توفيقي بلعيد: حين يغدو الشعر وفاءً والموتُ ولادةً جديدة
عبد الرحيم التوراني
توفيقي بلعيد.. صديق قديم ومناضل يساري فذ، دفع من سنوات شبابه وعمره ثمنا غاليا في سبيل قناعاته… إذ تجرع مرارة الاعتقال السياسي في زنازين سنوات الجمر والرصاص ضمن صفوف الحركة التحررية لليسار الجديد في سبعينيات القرن الماضي.. ورغم قسوة التجربة، استمر شاعرا ملتزما ومناضلا ميدانيا شغوفا في ساحات المجتمع المدني، وروائيا وناشرا متطوعا نذر جهده لنشر النصوص ذات النَّفَس والأفق اليساري التحرري… وأكيد له من الصفات النبيلة والمهام الجسيمة ما تعجز الكلمات عن الإحاطة به، وفي مقدمتها وفاؤه النادر لرفاقه وأصدقائه وعائلته.
ببالغ التأثر تابعتُ عبر صفحته على فيسبوك، تفاصيل معاناته الطويلة والمريرة مع مرض شريكة عمره، إلى أن غلبها الداء اللعين واختطفها من بين يديه… غير أن الحزن على فراقها لم يغادره قط، بل تحول إلى حالة من الانصهار الروحي الفريد، حتى أضحى اسمه مرادفا لاسمها.. فلا تكاد تقرأ اسم توفيقي بلعيد إلا ويتبادر إلى ذهنك فورا اسم الراحلة نعيمة الصوروي.
في ذكرى رحيلها واحتفاء بذكراها التي لا تغيب، نُظِّم لقاءٌ مفعم بالمشاعر بدار الشباب بحي البرنوصي بالدار البيضاء، حضره جمع غفير من الصديقات والأصدقاء، وشهد اللقاء توقيع ديوان شعري استثنائي، لم يكن مجرد رثاء، بل كان مساحة تلتقي فيها الأرواح، إذ ضمَّ نصوصا وقصائد للفقيدة نعيمة، تتوحد مع نصوص خطَّها توفيقي، إلى جانب مراثي صاغها كُتَّاب وشعراء أصدقاء، وفي مقدمتهم الشاعر محمد الصابر الذي كتب تقديم الديوان، والشعراء: نورالدين قبة، وعزيز بنسعد، وفاطنة أفيد، ورحال الإدريسي، وزكية العروسي، وميرندا العلام، وفرح السباعي الإدريسي، وأحمد بومشكة، وأحمد الصادقي، ويحيى الشاو، وشفيق بوهو.
حمل الديوان الصادر عن منتدى المغرب المتعدد للدراسات والأبحاث والتوثيق، (تحت إدارة محمد شرادو)، صورة الفقيدة على غلافه، ممهورة بعنوان يفيض شجنا: “أنفاس مختلطة لصباح موجع”، ترافقه عبارة تنبض بالوجع: “ما نطقتُ حرفا إلا انتزعته من جرحي”.
على ظهر الغلاف وتحت صورة تجمع توفيقي بزوجته الراحلة، نقرأ كلمات تلخص جوهر هذا العمل:
“في أنفاس مختلطة لصباح موجع، لا يؤبَّد الموت بل يروَّض الجمال، وتُكتب الحياة من جديد على صفحات شعرية مشبعة بالصدق؛ حيث كل بيت شعري هو شمعة في حضرة الغياب، وكل استعارة هي قبلة على جبين الذكرى”.
* “أنفاس مختلطة لصباح موجع”، (136 صفحة)
