أزمة الحضور.. من يصنع العقل في جامعة بلا طلاب؟

أزمة الحضور.. من يصنع العقل في جامعة بلا طلاب؟

د. زياد أسعد منصور

       مؤسف، بل ومخجل، ما بدأنا نشهده في التعليم الجامعي من تحول تدريجي في معنى الانتساب إلى الجامعة نفسها، ولا سيما في عدد من الجامعات الرسمية وفي اختصاصات العلوم الاجتماعية، والسياسية، والحقوقية، والإنسانية. لم تعد المسألة مجرد غياب عارض لطالب أو مجموعة من الطلاب، وهو أمر عرفته الجامعات دائماً، بل باتت تتصل بظاهرة أعمق تتمثل في قاعات تدريس تفرغ تدريجياً من طلابها، وأساتذة يحضرون لإعطاء محاضراتهم فيما يغيب قسم كبير ممن يفترض أنهم يتلقونها، ثم يستمر النظام الأكاديمي وكأن شيئاً جوهرياً لم يحدث. والخطورة ليست في المقعد الفارغ في حد ذاته، وإنما في أن نعتاد رؤيته فارغاً، وأن يصبح غياب الطالب أمراً طبيعياً لا يستدعي السؤال عن معنى الجامعة، وعن وظيفة الأستاذ، وعن طبيعة المعرفة التي يمكن أن يحصل عليها طالب لم يعش حياة جامعية فعلية.

إن السؤال الذي ينبغي أن نمتلك شجاعة طرحه هو: ما الذي يبقى من الجامعة إذا أصبح ممكناً للطالب أن ينتسب إليها، وأن يمضي فصلاً أو سنة، وربما سنوات، من غير أن تربطه بأستاذه علاقة معرفية منتظمة، ومن غير أن يشارك في النقاش الذي يفترض أن يحدث داخل القاعة، ثم يحصل في النهاية على مقرر مجتزأ أو ملخص أو مجموعة ملفات يستعد منها للامتحان؟ وهل يمكن أن نساوي فعلاً بين طالب عاش المحاضرة، وناقش واعترض وسأل وأخطأ وصحح أفكاره، وطالب لم يعرف من المقرر إلا أوراقه الأخيرة؟

هذه ليست قضية إدارية تتعلق بالحضور والغياب بقدر ما هي قضية تمس فلسفة التعليم الجامعي نفسها؛ لأن الجامعة لم تُنشأ لكي تكون مكاناً لتوزيع الشهادات، وإنما لكي تكون فضاءً لتكوين العقل.

بين الظروف الاجتماعية وصناعة العذر

لا يجوز، ونحن نناقش هذه الظاهرة، أن نتجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطلاب. هناك بالفعل طالب يعمل لكي يستطيع أن يتعلم، وطالبة أو طالب يعيل أسرة، ومن يرعى والديه، ومن لديه أطفال، ومن يواجه مشقة الانتقال إلى الجامعة، ومن أصبحت تكاليف النقل والمعيشة بالنسبة إليه عبئاً حقيقياً. هذه حالات موجودة وتستحق أن تمتلك الجامعة سياسات اجتماعية مرنة للتعامل معها، لأن العدالة الأكاديمية لا تعني تجاهل التفاوت الاجتماعي بين الطلاب.

لكن الاعتراف بهذه الحالات لا ينبغي أن يتحول إلى قبول غير مشروط بثقافة الغياب. فمن أكثر الحجج التي باتت تتكرر عند السؤال عن الطالب الغائب القول إنه «يعمل»، حتى كادت هذه العبارة تصبح تفسيراً جاهزاً لا يحتاج إلى إثبات. والمشكلة هنا ليست في الطالب الذي يعمل فعلاً، فهذا ينبغي أن تساعده الجامعة، وإنما في أن تتحول حجة العمل إلى عذر عام لا يخضع للتحقق، وأن يصبح مطلوباً من المؤسسة الأكاديمية أن تفترض مسبقاً أن كل غياب له مبرره المشروع.

لا أعتقد أنه من العدل اتهام الطلاب جماعياً بأنهم لا يقولون الحقيقة، كما لا أعتقد أنه من المسؤولية أن تقبل الجامعة كل تبرير من دون ضابط. فإذا كان العمل سبباً دائماً يحول دون حضور الطالب، فمن الطبيعي أن تكون هناك آلية تثبت طبيعة هذا العمل وساعاته ومدى تعارضه مع البرنامج الجامعي، ومن ثم تبحث الجامعة عن الحل الممكن. أما أن يصبح مجرد القول «أنا أعمل» كافياً لتبرير غياب يمتد أسابيع أو فصلاً كاملاً، فإننا بذلك نكون قد نقلنا الجامعة من موقع المؤسسة التي لها متطلبات إلى موقع المؤسسة التي لا تطلب من المنتسب إليها سوى الظهور عند الامتحان.

والسؤال الذي نتجنب طرحه هو: إذا كان على الجامعة دائماً أن تعيد تنظيم نفسها حول عمل الطالب، فهل يملك الطالب في المقابل مسؤولية تنظيم جزء من حياته حول جامعته؟ إن الانتساب إلى الجامعة ليس نشاطاً يمارسه الإنسان في الوقت الذي يتبقى له بعد الانتهاء من جميع التزاماته الأخرى، بل هو في ذاته التزام. ومن يريد الجمع بين العمل والدراسة ينبغي أن تساعده الجامعة قدر استطاعتها، لكن المساعدة شيء وإلغاء مقتضيات الدراسة شيء آخر. لا يمكن أن نعالج المشكلة الاجتماعية للطالب بإلغاء الجامعة من حياته الأكاديمية.

الأستاذ ليس ملف PDF

هنا نصل إلى المسألة التي أراها في صميم الأزمة كلها: لقد بدأنا، من حيث ندري أو لا ندري، نختزل الأستاذ في «المقرر»، ونختزل المقرر في مجموعة أوراق أو ملفات إلكترونية، حتى أصبح السؤال عند بعض الطلاب ليس: ماذا قال الأستاذ؟ وكيف شرح؟ وما الذي ناقشه في المحاضرة؟ بل: أين الملف الذي سأدرس منه للامتحان؟

وهذا اختزال خطير لمعنى التعليم، لأن الأستاذ ليس ملف PDF، والمحاضرة ليست نسخة منطوقة عن صفحات مكتوبة، والجامعة ليست منصة لتحميل الملفات.

لو كانت مهمة الأستاذ الجامعي مجرد نقل المعلومات، لكان الكتاب قد ألغى وظيفته منذ قرون، ولكانت محركات البحث قد جعلته فائضاً عن الحاجة منذ سنوات، ولكان الذكاء الاصطناعي اليوم أقدر منه على تقديم كميات هائلة من المعلومات في زمن لا يستطيع الإنسان منافسته فيه. لكن الأستاذ لم يكن موجوداً تاريخياً لأن المعلومات لا يمكن الوصول إليها من دونه، وإنما لأن المعرفة الجامعية لا تتكون من المعلومات وحدها.

الطالب يتعلم من أستاذه كيف يُطرح السؤال قبل أن يتعلم الإجابة عنه، وكيف يقرأ النص قبل أن يحفظ مضمونه، وكيف يميز بين الوثيقة وتأويلها، وبين المعلومة والرأي، وبين الحجة والانطباع، وبين الشك المنهجي والإنكار. ويتعلم منه أيضاً كيف يعترف الباحث بأن الدليل لا يكفي، وكيف يتراجع عن رأي عندما تناقضه الوقائع، وكيف يبني موقفاً يستطيع الدفاع عنه أمام الاعتراض. وهذه كلها مهارات فكرية لا تنتقل بصورة كاملة في مقرر مكتوب مهما بلغت جودته.

ثمة معرفة تنتقل عبر ما يمكن تسميته المعاشرة الفكرية بين الأستاذ وطلابه؛ فالطالب الذي يجلس أمام أستاذه فصلاً بعد فصل لا يتلقى منه محتوى المقرر فقط، وإنما يراقب طريقته في التفكير، وطريقة تعامله مع السؤال الصعب، وتردده أمام المعلومة غير المؤكدة، وعودته إلى المرجع عندما يشك، وكيفية بنائه للحجة أو تفكيكه لها. وربما ينسى الطالب بعد سنوات تفاصيل كثيرة من المقرر، لكنه يحتفظ بالطريقة التي تعلم بها أن يفكر.

وهذا ليس تصوراً رومانسياً للعلاقة الجامعية، فالبحث في التعليم العالي أكد منذ عقود أن التفاعل الفكري بين الطالب وعضو هيئة التدريس يرتبط بالأداء الأكاديمي والتطور الفكري. وقد وجد بعض الباحثين، بعد ضبط عدد من الخصائص السابقة لدخول الجامعة، أن التفاعلات غير الرسمية بين الطلاب والأساتذة، ولا سيما تلك التي تتمحور حول القضايا الفكرية والمتعلقة بالمقررات، ترتبط إيجابياً بالأداء الأكاديمي والتطور الفكري.

حين لا يعرف الطالب أستاذه ولا يعرف الأستاذ طلابه

من أكثر المشاهد دلالة على عمق المشكلة أن يأتي طالب إلى شخص في الجامعة ليسأله: «أين أجد الأستاذ فلاناً؟»، ويكون الشخص الذي يقف أمامه هو الأستاذ نفسه. قد تبدو الحادثة طريفة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة مؤلمة؛ لأنها تعني أن طالباً يمكن أن ينتسب إلى مقرر، وربما يتقدم إلى امتحانه، من دون أن يعرف وجه أستاذه أو صوته أو طريقته في التفكير.

والمشكلة ليست فقط أن الطالب لم يعرف أستاذه؛ فالأستاذ أيضاً لم يعد يعرف طلابه. وهنا تحدث خسارة لا يمكن أن تعوضها العلامة الامتحانية. كيف يستطيع الأستاذ أن يميز الطالب الذي يمتلك بذرة باحث حقيقي من الطالب الذي يجيد الحفظ؟ وكيف يكتشف طالباً لديه قدرة استثنائية على التحليل لكنه ضعيف في الامتحان التقليدي؟ وكيف يرى تطور عقل طالب كان صامتاً في بداية الفصل ثم بدأ بعد أسابيع يطرح أسئلة تكشف عن موهبة حقيقية؟ وكيف يرشح طالباً للدراسات العليا أو البحث العلمي أو المسؤولية الأكاديمية إذا كانت علاقته به لا تتجاوز اسماً ورقماً وعلامة؟

الامتحان يخبر الأستاذ، في أحسن الأحوال، بما استطاع الطالب أن يكتبه في زمن محدد، لكنه لا يخبره بالضرورة من هو هذا الطالب، وكيف يفكر، وما حدود قدراته، وأين يمكن أن يصل. هذه المعرفة تتشكل بالتراكم، في القاعة والمناقشة والسؤال والاعتراض والمتابعة. ولذلك فإن اختفاء العلاقة المباشرة لا يضر بالطالب وحده، بل يحرم الأستاذ نفسه من إحدى أهم وظائفه: اكتشاف العقول.

ما نفقده هو المناخ الأكاديمي الإنساني

لقد فقدنا، أو بدأنا نفقد، شيئاً يصعب قياسه بالمؤشرات الإدارية، ويمكن تسميته بالمناخ الإنساني والعاطفي الأكاديمي الذي كان ينشأ بين الأستاذ وطلابه. والمقصود بالعاطفة هنا ليس المحاباة ولا العلاقة الشخصية التي تتجاوز حدود الجامعة، وإنما ذلك الارتباط الفكري والإنساني الذي يجعل طالباً يتذكر بعد عشرين عاماً أن أستاذاً بعينه غيّر طريقة قراءته، أو أن سؤالاً سمعه في محاضرة غيّر مساره، أو أن أستاذاً اكتشف فيه قدرة لم يكن هو نفسه يعرف أنها موجودة.

لقد جاءت جائحة كوفيد-19 لتعمق مسافة كانت تتشكل أصلاً بين الطالب والجامعة، وفرضت ظروفها انتقالاً واسعاً إلى التعليم عن بُعد. ولا حاجة إلى بناء سرديات غير مثبتة حول أصل الجائحة لكي ندرك أثرها العميق في الثقافة التعليمية؛ فالمشكلة التي ينبغي أن تهمنا هنا هي أن ما فُرض بوصفه حلاً استثنائياً في ظرف استثنائي ترك وراءه اعتياداً على إمكان ممارسة التعليم بعيداً عن المكان الجامعي والعلاقة المباشرة.

ولا يعني ذلك رفض التكنولوجيا أو التعليم الإلكتروني، فهما أصبحا جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه من الجامعة المعاصرة، لكن الخطر يكمن في الانتقال من استخدام التكنولوجيا لخدمة العملية التعليمية إلى إعادة تعريف العملية التعليمية نفسها بحيث تصبح العلاقة الإنسانية المباشرة عنصراً زائداً يمكن الاستغناء عنه.

الذكاء الاصطناعي والسؤال عن بقاء الأستاذ

يزداد هذا السؤال إلحاحاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى الجامعة. فإذا كنا قد اختزلنا الأستاذ إلى شخص يرسل الملفات ويلخص الكتب ويقدم إجابات جاهزة، فقد جعلناه بأنفسنا قابلاً للاستبدال؛ لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يلخص كتاباً ويشرح نظرية ويقترح مراجع ويولد أسئلة في ثوانٍ. وإذا أصبحت الجامعة نفسها تقول للطالب عملياً: خذ هذه الأوراق، ادرسها، تقدم إلى الامتحان، واحصل على شهادتك، فما الذي سيبقى بعد ذلك لتبرير وجود الأستاذ والقاعة والحرم الجامعي؟

لكن الخطأ هو أن نحاول منافسة الذكاء الاصطناعي في ما يتفوق فيه تقنياً. قيمة الأستاذ ليست في قدرته على تخزين معلومات أكثر، وإنما في قدرته على تكوين عقل يعرف ماذا يفعل بالمعلومات. الأستاذ الحقيقي يواجه الطالب بحجته، ويسأله من أين أتى بها، ويكشف له تناقضها، ويطلب منه الدفاع عنها، ثم يجعله يعيد بناءها. وهو، حين يعرف طلابه، يستطيع أن يلاحظ تطورهم وأن يفرق بين نص أنتجه الطالب فعلاً ونص لا يشبه مستواه الفكري، وبين معرفة استوعبها الطالب ومعرفة استعار لغتها.

ولهذا فإن مواجهة الذكاء الاصطناعي لا تكون بإبعاد الإنسان عن العملية التعليمية أكثر، وإنما باستعادة أكثر ما في الجامعة إنسانية: الحوار، والنقاش، والاختلاف، والشك، والمساءلة، والحضور. فالإنسان هو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، ولا ينبغي للجامعة أن تتخلى عن الإنسان لكي تنافس الآلة التي صنعها.

الحضور ليس عقوبة، بل شرط من شروط الانتماء الجامعي

من هنا يصبح ضرورياً إعادة الاعتبار إلى الحضور، لا باعتباره أداة عقاب أو وسيلة لمراقبة الطلاب، وإنما باعتباره جزءاً من معنى الانتساب إلى الجامعة. ويمكن للجامعة أن تناقش النسبة المناسبة، وأن تعتمد، مثلاً، حداً أدنى يبلغ 60 في المئة في المقررات الحضورية، مع استثناءات منظمة وموثقة للحالات المرضية والاجتماعية والمهنية القاهرة. ولا أدعي أن نسبة الستين في المئة رقم علمي مقدس؛ إنها اقتراح تنظيمي يمكن تعديله وفق طبيعة الجامعة والمقرر والاختصاص، أما المبدأ الذي لا ينبغي التخلي عنه فهو أنه لا يمكن أن يبقى الطالب منتسباً إلى تعليم حضوري وهو غائب عنه بصورة شبه دائمة.

غير أن استعادة الحضور تفرض مسؤولية موازية على الأستاذ والجامعة. فلا معنى لإجبار الطالب على الحضور لكي يستمع إلى أستاذ يقرأ أمامه ما يستطيع أن يقرأه بنفسه في المنزل. إذا أردنا استعادة القاعة فعلينا أن نستعيد قيمة ما يحدث داخلها. ينبغي أن تكون المحاضرة مكاناً يحدث فيه شيء لا يمكن اختزاله في الملف الذي سيرسل لاحقاً: تحليل وثيقة، أو نقاش مشكلة، أو تفكيك حجة، أو مواجهة بين رأيين، أو سؤال يغير مسار المحاضرة. فالحضور الحقيقي ليس وجود جسد الطالب في المقعد، وإنما دخول عقله في العملية التعليمية.

الجامعة الرسمية لا تستطيع أن تتحول إلى مصنع للشهادات

هناك بعد آخر ينبغي ألا نغفله، وهو تحول الأعداد والمؤشرات والتصنيفات إلى غاية قائمة بذاتها. فالجامعة تحتاج إلى الطلاب، والمؤسسة الرسمية تحتاج إلى حماية حضورها الاجتماعي، لكن زيادة عدد المسجلين لا يمكن أن تكون نجاحاً في ذاتها إذا كان جزء من هؤلاء لا يعيش حياة جامعية فعلية. كما أن ارتفاع نسب النجاح لا يثبت بالضرورة ارتفاع جودة التعليم، لأن السؤال الأهم ليس كم طالباً دخل الجامعة وكم واحداً خرج منها، وإنما ماذا حدث للعقل الموجود بين لحظة الدخول ولحظة الخروج.

هل أصبح الطالب أكثر قدرة على السؤال، والتحليل والبحث والتحقق؟ هل يستطيع أن يميز بين المصدر والرأي؟ هل أصبح قادراً على الدفاع عن موقفه، وعلى تغييره عندما يظهر دليل أقوى؟ هل تعلم أن يقول «لا أعرف» بدلاً من أن يخترع إجابة؟ إذا لم يحدث شيء من ذلك، فقد تكون الجامعة قد نجحت في إنتاج خريج، لكنها لم تنجح بالضرورة في إنتاج إنسان جامعي.

حين تصبح خسارة الجامعة خسارة وطن

لهذا لا أرى القضية مشكلة تخص الأستاذ الذي يتألم لأن قاعته فارغة، ولا مشكلة تخص الإدارة التي تريد ضبط الحضور. إننا نتحدث عن خسارة تتجاوز أسوار الجامعة؛ لأن الطالب الذي يتخرج اليوم بتكوين ناقص لن يبقى داخل الجامعة، بل سيصبح غداً معلماً، أو محامياً، أو قاضياً، أو صحافياً، أو موظفاً عاماً، أو باحثاً، وربما يصبح أستاذاً جامعياً يعلم جيلاً آخر.

وهنا يصبح السؤال بالغ القسوة: كيف سيعلم التفكير من لم يتدرب على التفكير؟ وكيف سيصنع معلماً عقلاً لدى تلاميذه إذا كان تكوينه هو نفسه قد تم عبر ملخصات ومقررات مجتزأة ومن دون احتكاك حقيقي بأساتذته؟ إن ضعف الجامعة لا يبقى في الجامعة، بل ينتقل بعد سنوات إلى المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والسياسة ومؤسسات الدولة، ولذلك فإن ما نخسره عندما تفرغ القاعات ليس مجرد ساعات تدريس، وإنما جزء من القدرة المستقبلية للمجتمع على إنتاج نخبته الفكرية والمهنية.

قبل أن نفقد مبرر وجود القاعة نفسها

إذا استمر هذا المسار، فربما نصل في وقت ليس بعيداً إلى سؤال اقتصادي بارد لكنه منطقي: إذا كان الطالب لا يحتاج إلى الحضور، فلماذا نحتاج إلى القاعة؟ وإذا لم نعد بحاجة إلى القاعة، فلماذا كل هذه المباني والكلفة والمكاتب؟ وإذا كانت المعرفة يمكن اختزالها في ملفات إلكترونية تصل إلى الطالب حيث يقيم، فلماذا نحتاج في النهاية إلى الأستاذ نفسه؟

عندها سنكتشف أن أخطر ما فعلناه لم يكن السماح للطالب بالغياب، بل أننا ساهمنا، من حيث لا ندري، في إلغاء المبرر الاجتماعي والفكري للجامعة التي نعرفها.

لذلك ينبغي أن نستعيد القاعة قبل أن نفقد الحاجة إليها، لكن القاعة التي ينبغي الدفاع عنها ليست أربعة جدران وصفوفاً من المقاعد، وإنما مكان يلتقي فيه عقل بعقل. نريد الطالب فيها لا لكي نسجل اسمه في دفتر الحضور، بل لكي نستطيع أن نرى عقله وهو يتغير، ونريد الأستاذ فيها لا لكي يقرأ مقرراً، وإنما لكي يصنع سؤالاً، ويكتشف موهبة، ويصحح فكرة، ويزرع شكاً معرفياً، ويفتح أمام طالب طريقاً ربما لم يكن يعرف أنه موجود.

فالجامعة ليست المكان الذي يحصل فيه الإنسان على ورقة تقول إنه أصبح متعلماً، وإنما المكان الذي يفترض أن يخرج منه مختلفاً عما كان عليه عندما دخله. وإذا أصبح الطالب قادراً على الحصول على شهادته من أستاذ لا يعرف وجهه، وأصبح الأستاذ يضع علامات لطلاب لا يعرف أفكارهم ولا قدراتهم ولا تطورهم، فقد تبقى الأبنية والقاعات واللوائح والشهادات، لكن شيئاً أساسياً اسمه الجامعة سيكون قد بدأ بالاختفاء.

الأستاذ ليس ملف PDF، والطالب ليس رقماً في لوائح التسجيل، والمحاضرة ليست أوراقاً تحفظ عشية الامتحان. إن الجامعة، قبل كل شيء، علاقة بين عقل وعقل؛ وإذا قطعنا هذه العلاقة، فلن تكون المشكلة أن القاعات قد فرغت من الطلاب فحسب، بل أن علينا أن نخشى يوماً تصبح فيه الشهادات ممتلئة بالأسماء، فيما تفرغ العقول من المعنى الذي أُنشئت الجامعة أصلاً من أجل صناعته.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!