زعزعة جديدة في الجبهة الغربية وصدمة قاسية لأوروبا!

زعزعة جديدة في الجبهة الغربية وصدمة قاسية لأوروبا!

سمير سكاف

       يشكّل تراجع واشنطن عن العقوبات النفطية وتبعاتها الجيوسياسية ضد روسيا مع خيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس فلاديمير بوتن على حساب أوروبا والرئيس الأوكراني فلودومر زيلينسكي صدمة كبيرة لأوروبا ولأوكرانيا!

وهو يسبب تصدعاً جديداً في الجبهة الغربية، وخللاً في السياسة كما في التشريع في واشنطن وفي العواصم الغربية!

كل ذلك، على خلفية القرار الأخير للإدارة الأمريكية بالسماح بالمشتريات العالمية من الديزل الروسي. 

هذا التحول “المباغت” جاء بعد وقت قصير من توقيع قوانين عقوبات صارمة أقرها الكونغرس ضد روسيا!

وهو يضع بالتالي الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية.

كما يفتح الباب أمام قراءة أبعاد موقف الرئيس ترامب وتداعياته في كل الاتجاهات.

 أولاً: ماذا يعني موقف ترامب في السياسة الأميركية الداخلية؟

 1 – ​على المستوى السياسي الاستراتيجي

يعكس قرار إدارة الرئيس ترامب تفضيل الحسابات الاقتصادية المحلية ذات الطابع الانتخابي السريع وضبط أسعار الوقود على التوازنات الاستراتيجية الكبرى والالتزامات التحالفية طويلة الأجل.

 2 – ​البراغماتية “الصادمة”!

يكرس قرار الرئيس ترامب مبدأ “أمريكا أولاً”! 

حيث لا مانع لدى الإدارة الأميركية من مد جسور التعاون التجاري مع الخصوم التاريخيين، مثل موسكو، متى اقتضت الضرورة الاقتصادية الداخلية ذلك!

3 – ​تآكل الفصل بين السلطات

يأتي القرار ليضرب عمق التوافق المؤسسي داخل واشنطن، لا سيما بعد جهود مضنية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لإقرار رزمة عقوبات قاسية ضد روسيا. 

ويظهر هذا التجاوز رغبة تنفيذية كبيرة في الالتفاف على القيود التشريعية واستخدام الصلاحيات الاستثنائية لصالح سياسات الرئيس ترامب.

4 – ​التحول نحو الصفقات الثنائية

يثبت الموقف أن الرئيس ترامب يؤمن بالدبلوماسية الشخصية والاتفاقات الثنائية المباشرة مع القادة الأقوياء مثل فلاديمير بوتين، أكثر مما يؤمن بمجلس الأمن على سبيل المثال.

ويعتقد الرئيس ترامب أن هذه الصفقات وحدها كفيلة بحل الأزمات، حتى لو جاءت على حساب الشركاء التقلديين.

​ثانياً: التبعات الجيوسياسية في روسيا، أوكرانيا، وأوروبا

​أ – في روسيا: انتعاش مالي ومعنوي للكرملين

1 – ​انتعاش الاقتصاد الحربي

يمثل السماح بتدفق عوائد الديزل الروسي للأسواق العالمية رافداً مالياً مباشراً يعزز قدرة موسكو على تمويل آلتها العسكرية في أوكرانيا، ويخفف من وطأة العقوبات الغربية السابقة.

2 – ​انتصار ديبلوماسي لروسيا

يمنح هذا التحول القيادة الروسية شعوراً أن استراتيجيتها قد انتصرت، وأنه بات بإمكانها اختراق العزلة الدولية المفروضة عليها عبر الضغط على نقاط الضعف الاقتصادية الغربية.

​ب – في أوكرانيا: خيبة وفقدان توازن

 1 – ​خيبة أمل رسمية وشعبية

قوبل قرار الرئيس ترامب بغضب عارم في كييف، حيث اعتبر الرئيس فلودومر زيلينسكي ومسؤولون أوكرانيون أن هذه الخطوة بمثابة “هدية عيد ميلاد” للكرملين وطعنة في ظهر الشعب الأوكراني الذي يواجه القصف والعدوان اليومي!

 2 – ​تراجع الثقة الأوكرانية في المظلة الغربية 

يضاعف الموقف الأميركي من مخاوف كييف بشأن تآكل الدعم الأمريكي.

وهو يضعف موقفها التفاوضي في حال فُرِضت عليها تسويات سياسية مستقبلية لا تضمن استعادة أراضيها أو أمنها الكامل.

 ج- في أوروبا: ارتباك وفقدان البوصلة

1 – ​تقويض جهود المقاطعة الطاقوية

سعت الدول الأوروبية طوال السنوات الماضية لتفكيك ارتباطاتها الطاقوية مع روسيا بكلفة باهظة جداً… جداً على اقتصاداتها!

ولذلك فإن عودة النفط والديزل الروسي للتدفق ب”دعم” أمريكي يعيد خلط الأوراق ويضعف التزام “الحلفاء” بالعقوبات.

لا بل أن قرار الرئيس ترامب يعاقب أوروبا اليوم ويجعل من خياراتها السابقة “عقوبات ذاتية ضد شعوبها”!

2 – ​تصدع الجبهة الغربية 

يُشعر هذا القرار العواصم الأوروبية أنها باتت تغرد خارج السرب الأمريكي!

وهو ما يعمق الهوة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ويخلق أزمة ثقة حادة حيال مدى اعتماد أوروبا على واشنطن كشريك استراتيجي.

ثالثاً: غضب في الكونغرس!

عبّر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي عن غضبهم ضد الرئيس دونالد ترامب لجهة إعلان الإدارة الأمريكية السماح بالمشتريات العالمية من الديزل الروسي، وما يمثله ذلك من تراجع عن سياسات ومساعٍ تشريعية سابقة لمواجهة موسكو.

​وتتلخص أسباب هذا الغضب والانتقادات الحادة في النقاط التالية:

1 – ​وجهة صفقة الديزل الروسي

يعتبر الديمقراطيون، مثل زعيم الأغلبية تشاك شومر وعضوات المجلس جين شاهين وإليزابيث وارن، قرار الرئيس ترامب تمويلاً مباشراً للآلة العسكرية الروسية وحربها في أوكرانيا.

2 – ​التعارض مع القانون الأمريكي الجديد

يعتبر البعض في الكونغرس الأميركي قرار الرئيس ترامب بتناقض مع تشريع أقره الكونغرس بأغلبية ساحقة ووقعه الرئيس ترامب ليصبح قانوناً.

وهو كان يهدف إلى فرض عقوبات صارمة على الدول والمصادر التي تشتري الطاقة الروسية لتقليص الإيرادات التي تمول حرب الكرملين.

3 – ​الإضرار بالأمن القومي والحلفاء

يرى المعارضون أن هذا التحول يوجه ضربة قوية للحلفاء الأوروبيين الذين يخوضون مساراً طويلاً لقطع اقتصاداتهم عن الطاقة الروسية، فضلاً عن تقويض الأمن القومي للولايات المتحدة ومصداقيتها أمام حلفائها.

4 – ​أزمة الطاقة والسياسات البديلة

وجه بعض النواب الأميركيين انتقادات للرئيس ترامب مطالبين إياه بالتركيز على إنهاء الأزمات الإقليمية، مثل الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية، بدلاً من اتخاذ قرارات تُعيد شريان الحياة المالي لروسيا.

 أكثر من قرار اقتصادي… بكثير!

لا يقتصر اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مجرد تفاهم تجاري عابر بشأن شحنات الوقود، بل يعبر عن منعطف أوسع تُعيد فيه الإدارة الأمريكية هندسة أولوياتها بمعزل عن “حلفائها” التقلديين. 

وهو إن كان يهدف محلياً إلى تهدئة الأسواق وضبط الأسعار، إلا أنه يُحدث زلزَالاً في منظومة التحالفات الغربية!

لا بل هو يمنح موسكو مكاسب استراتيجية كانت في أمسّ الحاجة إليها وسط غمار الحرب.

بعد قمة ألاسكا، مرةً جديدة “ترامب يختار بوتين… ضد أوروبا”!

شارك هذا الموضوع

سمير سكاف

كاتب وخبير في الشؤون الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!