عن أحداث “سبتة ومليلية”.. مرة أخرى

عن أحداث “سبتة ومليلية”.. مرة أخرى

حـسـن زهـيـر

     بدأت هذه الأزمة الجديدة/القديمة، حسب صحيفة “إلباييس” الإسبانية، بإشاعة انتشرت، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفيد أن معبر “باب سبتة” فُتح بالكامل، ونشرت الصحيفة، كذلك، أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية تتساءل حول سبب اختفاء عناصر الدرك المغربي لساعات طوال: هل يبدو الأمر مجرد خلل عابر أم قد يكون وراءه تأثير مُتحكّم فيه؟

     عادت “إلباييس”، مرة أخرى، إلى الموضوع مؤكدة أن الأزمة جاءت بعد أيام فقط من زيارة رئيس الوزراء الإسباني إلى الجزائر، وإعلانه استعادة العلاقات الطبيعية معها، مُلمّحةً إلى أن ذلك قد يكون مثار انزعاج داخل المغرب في ظل التنافس الإقليمي بينه وبين الجزائر، ومستحضرة، في هذا السياق، أزمة سنة 2021، عندما اتّهمت إسبانيا السلطات المغربية بتسهيل عبور آلاف المهاجرين إلى سبتة، في خضم أزمة ديبلوماسية بسبب ما عُرف إعلامياً، آنذاك، بـ “قضية ابن بطوش” (الاستقبال السري لزعيم حركة البوليساريو الانفصالية بدعوى الاستشفاء في إسبانيا).

     نفس الصحيفة اعتبرت، أيضاً، أن ما تواجهه سبتة يُمثّل، في آن واحد، تحدّياً إنسانياً وديبلوماسياً، محذرةً من استخدام ملف الهجرة كورقة ضغط سياسية، كما حدَث في أزمات سابقة،  لكن بالمقابل كتبت الصحيفة الأمريكية، “نيويورك تايمز”، أنه من المبكر، جداً، الجزم بدوافع المغرب، مذكرةً بأن التعاون المغربي في ضبط الحدود، ظلّ، دائماً، عنصراً حاسماً في إدارة ملف الهجرة والأمن بين البلدين.

     وبعد أن وصَف رئيس حكومة سبتة الوضع بأنه حالة طوارئ إنسانية واجتماعية، طالَب حكومة مدريد بإعلان حالة الطوارئ الوطنية وتولي إدارة الأزمة مباشرة. حينها أعلنت الحكومة الإسبانية إرسال وحدات من الجيش لدعم قوات الحرس المدني، إضافةً إلى تعزيزات أمنية وبحرية وجوية، وقرّر، بعدها، رئيس الوزراء الإسباني التوجّه، شخصياً، إلى سبتة لمتابعة إدارة الأزمة من هناك، معلناً إغلاق  المعبر الحدودي مع مدينة مليلية تحسباً لامتداد الأزمة.

     لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت المواجهات السياسية إلى الداخل الإسباني. فزعيم “حزب الشعب” اتهم الحكومة الإسبانية بالتسبب بـ”أزمة أمن قومي”؛ أما زعيم “حزب ڨوكس” اليميني وصَف ما جرى بأنه “غزو”، محملاً الحكومة تبعات تشجيع الهجرة غير النظامية. وقد امتدت الأزمة إلى إيطاليا من خلال رئيسة الوزراء، ميلوني، التي صعّدت الموقف، معلنةً أنها تدرس إجراءات استثنائية لتعليق العمل ب “اتفاقية شينغن” مع إسبانيا، وهو ما تمّ، بالفعل، عندما أعلنت الحكومة الإيطالية تعليق العمل بترتيبات هذه الاتفاقية مع إسبانيا لمدة شهر، الشيء الذي دفع وزير الخارجية الإسباني إلى وصف تصريحات رئيسة وزراء إيطاليا بالديماغوجية السياسية، معلناً، في نفس الوقت، استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج رسمياً. ودخل على الخط، كذلك، مُفوّض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ليعلن استعداده لتقديم دعم إضافي لإسبانيا من أجل حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ في حين اكتفى وزير الداخلية الفرنسي بالقول أن فرنسا ستشدد ضبط حدودها مع إسبانيا، بعد تزايد تدفق أعداد المهاجرين من معبر سبتة.

 أما على مستوى المغرب الرسمي، فلم تُصدر السلطات أيّ بيان يوضّح ويفسّر ما جرى ويجري؛ في حين تمّ التأكيد، عبر مصدر رسمي، أن هناك تواصلاً مع مدريد من أجل التوصل إلى اتفاق يعزّز التنسيق والعمل المشترك على إعادة المهاجرين إلى ديارهم. حزبياً، فقد تراوحت المواقف السياسية بين ضرورة إطلاق حوار وطني يشمل قضية الشباب، إذ لا يمكن قبول رؤيتهم في هذه الظروف الحاطّة بالكرامة، وبين تحميل الحكومة المسؤولية التامة على ما يحدث.

  وهكذا استمرت كرة ثلج “أحداث سبتة” بالتدحرج إلى أن وصلنا  للتدويل الإعلامي الشامل بعدما لم تفوت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الفرصة، إذ استغل بعض المسؤولين في إدارته صور وفيديوهات الحشود وسط أمواج البحر للدفاع عن سياساتهم المتشدّدة في ملف الهجرة، وهو ما عبّر عنه ترامب  نفسه بالقول: “شاهدت الكارثة التي وقعت في إسبانيا.. وسيحصل لنا الشيء نفسه إذا لم يُنتخَب الجمهوريون، بل سيكون أسوأ وأوسع نطاقاً”.

     خلاصة الأمر، سيظل السؤال مطروحاً: هل ما حدَث مجرّد فقاعة إعلامية وأمر عابر أم أنه سيتحول إلى أزمة سياسية طويلة المدى، تُعيد رسم طبيعة النقاش السياسي داخل أوروبا حول قضايا الهجرة والأمن على حدودها؟ يبدو أن ما حدَث يتجاوز، فعلاً، كونه مجرّد موجة عابرة للهجرة غير النظامية، بل من المتوقع أن يفرض النقاش نفسه حول ثلاثة ملفّات أساسية، على الأقل، وهي شديدة الحساسية داخل الاتحاد الأوروبي: 

       – مسألة إدارة الحدود الأوروبية في علاقتها بالجنوب؛

     – مسألة الانقسام السياسي الأوروبي الحاد حول قضايا الهجرة والأمن؛

     – مسألة العلاقات الإسبانية-المغربية في مجملها.

شارك هذا الموضوع

حسن زهير

باحث وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!