابر، بل رسالة واضحة مفادها: “أحزابكم لا تمثلنا”.

المظهر الثاني يتمثل في “ضعف الانتماء الحزبي الحقيقي” مقابل قوة الانتماءات الموازية. فالكثير من المغاربة، خاصة في العالم القروي، لا ينتخبون الحزب بناءً على برنامجه السياسي، بل بناءً على الانتماء القبلي أو الجهوي، أو مقابل خدمات شخصية. والأخطر من ذلك، أن ظاهرة “التصويت الزائر” أو “التصويت بالنيابة” لا تزال سائدة، مما يحول الانتخابات، في نظر بعض الفاعلين، من استحقاق ديمقراطي إلى فضاء تغلب فيه الحسابات النفعية.

وفي المقابل، نجد أن ولاء المواطنين لـ”المخزن” أو للعائلة أو للزاوية الدينية يبقى أقوى من ولائهم لأي حزب سياسي، وهو ما يعكس فشل الأحزاب في بناء علاقة شرعية قائمة على القناعة لا الإكراه أو المصالح الضيقة.

أما المظهر الثالث، فهو “اتهام الأحزاب بـالريعية وخدمة المصالح الذاتية” لا المصلحة العامة. كثير من الأحزاب المغربية، كحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، لم تعد تُنظر إليها كأدوات لتغيير المجتمع، بل كمنصات للوصول إلى المال والسلطة.

المواطن المغربي صار يردد عبارة “كلهم متشابهون”، في إشارة إلى أن الأحزاب متشابهة في فسادها وولائها للسلطة القائمة. وهنا تبرز مفارقة كبرى: أحزاب كانت في الماضي رمزًا للمقاومة والتحرر، يُنظر إليها بشكل متزايد كآليات لتمرير سياسات لا تحظى بقبول شعبي، كرفع الدعم أو تفويت الملك العمومي.

الظاهرة الرابعة هي “غياب الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب ذاتها”, مع استثناءات قليلة، تسيطر النخب العجوز على مفاصل القرار الحزبي، فلا تجديد للكفاءات ولا محاسبة للقيادات. القيادات الحزبية غالبًا ما تبقى لعقود، ويتوارث أبناؤها أو أقاربها المناصب، مما يبعد الشباب والنساء ويحول الحزب إلى ملكية خاصة لا إلى مؤسسة ديمقراطية. والمفارقة أن الأحزاب تطلب من المواطنين الثقة فيها وهي لا تثق حتى في أعضائها، ولا تطبق أبسط قواعد الشفافية في تسيير شؤونها.

أخيرًا، يعاني المواطن المغربي من “فجوة هائلة بين الوعود الانتخابية والإنجازات الفعلية”. حملات انتخابية مليئة بالشعارات البراقة والوعود بحل مشاكل التشغيل والصحة والتعليم، لكن سرعان ما تتبخر كل هذه الوعود بعد الانتخابات. التجارب القريبة خير شاهد: حزب العدالة والتنمية الذي وعد بالتغيير بين 2011 و2021 لم يستطع تلبية طموحات شعبيته، فانهارت ثقة الناخبين فيه، ثم تبعته أحزاب أخرى بنفس السيناريو. النتيجة؟ مواطن أصيب بالإحباط وقرر مقاطعة الانتخابات، أو على الأقل عدم الأخذ بجدية “المسرحية الحزبية” كما يصفها.

غير أن هذه المظاهر لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي والمؤسساتي الذي أنتجها، وهو ما يستدعي الانتقال إلى تحليل الأسباب العميقة للأزمة.

خلاصة المحور الأول:

يمكن القول إن أزمة الشرعية الوطنية في المغرب تتجلى في مقاطعة متصاعدة، انتماءات موازية أقوى من الحزب، اتهامات بالريع والفساد، غياب الديمقراطية الداخلية، وفشل في تحقيق الوعود. هذه المظاهر ليست معزولة، بل تشكل معًا أزمة بنيوية في العلاقة بين المجتمع ومؤسساته الحزبية.

المحور الثاني: أسباب تفاقم أزمة الشرعية الحزبية في المغرب

إذا كانت المظاهر السابقة ترسم صورة واقعية للأزمة، فإن فهم أسبابها الجذرية يتطلب غوصًا في التاريخ السياسي المغربي، وبنية العلاقة بين السلطة والمجتمع، والإرث الثقافي الذي شكّل العقلية السياسية للمواطن المغربي. تتشابك عدة عوامل لتفسير لماذا وصلت الأحزاب المغربية إلى هذه الدرجة من الإفلاس الشرعي.

في هذا السياق، يمكن القول إن المغرب يعيش ما يسميه علماء السياسة بـ”أزمة الوساطة السياسية”، حيث تفشل الأحزاب في أداء دورها كحلقة وصل بين الدولة والمجتمع، مما يدفع المواطنين إلى البحث عن قنوات بديلة للتعبير خارج الإطار الحزبي التقليدي. وهو ما يفسر، جزئيًا على الأقل، تفاقم مظاهر فقدان الثقة التي تم رصدها في المحور السابق.

أولاً: الإرث التاريخي ودمج الحركة الوطنية في السلطة

على عكس بعض التجارب العربية حيث قمعت الأنظمة الأحزاب بعنف، اختار المغرب مسارًا مختلفًا لكنه كان بنفس القدر فعّالًا في تجريد الأحزاب من مضمونها الثوري. فبعد الاستقلال، عملت الدولة على دمج النخب الوطنية والحركة الحزبية داخل جهاز المخزن. هذه العملية حولت الأحزاب من أدوات تحرير وتغيير مجتمعي إلى مجرد إطارات إدارية ووسائط لتنفيذ سياسات الدولة.

تم “تحييد” الأحزاب عبر إغرائها بحصة من السلطة والامتيازات، ففقدت بذلك قدرتها على لعب دور المعارضة الجادة أو الضغط من أجل تحولات جذرية. ونتيجة لذلك، صار المواطن ينظر إليها كجزء من النظام لا كبديل عنه، وهو ما يشكل نواة الأزمة الحالية.

ثانيًا: هيمنة “المخزن” كمرجعية موازية

المواطن المغربي، تقليديًا، لا يبحث عن الشرعية لدى الأحزاب، بل يبحث عنها لدى “المخزن” المتمثل في المؤسسة الملكية. هذه المؤسسة تقدم نفسها كحكم أعلى، كضامن للوحدة والاستقرار، وكمرجع ديني وسياسي يفوق الأحزاب. في هذا السياق، تنزلق الأحزاب تلقائيًا إلى موقع أدنى، إلى موقع “الوسيط الإداري” الذي يدير التفاصيل لكن لا يملك القرار الاستراتيجي.

وعندما يحدث تناقض بين خطاب الحزب وتوجيهات المخزن (وهو نادرًا ما يحدث علنًا)، فإن المواطن المغربي لا يتردد في اختيار المخزن. هذه الهيمنة لا تحتاج إلى إكراه مباشر، بل هي ثقافة راسخة تقول: “الأحزاب تأتي وتذهب، أما المخزن فباقٍ”. وفي هذا الإطار، كيف يمكن لحزب سياسي أن يبني شرعية وطنية مستقلة؟

ثالثًا: الممارسة السلطوية داخل الأحزاب (غياب الديمقراطية الداخلية)

من المفارقات الكبرى أن أحزابًا ترفع شعارات الديمقراطية والتعددية، تُدار بأكثر الأساليب سلطوية وتسلطية. الغالبية العظمى من الأحزاب المغربية تعاني من أزمة حادة في الديمقراطية الداخلية، حيث تسيطر قيادات عجوز على مقاليد الأمور لعقود، دون انتخابات نزيهة أو محاسبة أو تداول للسلطة.

فزعامات أحزاب كالاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي أو الحركة الشعبية ظلت لعقود في يد نفس العائلات أو الأسماء، مما خلق شعورًا داخليًا بـ”التملك” وليس “التمثيل”. هذه الممارسة تشجع على الفساد المالي والإداري، وتدفع بالكوادر الشابة والكفاءات إلى اليأس والخروج من العمل الحزبي. والنتيجة: أحزاب بلا دماء جديدة، بلا أفكار مبتكرة، بلا مصداقية داخلية، فكيف تطلب المصداقية من الخارج؟

رابعًا: علاقة الأحزاب بالمال والفساد والريع

من أبرز أسباب فقدان الشرعية، التحاق الأحزاب بقطار الريع والفساد. صار الانتساب للحزب في المغرب، في أذهان كثير من المواطنين، وسيلة للثراء السريع لا خدمة عامة. فالوساطة للحصول على صفقة، أو تمرير مشروع غير قانوني، أو الحصول على منصب في الإدارة، أو حتى تسهيل الإجراءات الروتينية مقابل عمولة، أصبحت جزءًا من الصورة النمطية للسياسي الحزبي. وللأسف، هناك حالات كثيرة تؤكد هذه الصورة، حتى وإن لم تصل إلى المحاكم لضعف آليات المحاسبة.

والأخطر من ذلك، أن بعض الأحزاب تُصنَّف في الخطاب السياسي والإعلامي، بل وحتى في جزء من الرأي العام، ضمن ما يُعرف بـ”الأحزاب الإدارية” أو الأحزاب القريبة من دوائر القرار، في إشارة إلى ظروف نشأتها أو طبيعة الدعم الذي رافق تأسيسها.

ويُطرح في هذا السياق حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس ما بين 2007 و2008، كنموذج يُستحضر في هذا النقاش، حيث يُنظر إليه من طرف منتقديه باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل الخريطة الحزبية وإعادة توازناتها أكثر مما هو تعبير عن دينامية حزبية تقليدية مستقلة.

في هذا الإطار، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لحزب يُطرح حوله هذا النوع من القراءات أن يُنتج شرعية تمثيلية مكتملة، في سياق يشكك فيه جزء من الرأي العام أصلًا في طبيعة وظيفته السياسية؟

خامسًا: ضعف الإنجاز وعجز الأحزاب عن تحسين حياة المواطنين

السبب الأخير وربما الأكثر حسّية وإلحاحًا هو العجز الملموس للأحزاب في التأثير إيجابيًا على حياة الناس اليومية. فمع توالي الحكومات المتعاقبة منذ التسعينيات والإصلاحات الدستورية (خاصة دستور 2011)، ظل المواطن المغربي يعاني من نفس المشاكل: بطالة متفشية، خصوصًا بين الشباب، نظام تعليمي ينهار عامًا بعد عام، صحة متعثرة، أسعار متصاعدة، وعدالة تبحث عن طريقها. لم تستطع أية حكومة أو حزب وضع حد لهذه المعاناة.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلى أي حد يمكن تحميل الأحزاب السياسية وحدها مسؤولية هذا التراجع، في سياق تعمل فيه ضمن بنية مؤسساتية ذات توازنات سلطوية واضحة تحدّ من هامش حركتها؟

لا يمكن، من منظور تحليلي، اختزال الأزمة في عامل واحد، غير أن ذلك لا يعفي الأحزاب من مسؤولياتها المرتبطة بالتقاعس النسبي، وضعف المبادرة السياسية، وغياب الجرأة في بلورة تصورات إصلاحية عميقة.

فبدل الانخراط في بلورة برامج جذرية تستهدف محاربة الفساد وتحسين الحكامة، مالت العديد من الأحزاب إلى تبني منطق التدبير الآني وتجنب كلفة الإصلاحات الصعبة، وهو ما ساهم في تعميق فجوة الثقة بينها وبين المواطنين، ودفع شريحة واسعة من الناخبين إلى التشكيك في جدوى التغيير عبر الآليات الانتخابية.

خلاصة المحور الثاني:

يمكن القول إن أسباب أزمة الشرعية في المغرب ليست سطحية أو طارئة، بل جذرية ومركبة، تضرب في عمق التاريخ السياسي والتركيبة المؤسساتية والثقافة السياسية السائدة. فهي نتاج لعملية تاريخية من “تحييد” الأحزاب ودمجها في مؤسسة المخزن، وضعف البناء الداخلي لهذه الأحزاب، وعلاقتها بالمال والريع، وانفصالها عن التطلعات الحقيقية للمواطنين.

المحور الثالث: قراءة في البدائل… هل من سبيل لتجديد الشرعية؟

في ظل هذا الإفلاس الحزبي المتزايد، لم يعد المواطن المغربي يقف مكتوف الأيدي، بل بدأ يبحث عن بدائل تعوضه عن فشل الأحزاب في تمثيله. وهذه البدائل تستحق التحليل.

أولاً: صعود المجتمع المدني كبديل جزئي

شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين طفرة في العمل الجمعوي، حيث أصبحت جمعيات المجتمع المدني تلعب دورًا كانت الأحزاب مقصرة فيه: التوعية، المراقبة، الضغط من أجل قضايا محددة، وأحيانًا تقديم خدمات اجتماعية. حركة “20 فبراير” عام 2011 خير مثال على كيف يمكن لتحالفات شبابية وجمعوية أن تفرض أجندة سياسية على الدولة، دون وساطة حزبية. هذا الصعود لا يعني أن المجتمع المدني بديل كامل عن الأحزاب، لكنه ينافسها على شرعية التمثيل، خاصة بين فئات الشباب والنساء والطبقات المثقفة.

ثانيًا: العودة إلى المرجعيات التقليدية (القبيلة، الزاوية، العائلة)

في غياب ثقة بالسياسيين، يعود كثير من المغاربة إلى شبكات الولاء التقليدية التي أثبتت فعاليتها عبر قرون. القبيلة، والزاوية الدينية، والعائلة الموسعة، والعرف، ما تزال تقدم خدمات لا تستطيع الأحزاب تقديمها: حل النزاعات، التكافل الاجتماعي، التوجيه المعنوي، بل أحيانًا الوساطة لدى الإدارة. هذه المرجعيات لا تعترف بشرعية الأحزاب، بل تتنافس معها على ولاء المواطن. والأخطر أن بعض الأحزاب نفسها تستغل هذه الشبكات في حملاتها الانتخابية، مما يعمق الأزمة بدل حلها.

ثالثًا: العزوف والمقاطعة كخيار سياسي

بعض المراقبين يعتبرون عزوف المواطنين، وخاصة الشباب، عن الانتخابات ليس مجرد سلبية أو لامبالاة، بل شكلاً من أشكال المقاومة السلمية والسياسية. حركة مقاطعة الانتخابات التي ظهرت بقوة خلال استحقاقات 2021، مع شعارات مثل “صوتك صامت احتجاجًا لا غيابًا”، تحمل رسالة واضحة: “لا نريد أن نكون شركاء في مسرحية لا نصدقها”. هذه المقاطعة المنظمة تشكل تحديًا مباشرًا لشرعية النظام القائم، وتطرح إشكالية كبرى: هل يمكن اعتبار العزوف شكلاً من أشكال المشاركة السياسية السلبية؟

رابعًا: الديمقراطية الرقمية… مستقبل بعيد؟

مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بدأ يظهر نموذج جديد للعمل السياسي خارج إطار الأحزاب: العرائض الإلكترونية، حملات الضغط الرقمي، مجموعات المواطنة على فيسبوك، وحتى التصويت الإلكتروني في بعض التجارب العالمية. المغرب ليس بمنأى عن هذا التحول، لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام ديمقراطية رقمية حقيقية، نظرًا لضعف الثقافة الرقمية وفجوة المعلوميات بين المدن والقرى. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار واعدًا نظريًا لتجاوز أزمة التمثيل الحزبي.

ومع ذلك، تبقى هذه الأدوات محدودة الأثر ما لم تُترجم دينامياتها إلى قنوات مؤسساتية قادرة على تحويل الضغط الرقمي إلى سياسات عمومية ملموسة. وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن تجاوز أزمة الوساطة الحزبية دون إعادة بناء الوساطة السياسية نفسها في أشكال جديدة؟

الخاتمة

لعل ما يخلص إليه هذا المقال أن أزمة الشرعية الوطنية للأحزاب السياسية في المغرب ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي أزمة بنيوية تنذر بتحولات كبرى في العلاقة بين المواطن والدولة. فبينما تخسر الأحزاب ثقة الناس يومًا بعد يوم، تتصاعد وتيرة البحث عن بدائل: مجتمع مدني أكثر فاعلية، مرجعيات تقليدية تعيد تنظيم نفسها، مقاطعة واعية، وحتى أحلام بديمقراطية رقمية.

يبقى السؤال المفتوح: هل تمتلك الأحزاب السياسية المغربية الجرأة على إصلاح ذاتها من الداخل؟ أم أن التاريخ سيتجاوزها، كما تجاوز أنظمة سياسية كاملة قبلها؟

في كل الأحوال، المواطن المغربي أثبت أنه لم يمت سياسيًا، بل هو يبحث عن قنوات تعبير جديدة أكثر صدقًا وشفافية من “المسرحية الحزبية” التي سئمها. وربما يكون هذا هو الأمل الوحيد: أن أزمة الشرعية قد تكون مقدمة لولادة شرعية جديدة، مختلفة تمامًا عما عرفناه طيلة عقود.

في المحصلة، لا تعكس أزمة الأحزاب في المغرب مجرد خلل ظرفي، بل تكشف عن تحوّل عميق في بنية الشرعية السياسية. فبين أحزاب فقدت قدرتها على التمثيل، ومجتمع يبحث عن قنوات بديلة، يتشكل تدريجيًا نموذج جديد للعلاقة بين المواطن والدولة.

لم يعد السؤال: كيف تستعيد الأحزاب شرعيتها؟ بل: هل ستظل جزءًا من المعادلة أصلًا؟

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!