فوز المغرب بالمستديرة الساحرة.. تضامنٌ عابرٌ للقارات
عبد الرحيم التوراني
♦ أصبحت كرة القدم اليوم تشكل جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا المعاصرة، إذ تلامس هذه اللعبة الجميلة واقع العصر وتفاصيله المعقدة. ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذا السياق، هي تلك الفرحة العارمة التي تجتاح الشعوب عقب فوز منتخبها الوطني، لا سيما في الإقصائيات القارية أو المحافل الدولية الكبرى كبطولة كأس العالم.
تأخذ هذه الفرحة أبعادا أكثر عمقاً لدى الشعوب المستضعفة والبلدان النامية، وبخاصة عندما تتفوق منتخباتها الكروية على قوى مهيمنة عسكريا واقتصاديا، وتحديدا إذا ما كانت تجمعها بها مخلفات تاريخية مريرة من الاستعمار والاحتلال السابق. في تلك اللحظة الاستثنائية، يُختزل النصر الكروي كأنه انتقام وثأر رمزي، أو تجسيد حي لعدالة إلهية تُرَدّ بها المظالم على المستطيل الأخضر.
هذا التحول البديع يلخصه المفكر والأديب الأوروغواياني إدواردو غاليانو في كتابه الشهير “كرة القدم بين الشمس والظل”، حين كتب: “تسمح كرة القدم للفقراء بالانتصار على الأغنياء، وللصغار بإذلال الكبار، ولو للحظات معدودة. إنها المكان الوحيد الذي يمكن فيه للمهمشين أن يقلبوا موازين القوى دون إراقة دماء”.
ويُعبر عن ذلك السوسيولوجي الفرنسي المرموق بيير بورديو بقوله: “الرياضة وكرة القدم على وجه الخصوص، ليست مجرد تسلية، بل هي فضاء تُعيد فيه المجتمعات إنتاج صراعاتها، وتمثيل هوياتها، والتعبير عن أشكال المقاومة الرمزية”.
في هذا الصدد، وقبيل مباراة المغرب ضد كندا برسم الدور 16 من بطولة مونديال 2026، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي دعاء طريف للجمهور المغربي يحمل غصة واقعية.. يقول: “اللهم أفرح شعبنا بالفوز على كندا، أما الكنديون فيكفيهم أنهم يعيشون في كندا”.
هذا الدعاء يعكس بعمق لسان حال الشعب المغربي بمختلف أطيافه، وخصوصا الطبقات الكادحة التي ترزح تحت وطأة التهميش والاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي..
وهنا يبرز تناقض صارخ يطرحه الكثير من المحللين، إذ تستثمر الدولة المغربية ميزانيات ضخمة في البنية التحتية الرياضية وكرة القدم، على حساب القطاعات التنموية الأساسية والملحة كالتعليم والصحة، متوخية من وراء ذلك إلهاء المواطنين وتخديرهم عن قضاياهم المصيرية الأولى.
وإذا كانت هذه التحليلات تتسم بنوع من الصحة والواقعية، فإن المواطن المغربي اليوم ليس مغفلا، فالناس على وعي تام بما يُخطّط لهم، غير أن الفرحة هنا تصبح ضرورة وجودية لا رفاهية لأن الناس بحاجة إلى جرعة فرح تُخفّف من وطأة معاناتهم وقهرهم اليوميين.
الفرح في هذا السياق ليس استسلاما، بل هو سلاح من أسلحة المقاومة ونزع الحق في الحياة.. أما محاولات الإلهاء السياسي لو حصلت، فلن تكون إلا مؤقتة وعابرة، لأن حتمية تطور الأحداث والوقائع التاريخية لا يمكن إيقافها، فهي تسير في طريقها كسيول جارفة تحط من علٍ.
لذا لسان حال الشارع يقول للمحللين والمنظرين: لا تنغصوا علينا فرحتنا! نحن بحاجة ماسة لهذا الفرح، مهما بدا لكم مغلفا بحسابات السياسة أو منفوخا بهواء الدعاية، فالجميع يعلم أن تفجير بالونات الهواء يأتي بالضغط، والفرح هنا يساهم في التنفيس، والضغط لا بد له من متنفس كي لا ينفجر.
***
فور إعلان صافرة النصر والتأهل التاريخي ضد المنتخب الكندي، انطلقت الجماهير المغربية لتغمر الشوارع بأمواج من الأعلام الوطنية، مرتدية قمصان أسود الأطلس، ولا سيما القميص رقم 2 الذي يحمل اسم القائد أشرف حكيمي. بل إن المشهد بلغ ذروة الإنسانية حين شوهدت شابة، في حي المعاريف بالدار البيضاء، تدفع كرسي والدتها المتحرك وهي تلوح بالعلم الوطني بافتخار.
في هكذا لحظات، تتبدى مشاعر الفخر والاعتزاز بالانتماء، وترتقي فوق كل الفوارق الفئوية، وكأنها تصدق مقولة المفكر الجزائري مالك بن نبي عن القوة الكامنة في الروح الجماعية حين تلتف حول هدف مشترك.
لم تقف حدود هذه البهجة عند الجغرافيا المحلية، إذ تضاعف فخر المغاربة وهم يتابعون انخراط شعوب عربية وآسيوية وإفريقية كما في أمريكا اللاتينية في الفرحة ذاتها. وهنا تبرز فلسطين كأيقونة وجدانية جامعة، ففرحة الغزاويين والفلسطينيين دائما ما تأتي نابضة من قلب المعاناة، تنتصر للمنتخب المغربي وتحتفي به كأن النصر نصرها.
وتعاظم هذا المد القومي بالتزامن مع الفوز التاريخي غير المسبوق لمنتخب مصر في مسيرته الكروية، ليمتزج زئير الأسود بصلابة الفراعنة في لوحة ملحمية واحدة.
في غمرة هذه الانتصارات، تحضر فلسطين دائما كقضية فوق النسيان، إذ يرتفع علمها الأشهر بين أعلام الدول، ليرفرف شامخا في المدرجات، محمولا بأيدي الجماهير واللاعبين العرب على حد سواء.
ويعكس هتاف الملاعب لفلسطين ورفع رايتها وسط هذا المحفل العالمي وفي عقر الإدارة الأمريكية، حقيقة أن كرة القدم غدت منبرا لعدالة القضايا الإنسانية، وتأكيدا على أن وجدان الشعوب لا تُغيّره الحسابات السياسية الضيقة.

ثم تكتمل فصول هذه الملحمة الكروية بمفارقة تاريخية شديدة الرمزية، إذ يتزامن هذا النصر الكروي الجديد والمدوي للمغرب مع احتفالات الولايات المتحدة الأمريكية، المشاركة في تنظيم المونديال الحالي، بعيد استقلالها الـ 250 في الرابع من يوليوز. وهنا يستحضر التاريخ بظلاله المهيبة حقيقة راسخة، أن المملكة المغربية كانت هي أول بلد في العالم يعترف رسمياً باستقلال الولايات المتحدة الناشئة عام 1777 في عهد السلطان سيدي محمد بن عبدالله.
وبين الأمس واليوم تدور عجلة التاريخ على أرض “العم سام”، وأمام أنظار العالم الذي يشهد زئير أسود الأطلس يتردد صداه في الملاعب الأمريكية، ليصوغ المغاربة فصلا جديدا من الدبلوماسية، ولكن هذه المرة بأقدام لاعبيهم وشغف جمهورهم.
ومع هذا الزخم الشعبي والتاريخي الجارف، يرتفع سقف الحلم وتتشابك الأسئلة المشروعة: هل تكون هذه المصادفة طالع خير يكتب التاريخ من خلاله فصلا غير مسبوق؟
وهل سيكون منتخب المغرب أول بلد عربي وإفريقي يرفع الكأس العالمية الأغلى، ويحقق معجزته الكروية الكبرى على أرض “العم سام” الذي كان المغرب أول من مد له يد الاعتراف بالوجود؟
