بين التأثيث والتمكين.. مأزق تزكية النساء في الأحزاب المغربية

بين التأثيث والتمكين.. مأزق تزكية النساء في الأحزاب المغربية

عبد الرحيم التوراني

           بدعوة مشتركة من “ائتلاف 190 لمناهضة العنف” و”ائتلاف من أجل كرامة وحقوق النساء”، احتضن مقر المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالرباط، يوم أمس الخميس 2 يوليوز 2026، ندوة صحفية تحت شعار حمّال أوجه: (المشاركة السياسية للنساء تسائل “الأحزاب السياسية”).

عرف اللقاء حضور هيئات حقوقية ونسائية وازنة شكلت جبهة موحدة، من أبرزها: اتحاد العمل النسائي، جمعية عدالة من أجل محاكمة عادلة، فيدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، وجمعية السيدة الحرة، إلى جانب ممثلة الهيئة المضيفة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

ترأست أطوار هذه الندوة الأستاذة ثريا لحرش، في حين تولت الإجابة عن أسئلة وسائل الإعلام هيئة من الفاعلات الحقوقيات والسياسيات البارزات: السيدات فاطمة المغناوي، وغزلان بنعاشور، وبشرى بوشنتوف، وسعيدة الإدريسي، ولكبيرة شاطر.

لم تقف المداخلات عند حدود الطرح النظري، بل تحولت في كواليسها وفترات الردود إلى شهادات حية ومؤثرة، وثقت لتجارب المتدخلات كفاعلات سياسيات واجهن في مساراتهن عنادا ذكوريا شرسا داخل البنيات الحزبية، والمفارقة الصادمة التي أثرنَها هي أن هذه المقاومة لإشراك النساء لم تقتصر على التيارات التقليدية، بل برزت بقوة حتى داخل أحزاب محسوبة على الصف اليساري والتقدمي، والتي تُنظّر أدبياتها للمساواة وتخفق ممارساتها عند محك التزكيات.

في هذا السياق أطلق الائتلافان نداء مشتركا يعبر عن قلق حقوقي عميق إزاء المؤشرات الأولية لترشيحات الأحزاب السياسية للانتخابات التشريعية لعام 2026. وتمحورت أبرز نقاط النداء حول:

– تأصيل الهيمنة الذكورية، حيث رصد البلاغ استمرار الحضور الباهت والمحدود للنساء في قيادة اللوائح الانتخابية المحلية، مقابل استحواذ رجالي شبه كامل على هذه المواقع التي تعد البوابة الرئيسية للوصول إلى قبة البرلمان. واعتبر الائتلافان أن هذه الأرقام تفضح عجز الأحزاب عن تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمناصفة والمساواة.

– المطالبة بنقاش وطني بنيوي، بتشديد النداء على أن إقصاء النساء لم يعد “مسألة عادية” أو تفصيلا تقنيا، لا سيما أمام التراكم المعرفي والنضالي للمرأة المغربية. وطالب بفتح حوار وطني موسع يضم المؤسسات الدستورية، الأحزاب، الإعلام، والجامعات لتفكيك العوائق السوسيو-ثقافية والتنظيمية.

– المسؤولية السياسية والرهان الديمقراطي، إذ دعا الائتلافان الهيئات الحزبية إلى اعتماد الكفاءة والاستحقاق بدلا من “الولاءات”، مؤكدين أن تمكين المرأة ليس مطلبا فئويا أو قطاعيا عابرا، بل هو شرط بنيوي لاكتمال الديمقراطية المغربية وتجويد الأداء المؤسساتي.

هوامش نقدية على متن النداء

      إذا كان المسعى النبيل للنداء لا يختلف عليه اثنان من الناحية الحقوقية، إلا أن القراءة المتأنية لخلفيات الندوة وشعاراتها تفتح الباب أمام ملاحظات نقدية جوهرية تتجاوز الشكل لتلامس العمق، بداية من الشعار نفسه: “المشاركة النسائية تسائل الأحزاب”، فإن فعل “تسائل” ينطوي على ضبابية لغوية، هل هي مساءلة استفهامية تستجدي جوابا، أم احتجاجية تفرض واقعا، أم مطالبة صارمة بجرد الحساب سياسيا وقانونيا؟

هذا الغموض ينعكس على التوقيت، إذ يأتي هذا التحرك مرتبطا حصرا بالحمى الانتخابية، مما يهدد بجعل القضية النسائية لحظة مناسباتية تخبو جذوتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. وكان الأجدر بالفعاليات المنظمة جعل هذا الورش دائم الطرح، عبر تقييم مستمر للأداء البرلماني النسائي منذ أول تجربة ولجت فيها السيدة لطيفة بناني السميرس البرلمان كأول امرأة مغربية تقود هذا المسار.

كما أغفلت الندوة سؤالا مركزيا، أي صنف من النساء نريد في المؤسسة التشريعية؟ ومن هنّ نساء الأحزاب اللواتي يتم الدفع بهن؟

إن غياب معايير الكفاءة السياسية والفكرية يجعل من مطلب المناصفة الرقمية مجرد رغبة في التأثيث بتاء التأنيث لإرضاء التقارير الدولية. وهنا تبرز مفارقة لغوية دلالية، فـ “تاء التأنيث” في لغتنا العربية هي تاء مربوطة، بينما المسعى الحقوقي يبتغي التحرر والانعتاق من القيود والأغلال، ولو كانت تلك القيود مصنوعة من حرير المحاصصة /الكوتا.. التي لا تنتج نخبا حقيقية في كثير من الأحيان.

يبقى السؤال الأكبر الذي يواجه الحركة النسائية بالمغرب: هل الوصول الكمي للنساء إلى البرلمان ومراكز القرار كافٍ وحده للقضاء على التمييز والعنف وتحقيق العدالة الاجتماعية؟

إن القضية في عمقها أكثر شمولية، إنها معركة نضالية مشتركة بين الرجال والنساء لتغيير البنية الفكرية للمجتمع ككل، بدءا من الأسرة والمنظومة التعليمية، وتأسيس قيم تربوية تقطع مع النظرة الدونية للأنثى منذ المهد، حيث لا تزال العديد من الأسر، بوعي أو دونه، تفضل الذكور على الإناث.

ويظل شعار الإنصاف مجرد حبر على ورق لدى هيئات سياسية كثيرة تسقط في أول امتحان عملي.. والانتخابات هي هذا الامتحان، لكن المفارقة السوسيولوجية الصادمة التي أثبتتها التجارب، هي أن المرأة نفسها غالبا لا تصوت لصالح المرأة إلا في حالات نادرة جدا، مما يعني أن ورش الوعي السياسي بحاجة إلى إعادة بناء من القواعد الشعبية، وليس من قمة اللوائح الانتخابية فقط.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!