كرة القدم بين الصورة و الرمز: بين برودة الإيدلوجية و الحفاوة الشعبية

كرة القدم بين الصورة و الرمز: بين برودة الإيدلوجية و الحفاوة الشعبية

د. عبد الوهاب الصافي

الآن، بعد أن انقشع الغبار ونزل الستار عن بطولة كأس العالم لسنة 2026-2030 يمكننا ان نرجع الى بعض ما قيل من طرف بعض المنتقدين على الدور “السلبي” الذي تلعبه كرة القدم وتأثيره على “وعي” الجماهير بإلهائها أو ابعادها عن مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بمعنى آخر، يجنح هؤلاء النقاد الى اعتبار:

  • الوعي يتجلى أساسا في التعبير المباشر على هذه المطالب
  • وأن وعي الجماهير يوجه حسب ما تعبر عنه “الطليعة” المثقفة والملتزمة سياسيا والمنتسبة ايدلوجيا
  • وأن ممارسة كرة القدم كنشاط رياضي فردي او جماهيري، خاصة في إطار منافسات محلية، جهوية او قارية، لا تخلو عن كونها عمل ليس له أية فائدة لأنه لا يؤدي الى تملك الممارسين والناشطين والمحبين للوعي المطابق، ويبعدهم عن فهم واقعهم المعيش وعن العمل المنظم من أجل تغييره،

في هذه المقالة سنناقش هذه التصورات ونقدم وجهة نظر مغايرة لهذه المواقف المعارضة لحق الجماهير في التمتع بما يناسب مشاعرها وعواطفها. سنتناول في اول الأمر مشكلة نمو وتطور الوعي الطبقي والسياسي عند الجماهير ثم سنعرج على واقع هذا الوعي فيما يخص كرة القدم كنشاط رياضي وجماهيري عبر التطرق الى علاقة “الصورة” ب”الرمز” والى التناقض الذي تعيشه هذه الرياضة في مجتمع رأسمالي مشيئ ودور العمل التقدمي الذي يجب أن يقوم به وسط الجماهير المحبة لرياضة كرة القدم من أجل المساهمة في نمو الوعي التقدمي والمتحرر والعمل على تأطيره من أجل جعله يساهم بشكل مباشر في معركة الحرية و بناء الديموقراطية.

1- الوعي السياسي (بعجالة نذكر هنا بأهم الأطروحات التي تم تداولها حول الموضوع)

من المتفق عليه في الأدبيات السوسيولوجية أن الوعي الطبقي والسياسي لا ينشأ ك”نور يقدفه الله في قلوب المؤمنين”، بل يتطور عند تقاطع الظروف المعيشية المادية، وتجربة الصراع الجماعي، وعملية التعبير الأيديولوجي.

تاريخيًا واجتماعيًا، تتكشف عملية الصحوة والتشكيل هذه في عدة مراحل رئيسية.

أ. من التجربة الفردية إلى الإدراك الجماعي (الطبقة “في ذاتها”)

تبدأ هذه المرحلة بالظروف المادية المشتركة: أفراد يواجهون نفس القيود الاقتصادية، وعلاقات التبعية، أو الهشاشة.

طالما يُنظر إلى المصاعب على أنها إخفاقات فردية أو مصائر محتومة، يبقى الوعي السياسي غائبًا. ويحدث التحول عندما يُنظر إلى المعاناة أو الإحباط الشخصي على أنه مشكلة هيكلية مشتركة بين مجموعة بشرية.

ب. بوتقة الصراع والفعل (الطبقة “لذاتها”

في التقليد السوسيولوجي (ولا سيما الماركسي)، يُعد العمل الجماعي – سواء تمثل في الإضرابات أو المظاهرات أو المقاطعة أو الاحتجاجات – هو المحرك الذي يحوّل فئة اجتماعية سلبية (خاملة) إلى فاعل سياسي واعٍ.

          – تحديد “نحن” و”هم”: يجعل الصراع حول المصالح المتعارضة بين المجموعات أمراً ملموساً (أصحاب العمل مقابل الموظفين، والحكام مقابل المحكومين).

          – تعلم التضامن: إن التنظيم المشترك في مواجهة المعارضة أو القمع يعزز الشعور بالانتماء والقوة الجماعية.

ج. الوساطة الأيديولوجية ودور المنظمات

لا تكفي الظروف المادية وحدها؛ إذ لا بد من وجود إطار لتفسير الواقع وتوجيه الفعل الجماعي

 – أدوات التثقيف والوعي: توفر النقابات العمالية والأحزاب السياسية والجمعيات والإعلام البديل وحركات المواطنين المفردات والمفاهيم والرموز اللازمة للتعبير عن الظلم.

– “المثقفون العضويون”: وفقاً للإطار التحليلي لأنطونيو غرامشي، تُفرز كل طبقة شخصيات خاصة بها (من نشطاء وممثلين ومفكرين وفنانين) تكون قادرة على تحويل التجربة المعاشة على أرض الواقع إلى مشروع سياسي شامل.

د. التحرر من الهيمنة الثقافية 

لكي يتبلور الوعي السياسي، لا بد أن تنجح مجموعة ما في تفكيك الهيمنة الثقافية السائدة؛ أي تلك المنظومة من الأعراف والقيم والمعتقدات التي تروج لها المؤسسات (كالمدارس ووسائل الإعلام والخطاب الرسمي)، والتي تُصوِّر النظام القائم بوصفه أمراً طبيعياً أو حتمياً.

ج. الديناميكيات في العصر الرقمي

لقد أفسحت المساحات التقليدية للتنشئة السياسية (مثل المصانع والنقابات العمالية الكبرى) المجال اليوم لديناميكيات أكثر فردية وأفقية:

          – الوعي الشبكي: تُسرِّع المنصات الرقمية من وتيرة تداول أساليب الاحتجاج ونمو الوعي (من خلال الحركات المرنة وشبكات التواصل الاجتماعي).

          – مخاطر التشرذم: تتيح عمليات الحشد الافتراضي هذه صحوة سياسية سريعة، لكنها قد تفضي أحياناً إلى شكل من أشكال الوعي يتسم بالتقلب وعدم الاستقرار، ويفتقر إلى الرسوخ في هياكل تنظيمية متينة ومستدامة.

في تناول هذا الموضوع نجد أنفسنا أمام أطروحتين، الأولى نظرية وتاريخية والثانية تكنولوجية ومعاصرة، تتفاعلان  من أجل توضيح وسائل الصحوة السياسية، نسردهما فيما يلي:

1- مفهوم الهيمنة الثقافية عند غرامشي: معركة الأفكار

بالنسبة للمُنظِّر الإيطالي أنطونيو غرامشي (مؤلف “دفاتر السجن”)، لا تستند سلطة الطبقة الحاكمة إلى القوة الأمنية أو الاقتصادية فحسب، بل ترتكز أيضاً على “الرضا الثقافي” الذي تنجح في انتزاعه من عامة الناس.

الجوانب الرئيسية للمفهوم:

 “الحس المشترك” il senso comun- يشير هذا المصطلح إلى مجموعة التصورات والقيم والمعايير التي تنقلها المدارس والصحافة والكنيسة أو الخطاب العام؛ إذ تُصوِّر هذه العناصر مصالح الطبقة المهيمنة على أنها “حس مشترك” عالمي وشامل. ويرى غرامشي أن عملية رفع الوعي تبدأ حينما يبدأ الناس في مساءلة هذا “الحس المشترك” والتشكيك فيه.

      – “حرب المواقع”: على النقيض من “حرب الحركة” (التي تتمثل في الانتفاضة المسلحة أو الاستيلاء السريع على السلطة)، تتطلب عملية رفع الوعي عملاً دؤوباً وصبوراً داخل المجتمع المدني لبناء “هيمنة ثقافية مضادة”.

  • – المثقفون العضويون: يشدد غرامشي على أن رفع الوعي يستلزم وجود مرجعيات وشخصيات قادرة على نقل الأفكار؛ وهؤلاء هم نشطاء ومعلمون وفنانون أو عمال مؤهلون ينتمون إلى عامة الشعب، ويمتلكون القدرة على تحويل التجارب المعاشة على أرض الواقع إلى مشروع سياسي متماسك.     
  • 2- الفضاء الرقمي: وعيٌ متذاخل شبكياً

في الوقت الراهن، يجري تعزيز -أ و حتى استبدال – الفضاءات التقليدية للتسييس (مثل المصانع، ومكاتب العمل، والاجتماعات العامة) بتدفقاتٍ رقمية.

عوامل تسريع اليقظة السياسية:

           – تجاوز الوسطاء: تتيح شبكات التواصل الاجتماعي تخطي المرشحات الإعلامية التقليدية؛ إذ يمكن لمقطع فيديو مُصوَّر من قلب الحدث أو شهادة مباشرة عن واقعة ظلم أن يُشعل فتيل وعيٍ فوري وواسع النطاق.

           – العمل التشاركي الشبكي: تتخذ عملية التسييس طابعاً فردياً ولا مركزياً، حيث يصبح كل فرد مشاركاً فاعلاً من خلال مشاركة المحتوى، أو الانضمام إلى حملات الحشد عبر الوسوم (الهاشتاغ)، أو المساهمة في صياغة السردية الجماعية.

3- محددات النموذج الرقمي

           – تقلب حركات الحشد: ففي حين تتم عملية رفع الوعي بسرعة فائقة (ما يُعرف بـ “تأثير الشرارة”)، يظل التنظيم طويل الأمد هشاً؛ إذ يواجه الانخراط خطر الزوال السريع في غياب كيانات تنظيمية راسخة تتولى استكمال المسيرة.

– الهيمنة الخوارزمية: تخضع المنصات لخوارزميات التفاعل التي تمنح الأولوية للعاطفة وحالات الغضب الفوري؛ وهو ما قد يؤدي إلى نشوء “فقاعات التصفية” والاستقطاب العاطفي، بدلاً من التحليل السياسي المنهجي.

ملخص: حقبتان ومنطقان

النموذج الرقمي (المعاصر)

النموذج الغرامشي (التقليدي)

البعد

المنصات، ومقاطع الفيديو المباشرة، وحلقات المراسلة

النقابات، ومجموعات التعليم الشعبي، والصحافة الناشطة

الناقلة الأساسية

فورية وتفاعلية وتكتسب طابعاً عالمياً في الحال

 

متأنية ونظرية وراسخة في الحياة اليومية المحلية

وتيرة الصحوة

أفقية وشبكية ومرنة

 

عمودية ومنظمة ومستدامة

الهيكلية

تحويل الغضب العابر إلى تنظيم دائم

 

اختراق المؤسسات الثقافية

التحدي الرئيسي

باختصار: لقد سرّعت وسائل التواصل الاجتماعي وتيرة “حرب المواقع” لدى غرامشي من خلال لامركزية إنتاج الأفكار؛ ويكمن التحدي المعاصر الكبير في تحويل هذا الوعي الرقمي -الذي يتسم غالباً بالسيولة وردود الفعل الآنية- إلى قوة سياسية قادرة على الاستمرار على المدى الطويل.

4- واقع كرة القدم بين الصورة و الرمز

على الرغم من الخلط الشائع بينهما في اللغة اليومية، فإن الصورة والرمز يمثلان طريقتين مختلفتين جوهرياً (وإن كانتا متكاملتين) لفهم الواقع، وتنظيم الفكر، والتواصل.

باختصار: الصورة تُظهر، بينما الرمز يدعو إلى التأمل[1]    

 أ. الصورة: المرآة والشكل والمماثلة

تُعد الصورة، في جوهرها، تمثيلاً بصرياً أو ذهنياً يقيم علاقة تشابه أو مماثلة مع الشيء الذي تشير إليه. وفي سياق السيميائيات عند “تشارلز ساندرز بيرس”، غالباً ما تُشبَّه الصورة بـ “الأيقونة” (Icon).

          – أولوية الإدراك: تفرض الصورة نفسها على الرؤية المباشرة؛ فالصورة الفوتوغرافية لغابة، أو رسم لمنزل، أو وصف لمشهد طبيعي في عمل أدبي، تسعى جميعها إلى نقل ملامح أو ألوان أو أجواء واقع ملموس.

          – علاقة المماثلة: تعمل الصورة وتؤدي وظيفتها بفضل تشابهها مع النموذج الأصلي؛ فهي تلتقط ما هو مرئي وتنقل صورته إلى الذهن.

     – تعدد الدلالات المباشرة: على الرغم من طابعها المباشر، يمكن للصورة أن تثير تفسيرات متعددة ومتنوعة تختلف باختلاف حساسية المشاهد، ومع ذلك تظل الصورة راسخة في شكلها المادي أو الوصفي الخاص.

ب . الرمز: جسر، واتفاق عرفي، ومعنى خفي

الرمز هو علامة تشير إلى واقع مجرد أو غير مرئي أو مفاهيمي، وذلك بحكم العرف الثقافي أو التقاليد أو وجود تناظر قياسي عميق.

           – أولوية التأويل: يتطلب الرمز وجود شفرة أو ثقافة مشتركة لفهمه؛ فبدون مفتاح تأويله، يعود الرمز مجرد شيء مادي أو صورة عادية.

الجمع بين المرئي وغير المرئي : في حين أن الرمز يحيل على واقع مجرد. فمن الناحية الاشتقاقية (استناداً إلى الكلمة اليونانية *sumbolon*)، ​​يُعد الرمزُ شيئاً قُسِّم إلى شطرين، وكان إعادةُ ضمهما تتيح لحاملَي الشطرين التعرف على بعضهما البعض. وهو يجمع دائماً بين حقيقتين: عنصر ملموس (الوسيط) وفكرة مجردة (المعنى).

                      – التحرر من شرط المحاكاة الدقيقة: لا يشترط بالضرورة أن يشبه الرمزُ ما يرمز إليه؛ فليس في شكل “الميزان” أو صورة الحمامة ما يشير جوهرياً إلى “العدالة” أو “السلام”، وإنما التاريخ والثقافة هما اللذان رسّخا هذا الارتباط الدلالي.

جدول المقارنة: الفروق الدقيقة الرئيسية

الرمز

الصورة

السمة

العرف (تاريخي، أو ثقافي، أو أسطوري).

 

لتشابه (تماثل بصري أو شكلي).

 

العلاقة بالموضوع

استحضار فكرة، أو قيمة، أو مفهوم مطلق.

 

تمثيل الواقع أو الخيال. 

 

الهدف الأساسي

تجريدي ومفاهيمي للغاية.

 

ملموس أو تصويري في الغالب.

 

مستوى التجريد

 

الميزان المستخدم كرمز للعدالة.

 

رسم واقعي لزوج من الكفتين (ميزان).

 

مثال

 

ج – التقارب: حين ترتقي الصورة إلى مصاف الرمز

تصبح الحدود الفاصلة نفاذة ومثيرة للاهتمام بشكل خاص عندما تتجاوز الصورة وظيفتها المتمثلة في مجرد “التمثيل” لتغدو رمزاً؛ وهذا هو المجال الطبيعي للفن، والميثولوجيا، والتحليل النفسي (ولا سيما من خلال مفهوم “النماذج الأولية” لدى كارل يونغ)، والاتصال السياسي.

عملية الترميز: لنأخذ صورة الأسد مثالاً؛ فعلى المستوى الحرفي، هي صورة لحيوان مفترس يعيش في السافانا. غير أن هذه الصورة -المشبعة بقرون من الموروث الثقافي- تتراجع لتفسح المجال أمام رمزية السيادة أو الشجاعة أو الملكية. وهكذا، تتحول الصورة إلى وعاءٍ للخيال الجمعي.

في مجتمعاتنا المعاصرة التي تغص بالشاشات، يتواصل هذا التحول باستمرار؛ إذ لم تعد شعارات ” العلامات التجارية، ومقاطع “الميمات” المنتشرة عبر الإنترنت، والصور الصحفية الأيقونية مجرد صور عادية، بل أصبحت تعمل بمثابة رموز مكثفة للغاية تعبر عن المكانة الاجتماعية، أو القيم السياسية، أو الحركات الشعبية.

عند إسقاط هذه المفاهيم على كرة القدم، تكفُّ “الصورة” و”الرمز” عن كونهما مجرد مفاهيم نظرية، ليصبحا القوى المحركة لما يُعرف بـ “الظاهرة الاجتماعية الشاملة” (حسب تعبير  مارسيت موس)؛ إذ يغدو الملعب مسرحاً للأساطير المعاصرة، حيث تتجذر الحماسة الجماهيرية في رموز عميقة وتتأجج بفعل صورٍ قوية التأثير.

ولعل كرة القدم هي الساحة المعاصرة التي يبرز فيها بوضوحٍ شديد ذلك التمايز – وما يصاحبه من توتر- بين الصورة (باعتبارها مشهداً استعراضياً) والرمز (باعتباره تجسيداً للهوية).

                           الرمز: ترسيخ الهوية والمقدس           د-

إذا كانت كرة القدم تُلهم تفانياً أشبه بالولاء الديني، فذلك لأنها ترتكز على أساس رمزي قوي. فالنادي ليس مجرد مشروع تجاري، بل هو مجتمع يجمعه مصير مشترك.

          – القميص والشعار (الرموز المقدسة): القميص ليس مجرد قطعة ملابس، بل هو بمثابة جلد ثانٍ ودرع للهوية. ويختزل الشعار تاريخ مدينة أو منطقة أو طبقة اجتماعية (مثل صناعة السفن في ليفربول، أو التعدين في لانس أو غيلسنكيرشن). وتُعدّ لفتة تقبيل الشعار بعد تسجيل هدف تصرفاً رمزياً خالصاً؛ إذ تُبرم من خلالها عهد ولاء مع المجتمع.

          – الملعب (المعبد العلماني): يُعد الملعب حيزاً مقدساً، منفصلاً عن الطبيعة الدورية للزمن اليومي. وهو يتميز بطقوسه الخاصة: الهتافات (أناشيد المشجعين الحقيقية)، والمقاعد التي تظل ثابتة لا تتغير من موسم لآخر، وتقديس الأسلاف (أساطير النادي الذين تزين وجوههم المدرجات).

          – كرة القدم كتعويض عن السيادة: تكتسب رموز الدولة (كالنشيد الوطني والأعلام) دلالات عاطفية عميقة أثناء المنافسات الدولية؛ إذ تتحول المباراة إلى استعارة سلمية للحرب، وتصبح تأكيداً رمزياً على وجود الشعب في نظر العالم.

الصورة: المشهدية والتحول إلى أيقونة                         ه-

في حين يعزز الرمزُ الولاءَ، تخلق الصورةُ مشهديةً وتُشعل الحماس على نطاق عالمي؛ فنحن بصدد ما أطلق عليه غي ديبور مصطلح “مجتمع المشهد”.

          – اللاعب-الأيقونة: تصوغ كاميرات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي صوراً للاعبين يظهرون بمظهر “أنصاف الآلهة”. إذ تُبرز لقطات الإعادة البطيئة المهارةَ الفنية، وتتحول الاحتفالات المُنسّقة مسبقاً إلى علامة مميزة (مثل الاحتفالية الخاصة برونالدو)؛ وبذلك تتجاوز صورة اللاعب حدود الأداء الرياضي لتصبح منتجاً ثقافياً عالمياً.

– الجاذبية البصرية للعبة: صُممت كرة القدم الحديثة واضعةً الجانب البصري في صلب اهتمامها؛ فالعشب المُعتنى به بدقة فائقة، والإضاءة القوية والمشبعة، وتعدد زوايا التصوير، تحوّل المباراة التي تستغرق 90 دقيقة إلى منتج بصري آسر قادر على جذب انتباه المليارات من البشر في آن واحد.

         التيفو: نقطة الالتقاء المثالية                                                    و-

يُعد “التيفو” (تلك العروض الضخمة التي ترفعها الجماهير في المدرجات قبيل انطلاق المباراة) مثالاً نموذجياً للدمج بين الصورة والرمز.

التيفو عبارة عن صورة ضخمة، مُنسّقة بعناية، وزاهية الألوان، وتتمتع بجمالية عالية؛ صُممت لتترك أثراً لا يُنسى في الأذهان (وعلى شاشات العرض). ومع ذلك، فهي صورة مشحونة بالدلالات الرمزية: إذ تستحضر التاريخ المحلي، أو تسخر من منافس تاريخي، أو تعبّر عن موقف سياسي واجتماعي. ومن خلال التيفو، تستعيد مدرجات المشجعين زمام المبادرة في المشهد البصري لفرض رموزها الخاصة.

               الحماس الجماهيري: بين الأصالة والتحول إلى سلعة           ز-

ينبع الحماس الجماهيري من التوتر المستمر بين هذين البعدين:

– المقاومة عبر الرمزية: تظل كرة القدم، بالنسبة للطبقات العاملة، إحدى الساحات القليلة المتاحة للتعبير الجماعي وإثبات الحضور. ويتسم الحماس في هذه الساحات بطابع عفوي وخام – بل ومتمرد أحياناً – ولا يخضع للمنطق المالي؛ إذ يظل العنصر الرمزي (حب النادي، والاعتزاز بالهوية المحلية) ركيزةً أصيلة لا يمكن انتزاعها.

– الاستيعاب عبر الصورة التسويقية: تسعى الهيئات الإدارية والجهات الناقلة للمباريات إلى استغلال هذا الحماس الجماهيري وتحويله إلى “صورة علامة تجارية”؛ حيث يجري تسويق أجواء المدرجات كعنصر جذب لرفع قيمة حقوق البث. ويؤدي ذلك إلى محاولات لإضفاء طابع النخبوية (أو “الارتقاء الطبقي”) على الملاعب، سعياً لاستبدال صورة “المشجع الناشط” (الذي يحمل قضية وانتماءً) بصورة نمطية لـ “المشاهد المستهلك”.

تظل كرة القدم مرآةً مكبِّرةً للمجتمع؛ فهي رياضةٌ ولدت في وحل مدن الطبقة العاملة البريطانية – مجسِّدةً بذلك روح الجماعة – ثم تطورت لتصبح أقوى صناعة ترفيهية على وجه الأرض، ومثالاً “للصورة” في أبهى صورها.

        في خضم تطورات كرة القدم بزغت و نمت ثقافة “الألتراس“.                        ن –

تُعد ثقافة “الألتراس” – التي ظهرت في إيطاليا أواخر ستينيات القرن الماضي قبل أن تنتشر في جميع أنحاء العالم – واحدةً من أقوى الحركات الشبابية وأكثرها تنظيماً واستمرارية في التاريخ الحديث.

ولم تقتصر أدوار هذه المجموعات على بث الحماس في المدرجات فحسب، بل حولت الملاعب إلى مساحات لممارسة “سلطة مضادة”، مُعيدَةً توظيف الرموز الرياضية لتصبح أدوات للاحتجاج السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

  1. فلسفة “الألتراس”: الاستقلالية كمبدأ جوهري

لفهم كيفية تحدي هذه المجموعات للمؤسسة الرياضية القائمة، لا بد أولاً من استيعاب مبدئها الأساسي: الاستقلالية الذاتية.

– رفض الطابع التجاري: يتمثل الشعار العالمي لمجموعات “الألتراس” في عبارة “ضد كرة القدم الحديثة”؛ إذ يعارضون تحويل المشجع إلى مجرد زبون.

– التمويل الذاتي: حفاظاً على حرية التعبير، ترفض مجموعات “الألتراس” الحقيقية الحصول على دعم مالي من الأندية، وتعتمد بدلاً من ذلك على تمويل عروضها البصرية (المعروفة بـ “التيفو”)، ورحلات التنقل للمباريات الخارجية، والمعدات، وذلك من خلال بيع منتجاتها الخاصة (مثل القمصان والأوشحة) ورسوم العضوية.

– امتلاك الرمز: من خلال تنصيب أنفسهم “حماةً للمعبد”، يرى أعضاء مجموعات “الألتراس” أن المديرين التنفيذيين والمساهمين واللاعبين ليسوا سوى عابرين، في حين أنهم هم – أي جماهير المدرجات –  يجسدون الهوية الخالدة للنادي.

  1. الملعب كـ”منطقة حكم ذاتي مؤقتة”

في العديد من السياقات السياسية، يصبح المدرج خلف المرمى (مدرج المشجعين) المكان الوحيد الذي يُمكن فيه التعبير الجماعي بحرية. فعندما تُضعف الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو وسائل الإعلام الرئيسية، أو تُسيطر عليها أو تُكمم أفواهها، يُصبح الملعب بمثابة صمام أمان اجتماعي.

إن إخفاء هوية الجمهور، والتنسيق عبر مكبرات الصوت، و”تأثير الحشد” تُتيح ترديد رسائل تُقمع فورًا في الشارع.

  1. من هتافات الملاعب إلى المعارضة الفعلية: ثلاث دراسات حالة

تاريخياً، تجلت عملية إعادة توظيف الرموز هذه بشكل لافت في جميع أنحاء العالم:

إيطاليا في حقبتي السبعينيات والثمانينيات: مرآة للتوترات السياسية   

نشأت ثقافة الألتراس الإيطالية في حالة من الاستقطاب الحاد (ما عرف بسنوات الرصاص)، و استلهمت هياكلها التنظيمية من أشكال الحراك السياسي السائد آنذاك, فقد تبنت المجموعات أسماء ذات دلالة قوية مثل “عرين الأسود” و “الألوية” و أنماطا خطية لليسار المتطرف او اليمين المتطرف، فضلا عن استعمالها لرموز – ك”النجمة الخماسية او الصليب السلتي- للتعبير عن الهوية الإيدلوجية لحيها او مدينتها.

مصر (2011): من المدرجات إلى ميدان التحرير

لعبت مجموعات “الألتراس” المشجعة لناديي الأهلي (“الأهلاوية”) والزمالك (“الوايت نايتس”) دوراً طليعياً في الثورة المصرية عام 2011. ونظراً لاعتيادها لسنوات على مواجهة قوات الأمن في المساحات المحدودة للملاعب، تمتلك هذه المجموعات تنظيماً شبه عسكري، وثقافة قائمة على التضامن الجسدي، وجعبةً من الهتافات المناهضة للسلطة؛ وقد انتقلت رموزها وشعاراتها من المدرجات إلى الشوارع، مما ساهم في تشكيل وتنظيم الحراك الاحتجاجي السياسي.

المغرب العربي المعاصر: صوت من لا صوت لهم

لا شك أن هذا يُعدّ واحداً من أبرز الأمثلة اللافتة في السنوات الأخيرة؛ فقد أفرزت مدرجات الملاعب في كل من الدار البيضاء والجزائر العاصمة وتونس إبداعات حقيقية في مجال الشعر الشعبي والتعليق الاجتماعي.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك هتاف “في بلادي ظلموني” الذي أطلقته مجموعة “ألتراس إيجلز” (المشجعة لنادي الرجاء البيضاوي)، والذي تحول إلى ظاهرة عالمية.

لا يتمحور هذا الهتاف حول كرة القدم أو الخطط التكتيكية أو الانتصارات الرياضية، بل يعبّر عن معاناة الشباب وشعورهم بالتهميش، وقضايا الهجرة السرية، والتوق إلى الكرامة. وفي غضون أشهر قليلة، تجاوز هذا الرمز الموسيقي حدود الملاعب ليتردد صداه في الاحتجاجات الاجتماعية عبر أرجاء المنطقة، ويصبح بمثابة نشيد لجيل بأكمله.

  1. كسر القواعد المألوفة: فن “التيفو” السياسي

يُعد “التيفو” (اللوحة الفنية التي تشكلها الجماهير في المدرجات) السلاح البصري الأقوى في جعبة مجموعات “الألتراس”. ورغم أن الهيئات الحاكمة لكرة القدم (مثل الفيفا أو الإتحاد الأوروبي تيفا) تحظر بشدة الرسائل السياسية، إلا أن مجموعات المشجعين تلجأ إلى أساليب مبتكرة للالتفاف على الرقابة عبر استخدام الرموز والاستعارات.

استخدام صور غير تقليدية ومتمردة: توظيف شخصيات من الثقافة الشعبية (مثل “الجوكر” أو أقنعة مسلسل *موني هيست *) أو شخصيات تاريخية محلية قادت حركات المقاومة، وذلك للرمز إلى  صراع “الإنسان البسيط” ضد “الطرف الأقوى” (أي المؤسسة أو السلطة القائمة).

– الجيوسياسة في المدرجات: عرض رسائل تضامن دولي (لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي تظهر بوضوح في الملاعب حول العالم – من نادي سلتيك غلاسكو وصولاً إلى العالم العربي)، مما يدمج القضايا والنقاشات العالمية في حدث يبدو ظاهرياً مجرد نشاط ترفيهي وتجاري بحت.

وفي المحصلة، تبرهن ثقافة “الألتراس” أن كرة القدم الشعبية ترفض أن تُختزل في مجرد “صورة” مصقولة ومُهذبة معدّة للاستهلاك الجماهيري الواسع. فمن خلال إضفاء دلالات سياسية واجتماعية على المباريات، يُذكّرنا المشجعون بأن هذه الرياضة تظل ملكية جماعية ومرآة تعكس الانقسامات التي يشهدها العالم.

                             حشد جماهير الألتراس                               ح –

في مواجهة قدرة جماهير الألتراس على الحشد واستعادة السيطرة على المدرجات، اتخذت الدول والهيئات الكروية (الفيفا، اليويفا، الدوريات الوطنية) استجابة هيكلية ذات شقين.

إنها قصة مواجهة استمرت ثلاثين عامًا. بالنسبة للمؤسسات، يتمثل الهدف في تحييد الإمكانات التخريبية للملعب وتحويله إلى مساحة آمنة، يمكن التنبؤ بها، ومربحة للغاية. تستند هذه الاستراتيجية إلى ركيزتين متكاملتين: سيطرة الشرطة على الأفراد والإقصاء الاقتصادي للطبقات العاملة.

  1. 1. الترسانة الأمنية: المراقبة، وتصنيف الأفراد، والتفتيت

لطالما نظرت سلطات الدولة إلى مدرجات المشجعين —أو ما يُعرف بـ “الكوب” باعتبارها نقطة عمياء بالنسبة للأمن العام، أو منطقة خارجة عن القانون، أو بؤرة خصبة للتمرد. وقد ارتكزت استجابة السلطات على آليات ضبط تزداد تطوراً يوماً بعد يوم:

– تصنيف الأفراد وتتبعهم: استلهاماً من النموذج البريطاني المطبق في التسعينيات أو نظام “بطاقة المشجع” الذي استُحدث في إيطاليا خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، فرضت السلطات إجراءات تشمل ربط التذاكر بأسماء محددة، والتحقق المنهجي من الهوية، ومقاطعة البيانات مع قواعد بيانات الشرطة؛ والهدف من ذلك هو تجريد الحشود من طابع “مجهولية الهوية”.

–  فردية العقوبات: تتيح تدابير الحظر الإداري دخول الملاعب منعَ المشجع من الحضور دون الحاجة إلى إجراءات قضائية، وذلك استناداً فقط إلى قرار صادر عن المحافظة أو جهاز الشرطة. ويُضاف إلى ذلك قرارات منع السفر التي تحول دون تنقل آلاف المشجعين، مما يؤدي بالتالي إلى خنق ثقافة التنقل والسفر المتأصلة في حركة “الألتراس”.

  • – تجريم المظاهر الجمالية: تُحظر بانتظام -أو تخضع لإجراءات ترخيص رسمية صارمة وسائلُ مثل القنابل الدخانية ومكبرات الصوت والطبول، وحتى بعض اللافتات؛ إذ تهدف التدابير التي يُزعم أنها تضمن السلامة الصحية أو النظام العام إلى تفكيك اللوجستيات البصرية والسمعية لمدرجات المشجعين أيضاً.

تحسين المدرجات: الإقصاء عبر الإنفاق     2-

العامل الثاني ليس الأمن، بل الاقتصاد. أدركت سلطات كرة القدم أن أنجع طريقة لتهدئة الجماهير في الملعب ليست بالضرورة نشر الشرطة، بل تغيير تركيبة الجمهور.

  • – استراتيجية المقاعد فقط: في أعقاب تقرير تايلور (1990) – الذي أُعدّ بعد كارثة هيلزبره في إنجلترا – مُنعت مناطق الوقوف (التي كانت تاريخيًا الأرخص والأكثر حيوية) تدريجيًا في البطولات الكبرى. ويؤدي التحول إلى ملاعب “المقاعد فقط” تلقائيًا إلى تقليل السعة وتغيير سلوك الجمهور.

– ارتفاع الأسعار (نموذج الدوري الإنجليزي الممتاز): من خلال الرفع الهائل لأسعار التذاكر الموسمية وتذاكر المباريات الفردية، مارست الأندية فعلياً نوعاً من “التصفية الاجتماعية”؛ إذ أدى ارتفاع التكاليف تدريجياً إلى إقصاء أبناء الطبقة العاملة —التي تُعد القاعدة الجماهيرية التاريخية لكرة القدم— من مراكز المدن والملاعب، مفسحين المجال لجمهور يغلب عليه طابع المهنيين العاملين في الشركات، والسياح، والعائلات الميسورة.

          – التحول من “مشجع” إلى “مستهلك”: يتمثل الهدف المعلن في استبدال الجماهير —التي يصعب التنبؤ بردود أفعالها والقادرة على الاحتجاج عبر حجب الدعم أو ترديد هتافات معارضة— بـ “عميل” سلبي يقتصر دوره على مشاهدة عرض استعراضي، وشراء قميص رسمي من متجر النادي، والقيام بعمليات شراء في أروقة الملعب.

ملخص: مقاربتان  ونتيجة واحدة

المقاربة التجارية (الهيئات الإدارية / الأندية)

المقاربة الأمنية (الدولة)

 

البعد

تعظيم الأرباح؛ وحماية الصورة الذهنية لـ “منتج” كرة القدم.

الحفاظ على النظام العام؛ وتحييد احتمالية تحول الحشود إلى قوة متمردة.

الهدف الرئيسي

 

رفع الأسعار، وإلغاء مدرجات الوقوف، والتوسع في مقصورات كبار الشخصيات

التسجيل البيومتري، والحظر الإداري، وحل المجموعات.

 

الوسائل الرئيسية

 

جمهورٌ موجّهٌ للعائلات، يتسم بالسلبية والنزعة الاستهلاكية، ولا يكترث بالسياسة.

ملعب خاضع لرقابة شاملة، حيث يتم تتبع كل حركة للأفراد.

 

الهدف المنشود

 

 

                          الحرب الدلالية ورقابة الرموز                ط-

إنّ ساحة المعركة الأكثر دقة هي ساحة الصورة. تفرض الهيئات الإدارية حيادًا سياسيًا مطلقًا داخل الملاعب، تحت طائلة عقوبات مالية باهظة على الأندية.

مفارقة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم/الفيفا: تُحبّذ القنوات التلفزيونية لقطات المدرجات المشتعلة، واللافتات الضخمة، والأجواء الحماسية في مدرجات المشجعين؛ فهذا جزء من “الحزمة” المُباعة لشبكات التلفزيون حول العالم. تسعى السلطات إذًا إلى صورة الحماس الجماهيري، ولكن دون أي رموز سياسية أو معارضة.

عندما يعرض المشجعون رسائل تضامن دولي أو انتقادات للهيئات الإدارية لكرة القدم، تتجنب الكاميرات بعناية تصوير ذلك الجزء من المدرجات، وتُصدر لجان التأديب غرامات. إنها محاولة لتجريد الثقافة الشعبية من جوهرها، والإبقاء فقط على الصور النمطية القابلة للتسويق.

على الرغم من هذا الضغط المزدوج، تُظهر مجموعات الألتراس مرونةً ملحوظة. ففي بعض الأحيان، يُمنعون من دخول الملعب أو تُفرض عليهم رقابة على لافتاتهم، فينقلون أساليبهم التنظيمية وقواعدهم إلى أماكن خارج الساحة الرياضية.

اكتشف كيف تمتد اليوم حالة المعارضة التي تميز جماعات “الألتراس”  إلى وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي.

كيف انتقلت ثقافة “الألتراس” وأساليبها الاحتجاجية إلى شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في ظل القيود والرقابة المفروضة داخل الملاعب؟

رغم إبعادهم عن المدرجات بفعل كاميرات المراقبة، ونظام التذاكر المرتبط بالهوية الشخصية، والرقابة الممنهجة على اللافتات، لم تختفِ مجموعات “الألتراس”؛ بل وسّعت نطاق حضورها، إذ أصبح الفضاء الرقمي امتداداً طبيعياً ومنطقياً لـ “الفيراج” (المدرج المخصص للمشجعين المتعصبين).

غير أن هذا الانتقال لم يتم عبر تبني سلبي لقواعد ومنصات التواصل الاجتماعي السائدة؛ فقد طوّعت جماعات “الألتراس” هذه الوسائل لتلائم المتطلبات الصارمة لثقافتها الخاصة، والتي ترتكز على مبادئ: إخفاء الهوية، والاستقلالية، وروح التمرد.

        الإعلام المضاد المستقل: كسر احتكار الصورة                                      ي-

في ظل الطابع التجاري المفرط لكرة القدم، تقطع جهات البث التلفزيوني الإشارة فور ظهور لافتة احتجاجية أو إشعال ألعاب نارية؛ والهدف من ذلك هو تنقية “المنتج” البصري. ولمواجهة هذا النوع من الرقابة الخفية، أنشأت مجموعات “الألتراس” منظوماتها الإعلامية الخاصة (مثل قنوات مخصصة على يوتيوب، وحسابات ضخمة على إنستغرام، وقنوات على تيليجرام).

 – معلومات مضادة وفورية: تبث هذه القنوات لقطات مباشرة من المدرجات، يلتقطها المشجعون أنفسهم من قلب الحدث. كما توثق هذه القنوات عنف الشرطة أو تجاوزات أفراد الأمن والتنظيم، مما يشكل درعاً قانونياً وإعلامياً.

– استعادة السيطرة على السردية: لم تعد البيانات الرسمية الصادرة عن هذه المجموعات تمر عبر “فلتر” الصحفيين الرياضيين الذين يُنظر إليهم باعتبارهم متواطئين مع إدارات الأندية؛ بل أصبحت تُنشر “خاماً” ومباشرةً على وسائل التواصل الاجتماعي، محققةً عشرات الآلاف من المشاركات في غضون دقائق، ومؤكدةً بذلك روايتها الخاصة للأحداث.

  1. “التيفو الإلكتروني” وحرب الميمات: التخريب عبر الصور

حسب جريدة الغارديان تتجذر ثقافة الألتراس تاريخيًا في السخرية والتهكم والاستفزاز البصري. وعلى الإنترنت، تطورت هذه الجمالية لتصبح أداةً فعّالة للتواصل السياسي.

  • الاستيلاء الجرافيكي: يُنشئ مصممو الجرافيك الجماعيون صورًا رقمية مصقولة للغاية، تتبنى الرموز الجمالية للتيفو التقليدي، ولكنها مُحسّنة للتنسيقات الرأسية وخوارزميات منصات مثل تيك توك وإنستغرام.
  • حرب الميمات: يستخدم الألتراس الفكاهة الرقمية للسخرية من رؤساء الأندية المنفصلين عن الواقع، ومساهمي صناديق الاستثمار، أو الهيئات التأديبية. تُصبح الميمات أداةً للتخريب الجماعي تُفلت من سلطات كرة القدم، مما يجعلها عاجزة قانونيًا أمام صورة تنتشر بسرعة على منصة مثل تويتر.
  1. 2. التخريب الرقمي واستهداف الرعاة

نظراً لأن كرة القدم الحديثة تعتمد بشكل كبير على السمعة الرقمية وقيمة العلامة التجارية، فقد تعلمت مجموعات “الألتراس” توجيه ضرباتها حيث يكمن الألم الحقيقي: الأرباح المالية للمؤسسات.

 – هجمات التقييم السلبي والغارات الرقمية: عندما يتخذ النادي قراراً يُنظر إليه على أنه مخالف لتقاليد وقيم الجماهير العريضة—مثل الرفع المبالغ فيه للأسعار، أو تغيير شعار تاريخي، أو نقل مباراة إلى ملعب آخر—تطلق مجموعات المشجعين حملات منسقة لإغراق أقسام التعليقات الخاصة بالشركاء الماليين والرعاة الرسميين بالرسائل.

– الخنق التسويقي: من خلال إغراق حسابات الرعاة بـ “وسوم” (هاشتاغات) الاحتجاج والمطالب الجماهيرية، يحوّل المشجعون الشراكات التجارية إلى كوابيس في مجال العلاقات العامة لتلك العلامات التجارية، مما يجبر مسؤولي النادي—بشكل غير مباشر—على التراجع عن قراراتهم لحماية عقودهم.

 – تأثير المضاعفة: للملعب سعة استيعابية مادية محدودة، أما الإنترنت فلا حدود له. فالهتاف الذي قد تمنعه ​​رابطة الدوري في مدرج يتسع لـ 5000 متفرج، يمكن أن يحصد 10 ملايين مشاهدة على منصة “تيك توك” في غضون أسبوع واحد، محوّلاً بذلك الغضب المحلي إلى ظاهرة ثقافية عالمية.

  1. تدويل الشعر الشعبي

يُعدّ تدويل أشكال وأساليب النضال أحد أقوى آثار هذا التحول الرقمي.

– أناشيد بلا حدود: لم تعد أغاني الاحتجاج – ولا سيما الأعمال ذات الطابع السياسي القوي القادمة من شمال أفريقيا أو أمريكا الجنوبية – محصورة في مناطقها الأصلية؛ فبفضل مقاطع الفيديو المترجمة التي تُتداول على نطاق واسع، تقوم مجموعات من المعجبين في أوروبا وآسيا بترجمة هذه الأغاني واقتباسها بما يتناسب مع سياقاتهم.

– عابر للحدود: تتبادل مجموعات من مختلف أنحاء العالم شروحات حول آليات الإنتاج، وتتشاور بشأن المشورة القانونية لمواجهة القوانين القمعية، وتنسق فيما بينها لرفع لافتات مشتركة عبر القارات (على غرار الاحتجاجات الموحدة التي نظمتها مجموعات “الألتراس” الألمانية والفرنسية ضد إصلاحات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”).

  1. “قانون الصمت” (أوميرتا) الرقمي في مواجهة رقابة الدولة

في ظل إجراءات التسجيل البيومتري، وتقنيات التعرف على الوجوه بالقرب من الملاعب، والمراقبة الخوارزمية التي تمارسها أجهزة الاستخبارات، اضطرت مجموعات “الألتراس” إلى تكييف مبدئها الجوهري: السرية والكتمان.

          السرية المشفرة: انتقلت ترتيبات السفر، والخدمات اللوجستية المعقدة لعروض “التيفو” ، والقرارات الاستراتيجية بالكامل بعيداً عن الشبكات العامة؛ إذ يجري حالياً تحويل كافة الاتصالات إلى  مُعدّة لخاصية الرسائل ذاتية الاختفاء. (Signal وTelegram) تطبيقات مراسلة عالية التشفير

– الالتزام الصارم بإخفاء الهوية البصرية: تُطمس وجوه الأعضاء بشكل منهجي أو تُغطى برموز تعبيرية (إيموجي) على الصفحات الرسمية للمجموعات؛ إذ يُحظر تماماً بروز الفردية أو نمط “المؤثر” الإلكتروني، ولا يُسمح عبر الإنترنت إلا بالهوية البصرية الجماعية للمجموعة.

وفي المحصلة، لم تؤدِ الرقابة المفروضة في الملاعب إلى وأد حالة المعارضة التي تمثلها مجموعات الألتراس، بل جعلتها غير متكافئة ومتحركة؛ فقد اقترن هذا التحول الميداني بانتقال دائم إلى الفضاء الافتراضي، حيث يستمر الحماس الجماهيري في الغليان وتوجيه الانتقادات للنظام على مدار الساعة، حتى بعد وقت طويل من إطلاق صافرة النهاية.

                             كرة القدم كظاهرة اجتماعية                         ك-

تتجاوز الصورة الرمزية لكرة القدم في أذهان الجماهير مجرد كونها ترفيهاً رياضياً، لتُرسخ مكانتها بوصفها “ظاهرة اجتماعية كلية” — بتعبير مارسيل موس. فبالنسبة للطبقات العاملة وعامة الناس، تعمل كرة القدم كمرآة مكبّرة للواقع الإنساني، ومساحة لإسقاط وتداخل الطموحات المتضاربة، وديناميكيات الهوية، والأدوار ذات الطابع شبه الديني.

ويمكن تفكيك هذه الصورة الرمزية وفهم دلالاتها من خلال عدة زوايا جوهرية :

  1. الدين العلماني والشركة الجماعية

بالنسبة للجماهير، غالباً ما تملأ كرة القدم الفراغ الذي خلّفه تراجع السرديات الدينية أو السياسية التقليدية الشاملة؛ إذ يُنظر إليها وتُعاش بوصفها ديناً علمانياً، له عقائده وطقوسه الخاصة:

– الملعب كمعبد: مساحة مقدسة يجتمع فيها الناس في فترة محددة                            

          – الطقوس والقديسون: تشبه هتافات المشجعين الترانيم الدينية، كما يُرفع شأن اللاعبين العظماء (مثل مارادونا أو بيليه أو ميسي) إلى مصاف الآلهة أو الشهداء، ليصبحوا رموزاً للخلود.

          – الحماس الجماعي: توفر اللعبة تجربة “تعالٍ أفقي” ــ أو ما يُعرف بـ “الفوران الجماعي” (وهو مفهوم محوري لدى إميل دوركايم) ــ حيث يذوب الفرد في الحشود ليشاركهم مشاعر جياشة، سواء كانت فرحاً غامراً أو حزناً جماعياً.

  1. أسطورة الجدارة والحراك الاجتماع

في عالم يُنظر إليه على أنه يتسم بتفاوت عميق وركود اجتماعي، تبرز كرة القدم كساحة مثالية للإنصاف والتحرر.

– الملعب كساحة تكافؤ فرص: تتلاشى داخل المستطيل الأخضر امتيازات المولد أو الثروة أو الطبقة الاجتماعية؛ إذ لا قيمة تعلو على الموهبة والعمل الجاد والجدارة.

          – ملحمة بطل الطبقة العاملة: تشكل قصة اللاعبين المنحدرين من خلفيات محرومة -والذين يغزون العالم بفضل عبقريتهم الفذة- رمزاً قوياً؛ فكرة القدم تجسد الأمل للشباب في المناطق الحضرية المهمشة ودول الجنوب العالمي، إذ تبرهن على أن بوسع المرء أن يرتقي من العدم ليصبح “ملكاً”، فهي تمثل تجسيداً حياً للإنصاف الاجتماعي والنجاح المستحق (“ما لا يأتي بالقلم يأتي بالقدم.”).

  1. 3. مرآة للهويات والنزعة القبلية المُهذَّبة

تُعد كرة القدم وسيلةً قويةً لتعزيز الشعور بالانتماء وتحقيق الاعتراف، سواء على الصعيد الجيوسياسي أو المحلي.

           – إثبات الذات: يُعد ارتداء قميص النادي أو المنتخب الوطني وسيلةً لإظهار الهوية والتاريخ، بل وحتى شكلاً من أشكال المقاومة في بعض الأحيان. وبالنسبة للجماهير، غالباً ما يمثل النادي الحصن الأخير لهوية مجتمعية أو طبقة عاملة في مواجهة العولمة التي تسعى لفرض نمط موحد (ويتجلى ذلك في الجذور التاريخية لأندية مثل ليفربول ونابولي وبرشلونة).

          – الحرب بوسائل أخرى: كما أشار جورج أورويل[2] ، فإن الرياضة التنافسية رفيعة المستوى هي شكل من أشكال الحرب التي تُخاض دون أسلحة؛ فهي تتيح التعبير عن النزعة القومية أو التعصب القومي في إطار طقسي ومُنظَّم، مما يوفر متنفساً لتفريغ التوترات الجيوسياسية أو الاجتماعية الحقيقية.

  1. التنفيس والتفريغ العاطفي

غالباً ما تتسم الحياة اليومية للجماهير بالروتين، والاغتراب الناجم عن العمل، والقيود الاجتماعية؛ وهنا توفر كرة القدم مساحةً للتحرر التام.

           – تعليق الأعراف الاجتماعية: سواء في الملعب أو أمام الشاشة، يصبح من المقبول الصراخ، والبكاء، وتوجيه الشتائم (ضمن حدود معينة)، ومعانقة الغرباء. إنها أشبه بكرنفال عصري تتلاشى فيه التراتبيات الاجتماعية ولو للحظات.

– الدراما المرسومة الأحداث: تمثل كل مباراة مأساةً إغريقيةً مصغرة، تكتمل فيها عناصر التشويق، والمظالم (كأخطاء التحكيم)، والخيانة، والمعجزات؛ مما يتيح للناس اختبار مشاعر جياشة غالباً ما تعمل الحياة المعاصرة على تسطيحها وتجريدها من حدتها.

  1. الازدواجية الرمزية: الفضيلة الشعبية مقابل “أفيون الشعوب”

تتحدد صورة كرة القدم في أذهان الجماهير من خلال توتر جوهري وحاسم:

– وسيلة لتجسيد الفضائل الشعبية: فهي ترمز، من ناحية، إلى قيم مثل التضامن، والتضحية بالذات من أجل المصلحة العامة، والانضباط، والصمود في وجه الشدائد؛ إذ تمثل “مدرسة الشارع” وتجربةً إنسانيةً مشتركة.

– أداة للاغتراب (مبدأ “الخبز والسيرك”): ومن ناحية أخرى، ينظر إليها قطاع من الجماهير والمراقبين النقديين بوصفها وسيلةً لإقصاء السياسة وتجريد الناس من اهتماماتهم السياسية. فصناعة كرة القدم -التي تتسم بالتضخم المالي المفرط والفساد وثقافة المشاهير المنفصلة عن الواقع- يُنظر إليها أحياناً على أنها “أفيون الشعوب” الجديد؛ أي ذلك المشهد الشامل الذي تديره السلطة لتسلية العامة، والتغطية على الأزمات الاقتصادية، وتوجيه الغضب الاجتماعي نحو انفعالات لا تشكل أي تهديد للنظام القائم.

باختصار، لا تُعد كرة القدم بالنسبة للجماهير مجرد لعبة رياضية، بل هي استعارة للحياة؛ فهي ساحة تُكتب فيها الأساطير المعاصرة، ومساحة يلعب فيها الناس أدوار المشاركين والحكام والمتفرجين على واقعهم الخاص. وهي في الأخير، تعبير عن المشاعر والعواطف والطموحات والآمال والأفراح والأحزان التي تختزنها الجماهير. فهل للمناضل التقدمي ان يقفز على هاته الحالات ويتعامل باستهزاء بها ويعمل، في آخر المطاف، على ابعاد ذاته وحزبه عن “الماء الذي يجب أن يستحم فيه؟

        ما العمل لإصلاح العلاقة بين الفكر التقدمي وجماهير كرة القدم؟                  ل-

بالنسبة للفكر التقدمي، تتطلب استعادة الصلة الحقيقية بكرة القدم تحولاً جوهرياً في الموقف أولاً: ألا وهو التخلي عن التعالي الفكري، والاعتراف بأن الملعب يمثل أحد آخر المساحات الحية للثقافة الشعبية، والتضامن العفوي، والتنظيم الذاتي.

لقد وقعت شريحة من الفكر التقدمي -لفترة طويلة- في خطأ اختزال كرة القدم في كونها مجرد “أفيون للشعوب” أو أداة محضة للاغتراب الرأسمالي، مع النظر إلى المشجعين بعين الريبة أو بمنطق الوصاية. لذا، فإن كسب تأييد المشجعين ومجموعات “الألتراس” للقضايا التقدمية – دون المساس بهويتهم أو تشويه شغفهم- يستلزم الالتزام بمبادئ محددة للسلوك وبناء التحالفات.

  1. 1. التخلي عن الازدراء الطبقي وعادة إلقاء المواعظ الأخلاقية

نشأت روابط المشجعين وحركة “الألتراس” كرد فعل على شعورٍ بالسلب والحرمان: سلب رياضتهم لصالح المصالح التجارية، وفقدان حيزهم المكاني بسبب تحويل الملاعب إلى مساحات للنخبة (عملية “الارتقاء الطبقي” للملاعب)، فضلاً عن الوصم الذي تمارسه وسائل الإعلام والشرطة.

إذا تسللت الأفكار التقدمية إلى المدرجات وهي تحمل طابع الوعظ بالفضيلة المدنية من منطلق التعالي الأخلاقي، فسيتم رفضها فوراً باعتبارها تدخلاً برجوازياً أو تكنوقراطياً.

 – الاعتراف بمشروعية المشاعر الشعبية: إن الشغف بكرة القدم ليس دليلاً على غياب العقلانية؛ بل هو حاجة مشروعة للانتماء المجتمعي، والشعور بالارتباط بالمكان، وتفريغ الانفعالات، والتعبير العاطفي العفوي غير المحسوب في عالم تحولت فيه كل الأشياء إلى سلع.

استبدال الأحكام المسبقة بالفهم: بدلاً من إدانة التجاوزات أو الثقافة القبلية ببرود، علينا أن نفهم ما تعبر عنه هذه الممارسات من حيث الهوية الجماعية ومقاومة النموذج الإداري العالمي السائد.

  1. دعم نضالات الجماهير (شعار “ضد كرة القدم الحديثة”)

تقود مجموعات “الألتراس” بالفعل حركة نقدية جذرية للرأسمالية المالية ودولة الأمن، وغالباً ما يتم ذلك دون اللجوء إلى المصطلحات الأكاديمية المعقدة. لذا، يتعين على الفكر التقدمي أن يضع نفسه في موقع الحليف لهذه النضالات القائمة.

– الدفاع عن “كرة القدم للشعب“: التصدي لأسعار التذاكر الباهظة، وإعادة جدولة المباريات لتلائم البث التلفزيوني، وتحويل المشجعين إلى مجرد زبائن؛ إذ يُعد شعار “ضد كرة القدم الحديثة” بمثابة نقد اجتماعي مباشر.

– الحق في المدينة والملعب: الدفاع عن الحريات المدنية في مواجهة القمع الشرطي المفرط (مثل حظر السفر، والإدراج التعسفي في القوائم السوداء، والمراقبة الجماعية). وبالنسبة للتقدميين، فإن الحقوق المدنية للمشجعين لا تقل أهمية عن حقوق أي مواطن آخر.

  1. احترام استقلالية وثقافة مجموعات “الألتراس”

تُعد الاستقلالية الركيزة المقدسة لثقافة “الألتراس”؛ فهي استقلالية عن الأندية والعلامات التجارية ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية.

رفض الاستغلال الانتهازي: سرعان ما يكشف المشجعون السياسيين الذين يظهرون لكسب الأصوات أو يرتدون وشاح الفريق خلال المباريات الكبرى. لذا، يجب ألا تسعى الحركات التقدمية إلى استمالة مدرجات المشجعين أو تجنيدهم لأغراضها.

تعلم “القواعد” المحلية: لكل مدرج مشجعين تاريخه الخاص، ورموزه، وجذوره المحلية، ومصطلحاته العامية؛ والعمل معهم يتطلب احترام هذه “القواعد” بدلاً من محاولة فرض لغة نشطاء جاهزة ومُعلّبة.

  1. إعطاء الأولوية للتضامن الملموس على الخطاب النظري المجرد

تتمتع حركة “الألتراس” بقدرة لافتة على الحشد الاجتماعي وتقديم الدعم المتبادل داخل المجتمع (مثل حملات توفير الغذاء، ومساندة المصانع التي تشهد إضرابات عمالية، وتقديم الإغاثة العاجلة أثناء الكوارث الطبيعية، والمبادرات المحلية في الأحياء).

– التقارب القاعدي: تُبنى الجسور من خلال الأفعال الملموسة والانخراط الميداني؛ فعندما تدعم الحركات التقدمية المبادرات المحلية التي تقودها مجموعات المشجعين—مثل البطولات الرياضية الشعبية أو برامج التواصل مع الشباب المهمشين—تتولد حالة من الثقة المتبادلة.

– تعزيز مناهضة العنصرية والشمولية من الداخل: إن مكافحة العنصرية، أو كراهية النساء، أو رهاب المثلية في المدرجات لا تتحقق عبر العقوبات الإدارية أو المقاطعة الخارجية (التي لا تؤدي إلا إلى تعزيز الشعور بالاضطهاد)؛ بل يكمن النجاح في استناد الجهود على التضامن الطبقي، واحترام ألوان الفريق، وقيم الأخوة التي تجسدها المدرجات في أبهى صورها.

  1. 5. تقدير الخبرات الميدانية والتنظيم الذاتي

لا تقتصر أدوار مجموعات “الألتراس” على تافرجة السلبية، بل هم صنّاع للثقافة (من خلال العروض البصرية المتقنة المعروفة بـ “التيفو”، والهتافات، والمطبوعات الجماهيرية المستقلة، وتنظيم تنقلات الآلاف، وممارسة الديمقراطية الداخلية).

يتعين على الفكر التقدمي أن يدرك هذا التنظيم الذاتي بوصفه تجسيداً ملموساً لقوة الشعب وآليات الإدارة الأفقية. ومن خلال الاحتفاء بهذا الذكاء الجماعي – بدلاً من رفضه واعتباره مجرد “تحريض”- تُثبت الرؤية التقدمية أنها تتعامل بجدية مع القدرات السياسية والإبداعية للطبقات العاملة.

لن يتحقق كسب التأييد الشعبي في كرة القدم عبر محاولات تسييس مدرجات المشجعين بشكل مصطنع أو إخماد جذوة الشغف؛ بل يتحقق ذلك من خلال إثبات أن القيم التي يتبناها المشجعون بعفوية – كالولاء للجماعة، ورفض اعتبار الربح القيمة الوحيدة، والدفاع عن “أرضهم”، والتضامن في مواجهة السلطة التعسفية – هي في جوهرها القلب النابض لرؤية تقدمية للمجتمع.

[1] Rocoeur Paul. « Le symbole donne à penser ». « Herméneutique des symboles et réflexion philosophique » dans le conflit des interprétations. Essai d’herméneutique. Paris. Seuil. 1969.

[2]جورج. أورويل. 14/12/ 1945/, مقال في جريدة “لاتربين” اللندنية بعنواو “الروح الرياضية”

شارك هذا الموضوع

د. عبد الوهاب الصافي

متخصص في تدبير الموارد البشرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!